أزمة حزب الشعب الجمهوري.. انتخابات فرعية أم معركة إنقاذ سياسي؟

"نفّذ الحزب بشكل خفي خطة تقوم على دفع 22 نائبا إلى الاستقالة"
جدل سياسي دائر داخل حزب "الشعب الجمهوري" المعارض في تركيا، بشأن فكرة الانتخابات الفرعية والتي تخفي وراءها صراعا سياسيا وقضائيا أعمق.
ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب حسين ليك أوغلو، قال فيه: إن "قيادة حزب الشعب الجمهوري تتحرّك برئاسة أوزغور أوزيل في مسار سياسي متصاعد، يتمحور حول ملف الانتخابات الفرعية".
وأضاف أن "ذلك يأتي في وقت تتداخل فيه هذه التحركات مع تطورات قضائية وسياسية حساسة، تمسّ شخصيات بارزة داخل الحزب، في مقدمتها (رئيس بلدية إسطنبول الموقوف) أكرم إمام أوغلو".
ورأى أن “هذا التزامن بين الحراك السياسي والملف القضائي يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الهدف من هذه الخطوات؛ هل هو توسيع المجال الديمقراطي، أم إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية عبر أدوات دستورية؟”

انقسامات داخلية
ولفت ليك أوغلو إلى أنه "خلال الفترة الأخيرة، نفّذ الحزب بشكل خفي خطة تقوم على دفع 22 نائبا إلى الاستقالة، وهو ما سيؤدي إلى تفعيل انتخابات فرعية إلزامية وفق الدستور".
وأوضح أن "الهدف غير المعلن من هذه الخطة كان يتمثل في إعادة إدخال إمام أوغلو إلى البرلمان، ومنحه الحصانة البرلمانية التي من شأنها تعطيل أو تجميد مسار محاكمته".
واستدرك: "غير أن هذه الخطة اصطدمت منذ البداية بعوائق داخلية، أبرزها عدم التوافق بين قيادات ونواب الحزب، وظهور اعتراضات ترى أن تحميل النواب وحدهم كلفة هذا السيناريو أمر غير عادل سياسيا وتنظيميا".
ومع تعثر هذا المسار، جرى الانتقال إلى خيار بديل يستند إلى المادة 78 من الدستور التركي التي تنص على إمكانية إجراء انتخابات فرعية في حال بقاء دائرة انتخابية دون تمثيل.
ضِمن هذا الإطار طُرح اقتراح يهدف إلى دفع نائب من حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" (ديم) في ولاية تونجلي إلى الاستقالة، بما يخلق شرطا دستوريا يسمح بإجراء انتخابات فرعية دون الحاجة إلى استقالات داخلية من حزب الشعب الجمهوري نفسه.
غير أن هذا الطرح لم يلقَ قبولا واضحا، ولم يتم تمريره سياسيا، وهو ما كشف حدود القدرة على هندسة هذا المسار عبر أطراف خارج الحزب، بحسب الكاتب ليك أوغلو.
في موازاة ذلك، ظهرت انقسامات داخلية أكثر وضوحا داخل الحزب، حيث عبّر بعض النواب عن رفضهم فكرة الاستقالة الجماعية، مقدرين أن أي خطوة بهذا الحجم يجب أن تبدأ من رأس القيادة الحزبية وليس من القاعدة البرلمانية.
وقال ليك أوغلو: إن "هذا الجدل الداخلي قد أدى إلى إعادة صياغة الطرح، ليصبح معتمدا على المقاعد الشاغرة أصلا داخل البرلمان، بدلا من أن يخلق فراغات جديدة".
وهو ما نقل الملف من حالة "الإلزام الدستوري" إلى مساحة “التقدير السياسي” التي تخضع في النهاية لقرار الهيئة العامة للبرلمان.
غير دقيق
في هذا السياق، أصبح تصريح رئيس البرلمان نعمان قورتولموش مهما؛ إذ أكد أن الانتخابات الفرعية ممكنة فقط عند تحقق شروطها الدستورية، لكن قرارها النهائي يعود إلى البرلمان نفسه.
وقد عزّز هذا التوضيح فكرة أن المسألة ليست ميكانيكية أو قانونية بحتة، بل سياسية بامتياز، تخضع لمعادلات الأغلبية والتوازنات داخل المؤسسة التشريعية.
وأردف الكاتب التركي بأن "بعض التصريحات السياسية، ومنها ما كان قد صرّح به أوزغور أوزيل أمام الكاميرات، تتداول القول بأن رجب طيب أردوغان قد وصل إلى البرلمان عبر "انتخابات فرعية"، وهو ما يعدّ أمرا غير دقيق أبدا.
وشدد على أن "المسار الذي يستند إليه هذا الادعاء لا يرتبط فعليا بانتخاب أردوغان، بل تم الخلط فيه بين واقعتين مختلفتين من حيث الطبيعة القانونية والإجرائية".
وأوضح الكاتب أنه في عام 2002، وبعد تأسيس حزب العدالة والتنمية، قدّم الحزب عندما كان في موضع المعارضة اقتراحا لإجراء انتخابات فرعية، إلا أن هذا المقترح لم يحصل على موافقة الأغلبية داخل البرلمان، وبالتالي لم يتم اعتماده ولم يتحول إلى إجراء نافذ.
رغم ذلك، يتمّ تقديم هذا المقترح في بعض الأحيان وكأنه تمّ إقراره، وأن أردوغان استفاد منه للدخول إلى البرلمان، وهو ما لا يستند إلى الوقائع، بينما الواقع يُظهِر أن وصول أردوغان إلى البرلمان لم يكن عبر انتخابات فرعية، ولا بقرار صادر عن البرلمان.
ففي انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، شهدت ولاية سييرت مشكلات انتخابية تمثلت في عدم تشكيل بعض لجان صناديق الاقتراع، إضافة إلى تعرض عدد من الصناديق للتلف، وهو ما دفع إلى تقديم طعن أمام الهيئة العليا للانتخابات.
بعد دراسة الطعن، قررت الهيئة إلغاء نتائج الانتخابات في سييرت وإعادة الاقتراع في تلك الدائرة الانتخابية.
وبناء على هذا القرار، أُجريت انتخابات مُعادَة، تمكن خلالها أردوغان من الفوز ودخول البرلمان كنائب.

الغاية الأصلية
وعليه، قال الكاتب: إن ما حدث لا يندرج ضمن مفهوم "الانتخابات الفرعية" كما يُستخدم سياسيا، بل يتعلق بقرار من الهيئة العليا للانتخابات بإعادة التصويت في دائرة انتخابية بسبب خلل إجرائي.
وأضاف: "لا يمكن مصادرة حق أي حزب في المطالبة بانتخابات فرعية أو رفضها، فهذا جزء من العمل السياسي الطبيعي. كما يظل من حق الأحزاب الأخرى الدعوة إلى الالتزام بالمواعيد الانتخابية".
واستدرك: “لكن في المقابل، من حق الرأي العام تحليل دوافع هذه المطالب، وفهم السياقات السياسية التي تُطرح فيها، بعيدا عن استخدام أمثلة تاريخية بصورة غير دقيقة أو مجزأة”.
فعند النظر إلى خريطة التغييرات داخل البرلمان خلال الفترة الأخيرة، يتضح أن المقاعد الثمانية الشاغرة لم تأتِ نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكمات متعددة تشمل الوفاة، والتحول إلى مناصب تنفيذية، وقرارات قضائية، وانتقالات سياسية بعد الانتخابات المحلية.
هذا الواقع يضع فكرة الانتخابات الفرعية في سياقها الطبيعي، لكنه لا يفسر وحدَه سبب إعادة طرحها الآن بهذا الزخم، يقول ليك أوغلو.
وتابع: “ما يلفت الانتباه هو أن هذا الطرح عاد إلى الواجهة في لحظة سياسية حساسة، تتقاطع فيها ملفات قضائية جدلية مع توترات داخلية في الحزب، ومع تصاعد النقاش حول مستقبل شخصيات سياسية بارزة منها إمام أوغلو”.
من هنا، يصبح السؤال المركزي ليس حول "آلية الانتخابات الفرعية" بحد ذاتها، بل حول الهدف الذي يُراد تحقيقه من خلالها.
وختم الكاتب مقاله قائلا: "لا يبدو أن النقاش الدائر متمحور حول تعزيز التمثيل البرلماني أو توسيع صندوق الاقتراع، بقدر ما هو متمركز حول توظيف هذا الصندوق كأداة في صراع سياسي أعمق".
لذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في "صندوق الاقتراع" نفسه، بل في طبيعة "المتهم" والملفات التي تدور حوله؛ حيث تتحول الأدوات الدستورية من غايتها الأصلية إلى وسيلة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية، وحماية مواقع محددة داخل المشهد الحزبي.

















