"سكك حديدية ومليارات سعودية في الانتظار".. حال الأردن بعد حرب إيران

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع امتداد التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عبر الشرق الأوسط، يُتوقع أن تكون الأردن من بين الدول المتضررة، وفي الوقت ذاته من بين القادرة على إظهار قدر من الفائدة.

وذكر المجلس الأطلسي الداعم للكيان الإسرائيلي في تقرير له أن الموقع الجغرافي الإستراتيجي للأردن يؤهله ليكون عقدة طبيعية في مبادرات ممرات التجارة الناشئة، الهادفة إلى إحياء التعاون الاقتصادي الإقليمي وفتح مسارات أكثر كفاءة لحركة البضائع والسلع.

وأضاف أن حسن استثمار الأردن وشركائه لهذه الفرصة قد يوفّر للمملكة شريانًا حيويًا يُسهم في تقليص اعتمادها على المساعدات الأميركية والأجنبية. 

غير أن البلاد وشركاءها لم ينجحوا حتى الآن في تحقيق ترابط فعلي يُعتدّ به، رغم التعهدات المتكررة في هذا الإطار.

وأوضح التقرير أنه لا يمكن للأردن بناء طموحاته الاقتصادية على وعود دولية قد لا تتحقق، بل ينبغي له أن يتولى زمام المبادرة في تحويل الترابط الاقتصادي إلى واقع ملموس مع أقرب شركائه الإقليميين أولًا، ثم التوسع تدريجيًا مع انخراط المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن الشريك الإستراتيجي الأبرز للأردن في هذا المسار هو السعودية؛ إذ قدمت على مدى عقود دعمًا ماليًا ومساعدات للموازنة وودائع في البنك المركزي، في حين وفّر الأردن استقرارًا إستراتيجيًا على الجبهة الشمالية الغربية للمملكة.

غير أن مرحلة أكثر رسوخًا بدأت تتشكل حاليًا، حيث تجاوزت الاستثمارات السعودية في الأردن 15 مليار دولار، منها 3 مليارات ضُخت عبر الصندوق الاستثماري السعودي الأردني المدعوم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي.

كما يشهد التبادل التجاري بين البلدين تسارعًا ملحوظًا، مع ارتفاع الصادرات الأردنية إلى السعودية بنسبة 19% خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وخلال مبادرة مستقبل الاستثمار 2025 في الرياض، وُقّعت اتفاقية معدّلة لحماية الاستثمار، إلى جانب مذكرة تفاهم تربط وزارة الاستثمار الأردنية بـ"هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة" السعودية.

هندسة جغرافية

وأضاف: "تبرز مشاريع الربط في أرجاء المنطقة بوصفها أدوات لتحقيق الاستقرار. وقد أثبت الممر الأوسط عبر جنوب القوقاز أن البنية التحتية التجارية قادرة على تحفيز ضبط النفس السياسي، بربط الدول التي لم تُحل نزاعاتها بمصالح اقتصادية مشتركة".

وتحتاج بلاد الشام إلى إطار مماثل -وفق التقرير- فتكاليف إعادة إعمار سوريا تُقدَّر بـ 216 مليار دولار، وقد أخبر رئيسها المستثمرين في مبادرة مستقبل الاستثمار بأن سوريا يمكن أن تصبح "ممرا تجاريا حيويا" بين الشرق والغرب.

وتعهدت السعودية بأكثر من 6 مليارات دولار استثمارات في سوريا ما بعد الأسد خلال 2025. غير أن المواد اللازمة لإعادة البناء تحتاج إلى منفذ للدخول، والأردن هو الممر البري الوحيد المستقر بين الخليج وسوريا الذي يمتلك بنية تحتية حدودية عاملة وعلاقات فاعلة مع كل الأطراف المعنية.

بيد أن الأردن يفتقر حتى الآن إلى العمود الفقري من السكك الحديدية والخدمات اللوجستية الذي يجعل هذا الموقع دائما. بحسب تأكيد المجلس.

وقد صُمّم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا لسد هذه الفجوة في الربط، لكنه ازداد تعقيدا على المستوى السياسي منذ إبادة غزة؛ نظرا لأن مساره الأصلي كان يمر عبر إسرائيل، لكن الضغط الشعبي يتزايد على الدول العربية لتقليص علاقات التطبيع.

والرؤية في جوهرها سليمة -وفق التقرير- وهي إنشاء ممر متعدد الوسائط يربط رأس المال الخليجي والطاقة بالأسواق المتوسطية والأوروبية.

وهي تنسجم مع المنطق التجاري القائم؛ إذ بلغت التجارة غير النفطية بين الاتحاد الأوروبي والسعودية نحو 42 مليار يورو في 2024، أي ما يعادل نحو 45 مليار دولار آنذاك، وشملت في معظمها الآلات والمواد الكيميائية والبضائع المصنّعة التي تعبر البحر الأحمر الذي يتعرض لضغوط الهجمات الحوثية منذ أواخر 2023.

والآن، مع تعطّل مضيق هرمز جراء حرب إيران، باتت الجهات التي تنقل شحنات عالية القيمة وحساسة للوقت تبحث عن مسارات برية. ومع انفتاح سوريا في مرحلة ما بعد الأسد وتدفق تمويل إعادة الإعمار السعودي شمالا، بات إنشاء ممر عبر الأردن في متناول اليد. وفق تقييم المجلس.

 قدرات الممر

وتكشف محفظة صندوق الاستثمار السعودي-الأردني عن إمكانات هذا الممر؛ حيث يتضمن مشروع رعاية صحية بقيمة 400 مليون دولار في عمان، و16 مشروعا سعوديا موزعا على المدن الصناعية الأردنية.

هذا فضلا عن مذكرة تفاهم للاستثمار بـ 500 مليون دينار أردني، أي نحو 700 مليون دولار، في خط سكة حديد يربط مدينتَي العقبة ومعان. غير أن مشروع السكة الحديد تعثّر بعد 5 سنوات من المحاولات.

وفي 2024، حلّت الإمارات فعليا محل السعودية بوصفها المستثمر الرئيس، حين وقّعت "اتحاد ريل" اتفاقية بقيمة 2.3 مليار دولار لبناء وتشغيل خط شحن بطول 360 كيلومترا يربط عمليات التعدين الأردنية في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة، مع استهداف بدء التشغيل عام 2030.

واستدرك التقرير: "إلا أن مشروع السكة الحديد في صيغتيه السابقة والحالية لا يغطي سوى الجزء الجنوبي من الممر، فيما يظل الربط بعمان، الامتداد الذي سيجعل السكة الحديد عمودا فقريا للنقل الوطني، بلا مستثمر".

وأعلنت تركيا عزمها إعادة تأهيل سكة حديد الحجاز عبر سوريا، بإعادة بناء 30 كيلومترا من المسار المدمّر، مستهدفةً استعادة الربط بحلول 2026، بهدف بعيد المدى يقضي بتوصيل عمّان بإسطنبول عبر دمشق.

وأبرمت الشركات التركية عقودا في سوريا تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار، وقفزت صادراتها إلى سوريا بنسبة 54 بالمئة في مطلع 2025.

وأسهم في ذلك اتفاق عبور تركي-سوري وُقّع العام الماضي 2025، أنهى اشتراط تفريغ البضائع وإعادة تحميلها عند الحدود السورية، مما أتاح لشاحنات تركية مغلقة العبور عبر سوريا للوصول إلى الأردن والخليج.

ويُكمل هذا الترتيبَ اتفاقٌ أردني-سوري موازٍ يُيسّر مرور الشاحنات عند معبر نصيب-جابر، الرابط بين الأردن وسوريا.

وتُمثّل هذه الإجراءات خطوات إلى الأمام على صعيد الربط الإقليمي، لكن سكة حديد الحجاز قد لا تشمل نقل البضائع فورا، كما أنها وحدها لا تربط الأردن بالبحر الأبيض المتوسط ولا بالبحر الأحمر ولا بالخليج، نظرا لعدم اكتمال تطوير البنية التحتية الرئيسة داخل الأردن.

في المقابل، تعمل الإمارات والسعودية على تجميع العناصر الأساسية على جانبي الأردن. فقد استثمرت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية 800 مليون دولار في ميناء طرطوس السوري الواقع شمال لبنان، غير أن هذا الاستثمار يحتاج إلى ربطٍ سككي عبر سوريا إلى الأردن ليُصبح ممرا حيويا.

وأطلقت السعودية ممرا للشحن بطول 1700 كيلومتر يربط موانئها الشرقية بمعبر الحديثة مع الأردن؛ حيث يستطيع كل قطار نقل أكثر من 400 حاوية في نصف زمن النقل البري. إلا أن خط السكة الحديدية ينتهي عند الحدود الأردنية.

وقال التقرير: "إلى أن يُنجز الأردن البنية التحتية الرابطة من الحديثة إلى الممر الشمالي، سيضطر قطاع النقل بالشاحنات إلى سد الفجوة".

وهذا ليس السيناريو المثالي، لكنه قابل للعمل على المدى القريب؛ فمنذ ديسمبر/كانون الأول 2023، يسّر مجموعة اللوجستيات التابعة للأمم المتحدة أكثر من 127 قافلة إنسانية عبر الأردن، مُرسِلةً أكثر من 1850 شاحنة تحمل ما يزيد على 18 ألف طن من المساعدات إلى غزة، مع معالجة قوافل حكومية دورية أسبوعيا.

وهذه الخبرة في التحركات العابرة للحدود بأحجام كبيرة في ظروف الحرب قابلة للتحويل مباشرة إلى عمليات الممر التجاري. وفق التقرير.

أربعة مسارات

وقال المجلس المعروف بمناصرته للكيان الإسرائيلي: إن الأردن يمكنه التعاون مع شركائه الإقليميين عبر أربعة محاور لتعزيز الترابط على امتداد الممر.

أولاً، ينبغي للأردن المضي قدماً في مشاريع السكك الحديدية المقترحة مع الإمارات وتركيا والسعودية. وعلى صعيد المشروع الإماراتي، يتعين على عمّان وضع جدول زمني واضح للتنفيذ، والتخلص من دوامة دراسات الجدوى.

وإذا أطلقت تركيا سكة حديد الحجاز هذا العام، فسيكون أمام الأردن فرصة اقتصادية حقيقية من خلال تسهيل نقل صادراته. كما يمكن للرياض الشراكة مع الشركات التركية لاستكمال الامتداد الأردني من سكة حديد الحجاز، وربط خط الشحن السعودي الجديد عبر الأردن بسوريا. وفقاً للتقرير.

ثانياً، يتعين على الرياض وعمّان إنشاء مجموعة عمل مشتركة للممر، تركز على إعادة إعمار سوريا وسلاسل التوريد المرتبطة بها، وتشمل ملفات اللوجستيات والجمارك وتيسير التجارة عند معبر نصيب–جابر.

فقد أدرج منتدى الأعمال الأردني السعودي في سبتمبر/أيلول 2025 ملف إعادة إعمار سوريا ضمن جدول أعماله، إلا أن هذا الحوار يحتاج إلى إطار مؤسسي. وينبغي لهذه المجموعة إعطاء الأولوية لإنشاء البنية التحتية الحيوية، وفي مقدمتها خط السكة الحديد الذي يربط السعودية بسوريا عبر الأردن.

ثالثاً، يمكن للسعودية والأردن توظيف خطط تطوير ميناء جاف في منطقة تنمية الملك الحسين بن طلال في مدينة المفرق الأردنية، ليكون مركزاً لوجستياً ضمن ممر التجارة. كما أن خطط توسيع المنطقة الاقتصادية تمضي قدماً، ما يتيح فرصاً واسعة للمستثمرين السعوديين للمساهمة في تطويرها.

رابعاً، ينبغي على عمّان والرياض مواءمة رؤيتيهما بعيدتي المدى بصورة رسمية: رؤية التحديث الاقتصادي للأردن ورؤية السعودية 2030.

وفي هذا السياق، أكد التقرير ضرورة وضع أهداف مشتركة للربط تشمل البنية التحتية الرقمية، وترابط الطاقة، والامتداد الجنوبي لسكة حديد الحجاز، مع إدراج معايير الإصلاح التنظيمي ضمن هذا الإطار.

وختم المجلس بالتأكيد على أن الأردن يمكن أن يصبح في نهاية المطاف مركزاً رئيساً للعبور يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط.

غير أن هذا الطموح يبدأ بهدف أكثر تحديداً وقابلية للتحقيق، يتمثل في بناء ترابط اقتصادي واستثماري بين السعودية والأردن وسوريا ضمن ممر فعلي قابل للتشغيل. ويُعد الأردن الأكثر تأهيلاً لاحتضان هذا الممر، شريطة التحرك بالسرعة التي تفرضها المرحلة الراهنة.