جبهة لبنان.. كيف أربك نتنياهو حسابات ترامب قبل انتخابات نوفمبر؟

"الهجوم الإسرائيلي يُبقي واشنطن رهينة حرب تسعى للخروج منها"
مساء الخميس 16 أبريل/نيسان 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، عقب عدوان إسرائيلي واسع على لبنان مستمر منذ 2 مارس/آذار الماضي، خلّف 2196 قتيلا و7185 جريحا وأكثر من مليون نازح، بحسب المعطيات الرسمية اللبنانية.
ورغم الإعلان، واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات في مناطق متفرقة من لبنان، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في وقت وجّه فيه ترامب، مساء الجمعة، تحذيرا شديد اللهجة لإسرائيل من استمرار القصف، قائلا عبر منصته "تروث سوشيال" إن "إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن، والولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!".
ويأتي هذا التطور في ظل تصعيد متواصل أعاد فتح جبهة لبنان وأثار مخاوف من انهيار التهدئة التي رعتها واشنطن، وسط ضغوط متزايدة على الإدارة الأمريكية للحد من التصعيد أو احتوائه.
وفي هذا السياق، أشار المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، في تعليق للمستشار الأول أوغو ترامبالي، إلى أن الإعلان عن الهدنة بين واشنطن وطهران لم ينه حالة التوتر، إذ أعقبته مباشرة ضربات إسرائيلية واسعة على لبنان.
وأضاف أن إسرائيل شنت موجات صاروخية استهدفت مناطق سكنية وبنية تحتية، ما أدى إلى تدمير منازل وطرقات، وسقوط أكثر من 250 قتيلا خلال الساعات الأولى من التصعيد في 8 أبريل/نيسان 2026.

تفجير الهدنة
وأوضح المعهد أن الضربة وُجِّهت حين كانت الآمال تتجه نحو انفراج دبلوماسي، غير أن حكومة بنيامين نتنياهو عبّرت بأقسى الأساليب عن رفضها وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية، ووصفه عدد من المعلقين الإسرائيليين بأنه "أسوأ كارثة تحل بإسرائيل منذ عقود".
وتساءل: “أي وسيلة أجدى لقلب الطاولة من إشعال جبهة أخرى، لبنانية هذه المرة، مرتبطة مباشرة بطهران؟”
وعلى هذا، ادعى نتنياهو أن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين واشنطن وطهران لأسبوعين "لا يشمل لبنان".
وأضاف المعهد أن فتح جبهة جديدة في بلاد الأرز يبدو محاولة لإعادة رسم التوازنات التي لم تكد تترسخ.
وجاء الرد الإيراني سريعا؛ إذ أغلقت طهران مجددا مضيق هرمز، متهمة إسرائيل بانتهاك الهدنة وتفريغ أي مسار تفاوضي من معناه.
وأفاد المعهد بأنه يبدو جليا أن الحكومة الإسرائيلية كانت تراهن على فشل محادثات 11 أبريل، في إسلام آباد، وأنها كانت تبذل كل ما في وسعها لإفشالها، ولبنان، من هذه الزاوية، "هو السهم المثالي في جعبتها لوقف المسار التفاوضي".
ولفت إلى أن القصف المكثف الرامي إلى "إنهاء المهمة"، على حد تعبير رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، أي اجتثاث وجود حزب الله في جنوب البلاد، يندرج في منطق أوسع هدفه تعزيز حزام أمني خارج الحدود الإسرائيلية.
هذا الحزام في غزة حيث لا تزال القوات منتشرة على نطاق واسع، وفي لبنان مع تعمق متزايد لإبعاد المسلحين المدعومين من طهران، يوضح المعهد.
ورأى أن هذا يمثل تحولا جذريا في مفهوم الأمن الإسرائيلي. واستشهد بما أوضحه اللواء الإسرائيلي المتقاعد أساف أوريون من أن المناطق العازلة باتت مبدأ أمنيا جديدا.
مفاد هذا المبدأ أن "المناطق الحدودية لا تستطيع الاعتماد على الحدود ذاتها لحمايتها. إسرائيل لم تعد تنتظر وصول الهجوم، بل ترصد التهديد وهو في طور التشكل وتضربه استباقيا".
المراهنة على الانتخابات
وأشار المعهد إلى أن الإسرائيليين يدركون جيدا أن واشنطن لا تستطيع تحمل إطالة أمد الحرب وما يترتب عليها من تداعيات على أسعار الطاقة تهدد الاقتصاد العالمي.
والسؤال المتداول في هذه الساعات -وفق التقرير- هو إلى أي حد يستعد الأميركيون لتقديم تنازلات لطهران بشأن تخصيب اليورانيوم والقدرات الصاروخية، في سبيل الخروج من الحرب.
وذكر المعهد الإيطالي أن كلا الملفين جوهري بالنسبة لنتنياهو -الذي سوّقهما لسنوات بوصفهما تهديدا وجوديا لإسرائيل- في وقت يلوح فيه موعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وتشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن الحرب لم ترفع رصيد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، فيما تخوض المعارضة حملتها الانتخابية بالفعل.
في هذا السياق، قال زعيم المعارضة، يائير لبيد، مهاجما نتنياهو: "لم تكن إسرائيل حتى على الطاولة حين اتُّخذت القرارات المتعلقة بأمنها القومي. وستحتاج سنوات لإصلاح الضرر السياسي الذي ألحقه نتنياهو بسبب غطرسته وإهماله وغياب أي تخطيط إستراتيجي".
وقال المعهد إن الهجوم على لبنان يتيح لرئيس الوزراء استعراض صورة القوة، وإخفاء حقيقة أن أيا من أهداف الحرب لم يتحقق، فلا النظام في طهران تغيّر، ولا دُمرت قدراتها النووية أو ترسانتها الصاروخية.
واستطرد: “بتأجيج الحرب، نجح نتنياهو في تأجيل المساءلة السياسية التي يتهرب منها، والمفارقة المذهلة أن ذلك مستمر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023”.
ترامب بين نارين
ولفت المعهد إلى أن الهجوم الإسرائيلي يكشف بجلاء حدود القدرة الأميركية على ضبط حليفها الشرق أوسطي، الذي قد يُبقيها رهينة حرب تسعى للخروج منها.
وفي مقابلة مع قناة أميركية، أكد ترامب أن لبنان "لم يكن مشمولا في الاتفاق... بسبب حزب الله"، واصفا ما يجرى فيه بأنه "اشتباك منفصل".
وأكد المعهد أن التقليل من شأن ما يجرى لن يكفي لاحتواء الأضرار، فغالبية الأميركيين لا يريدون هذه الحرب ولا تداعياتها الاقتصادية، وهذا ما تقوله استطلاعات الرأي بوضوح؛ إذ تُشير إلى أن الحرب تُضعف شعبية الرئيس والجمهوريين في عام يشهد انتخابات منتظرة.
وأضاف أنه بعد أسابيع من الانتقادات الحادة للحلفاء الأوروبيين بسبب قصور دعمهم، بات التحالف مع إسرائيل نفسه هو الخطر الأكبر على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
بدورها، ترى طهران أن وقف إطلاق النار في لبنان ركيزة أساسية في الاتفاق، وأعلنت تعليق عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز ردا على الهجوم.
وعلى هذا، خلص المعهد إلى أن “المعضلة أمام واشنطن باتت أكثر حدة: هل تجاري إسرائيل في تصعيد لا نهاية له، أم تفرض عليها هدنة مع خطر أن تُنتهك؟”
من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على منصة "إكس": إن "شروط الاتفاق واضحة وصريحة، على الولايات المتحدة أن تختار إما وقف إطلاق النار، أو مواصلة الحرب عبر إسرائيل، لا يمكنها الجمع بين الأمرين".
وقال المعهد: "حتى قبل الإعلان عن الهدنة، كان نتنياهو قد أوضح أن أي وقف للأعمال العدائية لن يشمل لبنان، وأن قواته ستواصل حربها على حزب الله".
من جانبهم، أكد الإيرانيون والمفاوضون الباكستانيون أن القصف يجب أن يتوقف على جميع جبهات المشرق العربي، أما الأميركيون فلم يُفصحوا بعد بوضوح عن موقفهم من هذه المسألة الشائكة. وفق التقرير.


















