نزار آميدي.. الرئيس الحادي عشر للعراق أمام اختبار التوازن الإقليمي

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تمكّن البرلمان العراقي من انتخاب القيادي الكردي نزار آميدي رئيسًا للجمهورية، بعد حصوله على 227 صوتًا، مقابل 15 صوتًا لأقرب منافسيه النائب مثنى أمين، وذلك عقب أزمة سياسية استمرت نحو أربعة أشهر منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

وجاء فوز آميدي في جولة تصويت ثانية داخل البرلمان، بعدما تعذّر حسم المنصب في الجولة الأولى لعدم تحقيق النصاب المطلوب البالغ 220 صوتًا من أصل 329 نائبًا، وذلك في ظل مقاطعة الحزب الديمقراطي الكردستاني، أكبر الأحزاب الكردية الذي كان قد رشّح وزير الخارجية فؤاد حسين للمنصب.

الرئيس  الحادي عشر

يعزّز تولّي نزار آميدي منصب رئاسة الجمهورية استمرار احتفاظ الاتحاد الوطني الكردستاني بهذا الموقع الذي شغله قبله كل من عبد اللطيف رشيد وبرهم صالح وفؤاد معصوم، إلى جانب زعيم الحزب الراحل جلال الطالباني الذي كان أول رئيس كردي للعراق منذ عام 2005 وحتى وفاته عام 2017.

ومنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ترسّخ نظام تقاسم السلطة بين المكونات؛ حيث يُسند منصب رئاسة الجمهورية للأكراد، فيما يتولى السنّة رئاسة مجلس النواب، وتُسند رئاسة الحكومة إلى شخصية شيعية.

ويُعد آميدي الرئيس الحادي عشر منذ إعلان الجمهورية عام 1958، والخامس في تسلسل الرؤساء منذ عام 2003.

وفي أول خطاب له أمام البرلمان عقب انتخابه في 11 أبريل/نيسان 2026، أكد آميدي التزامه بمبدأ "العراق أولاً"، مشددًا على أن "تكليفه أمانة عظيمة"، وأنه يدرك حجم التحديات التي تواجه البلاد، مع التزامه بالعمل المشترك مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ودعم جهود إنهاء الحرب.

وأضاف أنه سيكون "رئيسًا لجميع العراقيين"، مع التعهد بصيانة الدستور والقانون، ومعالجة الأزمات المعقدة التي تواجه البلاد في مختلف المجالات.

وجاء انتخاب آميدي رغم امتلاك حزبه 18 مقعدًا فقط في البرلمان، مقابل 32 مقعدًا للحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني الذي اعترض على النتيجة، ورأى أن المنصب من حق الكتلة الأكبر داخل المكون الكردي.

وأحدثت عملية الانتخاب انقسامًا سياسيًا واضحًا؛ حيث قاطعت الجلسة كتلٌ عدة، أبرزها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذي اصطف إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني ودعم مرشحه فؤاد حسين.

وفي سياق الطعون، شككت النائبة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني إخلاص الدليمي بشرعية الجلسة، مقدرة أن عدد الحضور لم يتجاوز 185 نائبًا، وأن انعقادها تم دون موافقة النائب الثاني لرئيس البرلمان، ما يفقدها قانونيتها.

في المقابل، رد رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي بأن النصاب القانوني سيُحتسب وفق أوراق التصويت، متوعدًا باتخاذ إجراءات قانونية بحق المشككين.

وصعّد الحزب الديمقراطي الكردستاني موقفه؛ إذ أعلن سحب نوابه ووزرائه إلى أربيل للتشاور، مؤكدًا أنه لن يتعامل مع "الشخص" الذي تم اختياره رئيسًا للجمهورية.

مستشار الرؤساء

نزار محمد سعيد محمد آميدي، سياسي كردي وُلِد في مدينة العمادية بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، فهو من مواليد 1968، حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة من جامعة الموصل عام 1993، فضلا عن إجادته للغتين الكردية والعربية.

بدأ آميدي حياته المهنية مدرسا لمادة الفيزياء، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي والحزبي مبكراً ضمن صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني؛ حيث تدرج في مواقع تنظيمية مختلفة، منها عضو مكتب الأمين العام ثم مدير مكتبه في أواخر التسعينيات وبداية الألفية.

وفي 2004، تولى آميدي رئاسة مكتب الاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد، إضافة إلى أنه يشغل عضوية المكتب السياسي للحزب منذ عام 2023، كما أن عضو ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم جميع القوى السياسية التي تشكل حكومة محمد شياع السوداني عام 2022.

آميدي شخصية سياسية وحكومية ودبلوماسية عراقية تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود في العمل العام، شملت العمل في أعلى مستويات الدولة العراقية، وتقديم المشورة لثلاثة من رؤساء جمهورية العراق، إضافة إلى تولّيه منصب وزير البيئة العراقي للمدة من 222 إلى 2024.

ويمتلك علاقات عمل راسخة مع الأحزاب الكردية والقوى السياسية الرئيسة في بغداد، تعززت من خلال شغله منصب مستشار ومدير مكتب الرؤساء الثلاثة السابقين، جلال طالباني، فؤاد معصوم، وبرهم صالح من عام 2005 إلى 2022.

" تمرس في إدارة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وفهم التعقيدات الدستورية والسياسية لهذه العلاقة، وأسهم عمليًا في معالجتها، وأثبت قدرة عالية على إدارة الخلافات السياسية، وبناء التوافقات، والحفاظ على الوحدة الوطنية". وفق وسائل إعلام تابعة للاتحاد الوطني.

يمتلك أكثر من 20 عامًا من الخبرة الحكومية والسياسية العليا؛ فقد شارك ومثّل العراق في القمم العربية (مصر، الجزائر، تونس، السعودية، الكويت)، ومؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ والبيئة والمياه في عامي 2015 و2023.

كان عضوا دائمًا في الوفود الرئاسية رفيعة المستوى إلى جنيف، واشنطن، طهران، الرياض، مسقط، سانت بطرسبورغ، وأسهم في تنسيق السياسات الخارجية والدبلوماسية الرئاسية.

حلقة وصل

تفيد وسائل إعلام محلية بأن نزار آميدي يمتلك خبرة مهنية في المجال البيئي، بحكم توليه منصب وزير البيئة بين عامي 2022 و2024، قبل أن يعلن استقالته للتفرغ للعمل الحزبي.

وخلال تلك الفترة، أسهم في صياغة وتنفيذ السياسات البيئية الوطنية وفق الدستور والالتزامات الدولية، فضلًا عن تعزيز حضور العراق في ملفات تغيّر المناخ والتنمية المستدامة.

وفي إطار عمله داخل رئاسة الجمهورية، اضطلع آميدي بمهام تتصل بالقضايا الدستورية والسياسية؛ حيث مثّل حلقة وصل بين مؤسسة الرئاسة والسلطات الدستورية، إلى جانب الجهات الإقليمية، وأسهم في دعم تشكيل الحكومات وإدارة الأزمات الوطنية، فضلًا عن الإشراف على القرارات والمراسلات الرئاسية.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن من أبرز إنجازاته ضمان الاستقرار المؤسسي لموقع الرئاسة عبر ثلاث ولايات متتالية، إلى جانب إدارة محطات سياسية ودستورية مفصلية، وتعزيز الدور الدستوري لرئاسة الجمهورية كضامن للوحدة الوطنية.

وغالبًا ما يشهد العراق تجاذبات سياسية تؤخر التوافق على شاغلي المناصب العليا، وتعرقل الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، لا سيما في ما يتعلق بتشكيل الحكومة واختيار رئيسها.

وينص الدستور العراقي على أن يكلّف رئيس الجمهورية، خلال 15 يومًا من انتخابه، مرشح “الكتلة النيابية الأكبر عددًا” بتشكيل الحكومة، على أن يُمنح رئيس الوزراء المكلف مهلة 30 يومًا لإتمام التشكيل.

وفي 24 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن “الإطار التنسيقي”، الذي يضم أحزابًا شيعية مقرّبة من طهران ويُعد أكبر كتلة برلمانية، ترشيح نوري المالكي لهذا المنصب.

غير أن دونالد ترامب أبدى، بعد أربعة أيام، اعتراضه على هذا الترشيح، ملوّحًا بوقف دعم بغداد في حال عودة المالكي إلى السلطة، ومتهمًا إياه بالانحياز إلى إيران والتسبب بأزمات خلال فترة حكمه بين عامي 2006 و2014.

في المقابل، أكد المالكي، في تصريحات صحفية مطلع فبراير/شباط 2026، تمسكه بالترشح، مع سعيه إلى طمأنة واشنطن بشأن مطالبها، خصوصًا ما يتعلق بضبط الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

ويُنظر إلى الاتحاد الوطني الكردستاني الذي ينتمي إليه آميدي، على أنه أقرب إلى إيران مقارنةً بالولايات المتحدة، في حين يُصنَّف الحزب الديمقراطي الكردستاني باعتباره أبعد نسبيًا عن تأثيرات طهران.

وفي ضوء هذه المعطيات، تنتظر آميدي مهمة معقدة تتمثل في تكليف مرشح لرئاسة الحكومة خلال المهلة الدستورية، في ظل إصرار المالكي، واحتمالات لجوء “الإطار التنسيقي” إلى طرح بديل أو الإبقاء على ترشيحه لولاية ثالثة، رغم الاعتراضات الداخلية والخارجية.