رغم التوتر الخارجي.. لماذا تركز خطابات أردوغان على الداخل التركي؟

وصف أوزيل للرئيس أردوغان بأنه "رئيس انقلاب" شكّل نقطة استفزاز دفعت أردوغان إلى رد قوي ومباشر
بينما كان من المتوقع، في وقت تتصاعد فيه حدة التوترات الإقليمية، أن يخصص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مساحة واسعة في خطابه للملف الخارجي، وتداعياته على الأمن القومي التركي، يلاحظ أنه يركز أكثر على الجبهة الداخلية.
وفي هذا السياق نشرت صحيفة “حرييت” التركية، مقالاً للكاتب التركي "عبد القدير سيلفي"، تحدّث فيه عن خطابات الرئيس أردوغان الأخيرة، التي ركز فيهاعلى الداخل السياسي، وبشكل خاص على حزب الشعب الجمهوري وزعيمه أوزغور أوزيل، وذلك في دلالة تعكس أولوية الصراع السياسي الداخلي حتى في ظل الأزمات الإقليمية الكبرى.

خطاب محتدم
وفي مستهل مقاله، قال الكاتب: إن أردوغان ألقى خطابا مثيرا للجدل عقب الاحتفال بتأهل المنتخب التركي لكأس العالم.
حيث كان من المتوقع أن يخصص أردوغان جزءاً كبيراً من خطابه للحديث عن تطورات الحرب في إيران، خاصة في ظل تصاعد حدتها وتأثيراتها المحتملة على المنطقة، ونظراً لكون تركيا دولة مجاورة و معنية بشكل مباشر بما يجرى.
بالإضافة إلى ذلك، فقد كان المحتمل أن يدفع هذا الظرف الإقليمي الحساس إلى تأجيل أجندة السياسية الداخلية، خصوصاً أنه منذ اندلاع الحرب لم يقدّم الرئيس أردوغان رداً مباشراً على انتقادات حزب الشعب الجمهوري.
غير أن مجريات الخطاب جاءت على خلاف هذه التوقعات؛ إذ فاجأ الرئيس الحضور بتركيز واضح على الشأن الداخلي، وتحديداً بالرد على زعيم المعارضة أوزغور أوزيل.
وأشار الكاتب التركي إلى أن وصف أوزيل للرئيس أردوغان بأنه "رئيس انقلاب" شكّل نقطة استفزاز دفعت أردوغان إلى رد قوي ومباشر.
فمن وجهة نظر الرئيس؛ يحمل هذا الوصف قدراً كبيراً من التناقض، بل وربما الظلم السياسي، إذا ما تم النظر إلى مسيرته في مواجهة الانقلابات.
وعلى العكس، فإنّ الرئيس أردوغان يقدّم نفسه بوصفه زعيماً تصدى لمحاولة الانقلاب في 15 يوليو، ونجح في إفشالها، كما واجه سابقاً ما عُرف بمذكرة 27 أبريل الإلكترونية وقلب معادلتها، إضافة إلى اتخاذ خطوات لمحاسبة المسؤولين عن انقلابَي 12 سبتمبر و28 فبراير.
بهذا، يرى الرئيس أن نعته بـ"رئيس انقلاب" يتجاهل هذا السجل، بل ويقلبه رأساً على عقب.
من هنا جاء ردّه الحاد؛ حيث لم يكتفِ برفض الوصف، بل انتقل إلى الهجوم المعاكس، مقدرا أن حزب الشعب الجمهوري نفسه هو صاحب الإرث المرتبط بالانقلابات في تركيا.
لذلك، وفي محاولة لإعادة توجيه الاتهام نحو خصمه السياسي، صرّح بأن هذا الحزب "هو من كتب كتاب الانقلابات في هذا البلد".
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل استعرض سلسلة من الأحداث التاريخية، بدءاً من انقلاب 27 مايو، مروراً بمراحل متعددة من التدخلات العسكرية، وصولاً إلى محاولة انقلاب 15 يوليو، ليؤسس سردية تربط الحزب المعارض بتاريخ الانقلابات في الوعي السياسي العام.
نجد أنّ الخطاب، قد شدّد أيضاً على أن استخدام مصطلحات مثل "الانقلاب" و"المجلس العسكري" من قبل زعيم حزب الشعب الجمهوري، يُعد إشكالياً بحد ذاته، وذلك نظراً لارتباط هذه المفاهيم بتاريخ الحزب ذاته.
من أجل تعزيز هذه الفكرة، دعا الرئيس إلى العودة إلى التاريخ السياسي لتركيا، ورأى أن التمعّن فيه يكشف عن تقاطعات بين الحزب المعارض وبعض الفترات التي شهدت تدخلات عسكرية في الحياة السياسية.
كما تم عرض سجل تاريخي يتتبع مواقف الحزب منذ انقلاب 27 مايو. فلم يقتصر الأمر على السرد الخطابي، بل تم دعم هذا الطرح بعرض مادة مرئية ذات طابع وثائقي، بهدف ترسيخ هذه الرواية في أذهان المتلقين.
بهذا الشكل، لم يكن الرد مجرد تفنيد لتصريح سياسي، بل تحوّل إلى مواجهة سرديات تاريخية، يسعى من خلالها كل طرف إلى تثبيت موقعه في الذاكرة السياسية للجمهور، وإعادة تعريف الآخر ضمن إطار يخدم معركته السياسية الراهنة.

معارضة إشكالية
واستدرك الكاتب التركي بأنّ الرئيس أردوغان كان قد منح أوزغور أوزيل فرصة سياسية ثمينة. تمثلت هذه الفرص في فتح قنوات تواصل غير مسبوقة، وكان أبرز مظاهرها الزيارة الرمزية لمقر حزب الشعب الجمهوري بعد انقطاع دام نحو 18 عاماً.
إنّ هذه الخطوة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت دلالات سياسية عميقة؛ إذ عكست استعداداً من جانب السلطة لإعادة صياغة العلاقة مع المعارضة على أسس أقل تصادمية.
وقد كان من الممكن أن تمثل تلك المرحلة نقطة تحول في المشهد السياسي التركي لو أُديرت بشكل مختلف.
فلو أحسن أوزغور أوزيل استثمار هذه الفرصة، وتعامل معها بمنطق التهدئة وبناء الثقة، ربما كانت النتائج ستقود إلى مناخ سياسي أكثر استقراراً، وربما إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بطريقة تخدم الاستقرار العام.
غير أن ما حدث هو عكس ذلك تماماً؛ حيث تم إهدار هذه الفرصة بسرعة، ما أدى إلى عودة التوتر والتصعيد.
لذلك فقد استخدم أردوغان تعبيراً لافتاً حين وصف أوزيل بأنه "خشبة فاسدة"، وهذا يشير إلى عدم صلاحيته لتحمل مسؤولية هذه المرحلة أو إدارة هذا التحول السياسي.
ولم يكتفِ بهذا التوصيف فحسب، بل صعّد من لهجة النقد ليشمل الجوانب الشخصية، ورأى أن من يتولى قيادة أكبر حزب معارض يتسم بحدة في اللسان، وتقلب في المزاج، ويميل إلى توجيه الإهانات دون تحفظ، بل ودون شعور بالحرج.
وعلق الكاتب التركي أنّ هذا الانتقاد لا يقف عند حدود الخلاف السياسي، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بـ"أزمة الأسلوب" في الخطاب المعارض. فزعيم حزب المعارضة أوزيل يعاني من ضعف في ضبط اللغة، وهو ما ينعكس سلباً على صورته العامة.
فلا يمكن نسيان حادثة الرسائل التي أرسلها أوزيل عبر تطبيق واتساب إلى رئيس بلدية كيتشي أورين؛ حيث تضمنت عبارات قاسية وسوقية، وحملت طابعاً شخصياً ومهيناً. وهذا وهو ما يُعد خروجاً عن الأعراف المتوقعة في الخطاب السياسي.
وأضاف الكاتب أن "الأسلوب هو المرآة الحقيقية للإنسان"، فإن اللغة التي يستخدمها السياسي لا تعكس فقط موقفاً عابراً، بل تكشف عن بنيته الذهنية وطريقته في التعامل مع الآخرين.
من هذا المنطلق، فإن تكرار مثل هذه الأساليب قد يؤدي إلى تآكل الثقة، ليس فقط لدى الخصوم، بل أيضاً لدى الجمهور.
ولفت الكاتب النظر إلى نقطة مهمة أخرى، وهي مسألة تهديد أوزيل بإجراء انتخابات مبكرة أو جزئية.
لكن، نجد أنّ التحليل الواقعي للإجراءات الدستورية يبيّن أن تحقيق هذا التهديد ليس بالأمر السهل؛ إذ يتطلب سلسلة من الخطوات المعقدة، بدءاً من قبول الاستقالات في البرلمان، وصولاً إلى توافق سياسي قد لا يكون متوفراً.
بالتالي، يمكن عدّ هذا التهديد أقرب إلى ورقة ضغط سياسية منه إلى خيار قابل للتنفيذ الفوري.
وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: إن خطاب الرئيس يعكس مرحلة جديدة من التصعيد السياسي في تركيا؛ حيث تتراجع لغة التهدئة لصالح المواجهة المباشرة.
ومن جهة أخرى، فإنّ هناك تحديا حقيقيا أمام المعارضة، والذي يتمثل في ضرورة إعادة ضبط خطابها السياسي، ليس فقط من حيث المضمون، بل أيضاً من حيث الأسلوب، إذا ما أرادت أن تكون منافساً فعّالاً في المشهد السياسي.

















