حكومة الزيدي خلت من الفصائل بضغط أميركي.. فرض الإرادة أم انحناء للعاصفة؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أظهرت تشكيلة حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلوها من أي شخصية تنتمي إلى الفصائل المسلحة، الأمر الذي أثار سؤالا محوريا عن مدى تمكن واشنطن من إقصائها من المشاركة، طبقا للشروط المسبقة للتعامل مع بغداد والاستمرار في دعمها.

وفي 14 مايو/ أيار 2026، صوت البرلمان العراقي على 14 وزيرا من الحكومة الزيدي، وبذلك نالت الثقة الشرعية، على تقدير تمرير أكثر من نصف الكابية الوزارية المؤلفة من 22 وزارة، بينما تم تأجيل 8 حقائب لما بعد عطلة عيد الأضحى في شهر يونيو المقبل.

ودفعت قوى الإطار التنسيقي الشيعي، رجل الأعمال علي الزيدي، من خارج العملية السياسية، بوصفه مرشح تسوية بعدما وصلت إلى انسداد سياسي، في ظل رفض كل من نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني سحب ترشيحهما لمنصب رئاسة الحكومة.  

شروط أميركية

وبخصوص ملابسات تشكيل الحكومة، كشف المحلل السياسي العراقي، عائد الهلالي، أن "الولايات المتحدة منحت الزيدي مهلة عام واحد لتقييم أداء حكومته، وجري تقييم أداء حكومته خلال الأشهر الستة الأولى، والتي ستكون حاسمة لمستقبلها".

وأوضح الهلالي خلال مقابلة تلفزيونية في 13 مايو، أن "عدم تحقيق حكومة الزيدي ما نسبته 50 بالمئة من الشروط الأميركية قد يدفع واشنطن نحو دعم خيار الانتخابات المبكرة تكون بعد ستة أشهر ثانية".

كما كشف الهلالي أن "الجانب الأميركي وضع مجموعة من الاشتراطات التي يُفترض أن يلتزم بها الزيدي، مع وجود آلية تقييم دورية تُجرى كل شهرين لقياس مدى الاستجابة والتنفيذ للشروط".

وأوضح الهلال وهو متحدث سابق باسم الإطار التنسيقي، أن "الولايات المتحدة اشترطت عدم مشاركة الفصائل المسلحة بالحكومة، وإجراء انتخابات بعد عام وكذلك لا تشارك هذه الجهات فيها، وبالتالي فإنهم يبعدون مدة 5 سنوات من العملية السياسية للتأكد من تسليمهم السلاح".

وفي هذه النقطة تحديدا، كشف فادي الشمري، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء السابق، خلال مقابلة تلفزيونية في 11 مايو، أن واشنطن اشترطت عدم مشاركة أي وزير محسوب على الفصائل المسلحة في حكومة الزيدي مقابل التعامل معها.

وأوضح الشمري أن الولايات المتحدة حددت ستة فصائل "ممنوعة من المشاركة" في الحكومة المقبلة، مضيفا أن الشرط الأميركي يتضمن أيضاً تسليم السلاح مقابل السماح بالمشاركة السياسية، وهو ما وصفه بالأمر الصعب بسبب ضيق الوقت وتعقيدات الجهة التي ستتولى استلام السلاح.

وفي 14 مايو، نقل موقع "الحرة" الأميركي عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية (لم يسمه) أن "العراق لديه خيار يتعين عليه اتخاذه" في ما يتعلق بمشاركة فصائل مسلحة في الحكومة المقبلة.

وشدد على أنه "يجب ألا يكون للمليشيات الإرهابية التابعة لإيران أي دور في مؤسسات الدولة، ويجب ألا تُستخدم أموال الحكومة العراقية لدعم هذه المليشيات الإرهابية بأي شكل من الأشكال".

وأوضح المتحدث الأميركي أن الولايات المتحدة "ستقوم بمعايرة نهجها تجاه الحكومة الجديدة على هذا الأساس".

ووضعت واشنطن فيتو على مشاركة ستة فصائل مسلحة في الحكومة العراقية، ويعتقد أنها الجهات التي تشكل "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي "كتائب حزب الله، كتائب الإمام علي، كتائب سيد الشهداء، حركة النجباء، عصائب أهل الحق، وأنصار الله الأوفياء".

انقسام فصائلي

في ظل المنع الأميركي، أعلنت العديد من الفصائل المسلحة عدم مشاركتها في حكومة علي الزيدي؛ إذ أعلن بعظهم أنه سيشارك بعدما يُحسم مسألة حصر السلاح بيد الدولة، فيما رفض آخرون ذلك، وأكدوا أن رئيس الوزراء الجديد لا يعني سلاح المقاومة في هذا الملف.

وقال نعيم العبودي المعاون السياسي للأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي: إن العصائب لن تمثل في التشكيلة الوزارية وستبقى "حصتها" محفوظة وستؤجل مشاركتها حتى تتبلور أفكار الحكومة الجديدة لتتخذ قراراً بشأن موضوع حصر السلاح بدعم الإطار التنسيقي.

وشدد العبودي خلال مقابلة تلفزيونية في 13 مايو، على رغبة العصائب بإنهاء ثنائية المقاومة والدولة، والانفتاح على الخليج من خلال مشروع أمني يجمع العراق وإيران ودول الخليج.

وأكّد العبودي: "قرارنا بعدم المشاركة في هذه الفترة في الجزء الأول من تشكيل الكابينة الحكومية، وحين تكتمل أفكار هذه الحكومة ويتبلور مشروع وطني في حصر السلاح بيد الدولة، عندها سنناقش الموضوع".

وأبدى استعداد العصائب لأي قرارات، على أن "يكون حكوميا وصادرا من الإطار التنسيقي، ويستند إلى المرجعية الدينية (الشيعية)، وعندها سنكون مستعدين لخطوات فك ارتباطنا بالمسلحين في الحشد الشعبي وندعو بأن يكون هناك تنظيم لحصر السلاح بيد الدولة".

وفي 13 مايو، أكد عضو المكتب السياسي للعصائب، حسين الشيحاني، وجود "فيتو" أميركي، على مشاركتهم العصائب في حكومة علي الزيدي. مشيراً أن الضغوط الأميركية واقع موجود ولا ينكر.

وعلى الصعيد ذاته، أعلنت كتلة "حقوق" البرلمانية التابعة لـ"كتائب حزب الله" عدم مشاركتها في الحكومة، فيما لم تحصل فصائل أخرى تمتلك مقاعد نيابية على أي وزارة، وتحديدا، و"كتائب الإمام علي"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"أنصار الله الأوفياء".

وفي المقابل، قال ناظم السعدي رئيس المجلس التنفيذي لـ"حركة النجباء"، بزعامة أكرم الكعبي: إن فقرة "حصر السلاح" التي تضمنها منهاج الحكومة الجديدة، لا تشمل "سلاح المقاومة" بل الذي يتسبب بـ"الفوضى".

وأوضح السعيدي، خلال كلمة أمام أنصاره بمحافظ بابل في 15 مايو، أن المقصود بـ"السلاح المنفلت" هو السلاح الخارج عن القانون والمسبب للفوضى. مؤكداً أن ذلك "لا يشمل سلاح المقاومين الذين دافعوا عن العراق والمقدسات والشعب خلال أصعب الظروف".

وتابع: "خيار حركة النجباء منذ تأسيسها يقوم على عدم المشاركة أو التمثيل السياسي أو البرلماني، وإنما الاكتفاء بمراقبة العملية السياسية بما يضمن خدمة المواطنين وتحقيق تطلعاتهم".

وتعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع نيل تشكيلته ثقة البرلمان في 14 مايو، العمل على "حصر السلاح بيد الدولة"، في وقت تطالب واشنطن السلطات في بغداد بضبط سلاح الفصائل الموالية لطهران.

“انحناء للعاصفة”

وفيما إذا كان خلو حكومة الزيدي من الفصائل يُعد تراجعا حقيقيا للدور الإيراني في العراق، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي، علي المساري: إن "إرادة شيعية كانت وراء ضرورة تمرير الحكومة، وربما حتى أن إيران هي من دفعت لهذا الشيء".

وأوضح المساري لـ"الاستقلال" أن "عدم وجود للفصائل في الحكومة يُعد انحناء للعاصفة الأميركية أكثر منه تراجعا للدور الإيراني في العراق، وبالتالي الأيام ستثبت حقيقة تخلي هذه المليشيات عن سلاحها بشكل حقيقي والانخراط في العمل السياسي أم أن الأمر كان مرحليا".

ورأى الباحث أن "القوى الشيعية في العراق لا تحتاج إلى إيران بالحجم الذي كانت عليه بعد عام 2003 مباشرة، لأنهم اليوم يمتلكون المال والنفوذ وسيطروا على الدولة بشكل كامل".

وتابع: "كذلك تعلموا من الإيرانيين الإنحناء المؤقت للريح وبعدها يتم تمرير المشروع، بل أن بعض القوى الشيعية استغلت هذا الشيء وذهبت لإقصاء المنافسين لها للاستحواذ على المشهد بالكامل".

ولفت إلى أن "حكومة الزيدي ستبق ضعيفة وبلا إرادة لأن الكتل الشيعية هي من تدير كل شي وأن الأخير بمثابة مدير ينفذ ما يطلب منه، وأن البعض يشبّه ذلك بعهد رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي الذي أقيل بفعل ضغط الاحتجاجات شعبية عام 2019".

وفي 7 مايو، ذكر تقرير مركز "أي أس بي" (ASP) الأميركي لدراسات الأمن والعلاقات الخارجية؛ أن الغرض من دعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للزيدي، هو دفعه إلى إنهاء النفوذ الإيراني في العراق.

وأكد التقرير أن الهدف الأميركي لنزع سلاح الفصائل عبر الدبلوماسية والضغط السياسي والعقوبات أكثر نجاعة من الخيار العسكري الذي قد يعزَّز نفوذ الفصائل لدعمها من أحزاب الائتلاف الحاكم.

ورغم آمال الحكومة الجديدة؛ أشار التقرير إلى أن حكومة الزيدي غير مُرجّح أن تكون تصادمية تجاه الفصائل كما ترغب واشنطن، إذ إن أحزاب الحشد الشعبي جزء من الائتلاف وتُسيّطر أجنحتها السياسية على (59) مقعدًا من (162). 

ويوصي التقرير "واشنطن" بالتمسك بالدبلوماسية وعدم التسرع في الضربات العسكرية؛ لأنها كانت أكثر فعالية في 2025 وأسفرت عن تقدم كخطة مصادرة الأسلحة. 

كما دعا إلى تعيّين سفير أميركي دائم في العراق بعد غيابه الحالي وسحب المبعوث الخاص؛ في يناير/ كانون الثاني 2025، ومواصلة الدبلوماسية الصارمة مثل التهديد بالعقوبات.