معبر الكرامة.. هكذا حولته إسرائيل إلى مصيدة لمعاقبة فلسطينيي الضفة

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في ساعة مبكرة من أحد صباحات مايو/أيار 2026، كان الشاب محمد خالد يجر حقائبه إلى استراحة أريحا نقطة التجمع الفلسطينية قبل جسر اللنبي/معبر الكرامة وفي يده بطاقة حافلة وإيصال ضريبة المغادرة، مدركًا أن الرحلة إلى الخارج قد تنتهي قبل أن تبدأ.

الصف يمتد خارج القاعة، النساء يحاولن تهدئة الأطفال، مرضى يحملون أوراق مواعيد مستشفيات في العاصمة الأردنية عمان، وطلاب يدرسون في الخارج ويخشون خسارة الفصل الدراسي، يقول خالد، وهو اسم مستعار لشاب من الخليل جنوب الضفة الغربية روى حكايته مع السفر لـ"الاستقلال".

عندما تصل الحافلة أخيراً، يصعد الجميع متعبين إلى منطقة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وهناك، تبدأ إجراءات التفتيش الأمني ونقل الأمتعة والانتظار داخل المحطة الإسرائيلية.

ينتظر الشاب خالد دوره حتى يسمع جملة تغير خططه بالكامل: “أنت ممنوع من السفر لأسباب أمنية”، ويُحال إلى مراجعة الارتباط الفلسطيني/هيئة الشؤون المدنية لمحاولة فحص خلفية المنع أو تقديم اعتراض، مع أن القرار نفسه يصدر من جانب الاحتلال.

استنزاف العبور 

يبدأ اختبار السفر لفلسطينيي الضفة الغربية قبل أن يصلوا إلى الجسر؛ إذ عليهم أن يسافروا أولاً إلى مدينة أريحا، حيث تقع الاستراحة التي تديرها السلطة الفلسطينية. 

في هذه البقعة الصغيرة يدفع المسافر رسوم المغادرة وأجرة الحافلة ونقل الأمتعة، قبل أن يبدأ انتظارًا قد يمتد لساعات. وبحسب تسعيرة إسرائيلية سارية من منتصف أبريل/نيسان 2026، تبلغ رسوم العبور من اللنبي 182 شيكلًا (63 دولارا) لحاملي جواز السفر الفلسطيني.

ازدحام الاستراحة يشتد خلال مواسم العمرة والحج كحال هذه الأيام، فينام البعض على الأرض أو يقفون في حرارة الصيف بانتظار الحافلة التالية.

وفي أوقات الأزمات، تحدثت تقارير محلية عن سماح الاحتلال الإسرائيلي بمرور عدد محدود من الحافلات، كما حدث بعد إغلاق سبتمبر/أيلول 2025.

 فبعد هجوم على جنود إسرائيليين وقتها أغلق المعبر عدة أيام، مما علق أكثر من 2,500 مسافر، بينهم أطفال ومرضى، وحوّل الضفة إلى سجن كبير. 

وعندما تغادر الحافلة إلى الجانب الإسرائيلي، يتحول المسافرون إلى طابور تفتيش طويل؛ إذ يفرغ الجنود الحقائب ويمررونها عبر أجهزة الأشعة، ويخضع البعض لاستجواب فردي. 

ويتحدث محمد خالد الذي رفض الكشف عن اسمه خوفا من تعقد ملفه عن صراخ الجنود الإسرائيليين وتعمدهم عرقلة حركة المسافرين وتعقيد إجراءات العبور، أو تحويل الإذن بالسفر إلى فحص أمني مفتوح.

بعد الحصول على الإذن يختم جواز السفر وينتقل المسافر بحافلة إسرائيلية إلى نقطة فوق نهر الأردن قبل الانتقال إلى الجانب الأردني، وهناك، يستكمل إجراءات الدخول ويدفع الرسوم المطلوبة، وسط شكاوى متكررة من سوء التنظيم أو فقدان الأمتعة.

هذه الرحلة التي لا تتجاوز بضعة كيلومترات جغرافيا قد تستغرق بين خمس و13 ساعة وترهق الفلسطينيين ماليا، إذ إن كثيرين يخسرون رحلاتهم الجوية أو مواعيدهم العلاجية بسبب التأخير الذي يحدث على المعبر أو إغلاقه المفاجئ.

وتزيد مواقيت العمل المحدودة  من المعاناة، فقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان المعبر يفتح حتى التاسعة مساءً وقد يعمل 24 ساعة خلال الصيف. 

أما بعد عملية طوفان الأقصى، فتعلن سلطة المطارات الإسرائيلية أن المعبر يعمل، حتى إشعار آخر، من الأحد إلى الخميس حتى الخامسة مساءً، والجمعة حتى الثالثة والنصف، ويغلق السبت. لكن تقارير فلسطينية خلال مارس/آذار 2026 تحدثت عن ساعات تشغيل أقصر على الأرض.

وحتى خدمة كبار الشخصيات التي كانت تسرع الإجراءات، تقلصت إلى 200 شخص في اليوم، بينما يُسمح لـ 2,500 راكب فقط باستخدام الحافلات اليومية رغم أن الحاجة قد تصل إلى 5,000 مسافر.

منفذ بلا بديل

وراء هذه المعاناة اليومية تكمن حقيقة سياسية أعمق تتمثل في عدم امتلاك فلسطينيي الضفة الغربية منفذًا سياديًا إلى الخارج. 

في استراحة أريحا، تدير الجهات الفلسطينية الإجراءات الأولى وتنظيم الدور والحافلات وخدمات المسافرين، لكن قرار تشغيل المعبر وساعات عمله، ومن يُسمح له بالعبور، تبقى مرتبطة بالجانب الإسرائيلي الذي يسيطر على محطة اللنبي/الكرامة قبل الوصول إلى الطرف الأردني.

يقع المعبر على بعد نحو 5 كيلومترات شرق أريحا، وتقول سلطة المطارات الإسرائيلية إنه يخدم أساسًا الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية وبعض السياح، وإن تشغيله يجرى بتعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن. 

لكن هذا “التعاون” لا يعني سيادة فلسطينية على الحدود، فالمعبر مدرج ضمن منظومة المعابر البرية الإسرائيلية، وتضم محطته قاعات منفصلة لخروج ودخول المسافرين الفلسطينيين.

ولا يوجد مطار فلسطيني عامل في الضفة، كما لا يستطيع الفلسطينيون هناك استخدام المطارات الإسرائيلية للسفر إلى الخارج، ما يجعل مطار الملكة علياء في عمّان البوابة الجوية الأقرب لهم، لكن الوصول إليه يمر أولًا من جسر اللنبي/الكرامة، أي من بوابة لا يملكون قرار فتحها أو إغلاقها.

هذا الوضع يمنح إسرائيل قدرة غير مسبوقة على التحكم في حرية حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني في الضفة الغربية. فكل مسافر إلى الخارج، سواء كان طالباً أو مريضاً أو رجل أعمال، يمر عبر بوابة تدار بقرار عسكري إسرائيلي. 

وفي الأسبوع الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، عبر نحو 9 آلاف مواطن وزائر فقط من معبر الكرامة، بينهم 4,249 مغادرًا و4,954 قادمًا، في حركة وصفتها الشرطة الفلسطينية بأنها “خفيفة”.

 لم يكن السبب إغلاق المعبر وحده، بل أيضًا الإغلاقات المحيطة بأريحا والإغلاق المؤقت للمجال الجوي الأردني، ما كشف كيف يمكن لأي أزمة إقليمية أن تضيق المنفذ الوحيد أكثر.

أما في 2025، فقد وثقت إدارة المعابر والحدود الفلسطينية تنقل أكثر من 1.5 مليون فلسطيني وزائر عبر المعبر، بينهم 787,237 مغادرًا و769,346 قادمًا. 

لكن هذا الرقم لا يلغي أزمة الجسر، حيث تظهر المشكلة في أيام الذروة، وتقليص الدوام، والإغلاقات المفاجئة، حين يتحول المنفذ الوحيد إلى طابور طويل قد ينتهي بعودة المسافر إلى استراحة أريحا بدل وصوله إلى عمّان.

عقاب غير معلن

ولم تكتف إسرائيل بالتحكم في عبور الفلسطينيين منذ احتلال الضفة عام 1967 بل أنشأت نظاماً من قوائم المنع غير المعلنة لتحول الجسر إلى أداة عقاب.

والمنع، قرار إداري يتخذه جهاز الأمن العام “الشاباك” أو جيش الاحتلال؛ إذ يدرج اسم الشخص في قاعدة بيانات تمنعه من مغادرة الضفة بدون أمر قضائي أو لائحة اتهام. 

الأسباب المتداولة تشمل “اعتبارات أمنية” مبهمة، أو “ملفات سرية” أو علاقات قرابة مع معتقلين أو أسرى أو شهداء، أو المشاركة في نشاط حقوقي أو صحفي.

ولا يعلم معظم الممنوعين أنهم ضمن القائمة إلا عندما يصلون إلى نافذة الجوازات في المعبر، حيث يخبرهم ضباط المخابرات أنهم ممنوعون من السفر ويعيدونهم إلى الاستراحة. 

في حالات أخرى يتلقى الشخص استدعاءً لمراجعة الشاباك أو يوقَّع على تعهدات بعدم ممارسة “أنشطة عدائية”. ولا تُوضح مدة المنع، ولا تُمنح حقائق حول الجهة التي أصدرت القرار، وفي حال الاعتراض غالباً ما يُقال إن الملف “سري”.

وقال محمد خالد الذي مُنع أخيرا إنه درس الماجستير في الخارج وعاد بشكل طبيعي بعد سنوات، “والآن بعد محاولتي السفر تفاجأت بمنعي من السفر”.

وأردف: “طلبت متابعة الأمر عبر الارتباط الفلسطيني لكن لم أتلق جوابا أو تفصيلا حتى الآن، وإذا لم يحدث تقدم، سأضطر لتعيين محامٍي داخل إسرائيل من أجل محاولة إزالة اسمي من قوائم الممنوعين”.

وواصل القول: “علمت لاحقا من عدة شهادات أن من يبقى في الخارج مدة طويلة يتعرض للمنع، حيث يعمل الاحتلال على البحث في تفاصيل سفره والدولة التي كان يقيم فيها وأهدافه من العيش خارج الضفة وغيرها من التفاصيل السرية التي يفتش فيها”. 

وتكشف بيانات حصلت عليها منظمة هموكيد الحقوقية الإسرائيلية من الجيش اتساع هذه السياسة؛ ففي يناير/كانون الثاني 2017 كان 13,937 فلسطينيًا من الضفة مدرجين على قوائم منع السفر لأسباب أمنية، وانخفض الرقم إلى 10,594 مطلع 2021.

وتظهر البيانات اللاحقة أن الجيش وافق على رفع المنع في نحو 42 إلى 49 بالمئة من طلبات الأعوام 2019-2021، ما يشير إلى أن كثيراً من أسبابه ليست بالضرورة “أمنية”.

هذا النجاح لا يعني سهولة التعاطي مع النظام، إذ يجب تقديم طلب قبل ثمانية أسابيع من موعد السفر، وإذا رُفض يمكن الاستئناف بعد ستة أسابيع، وهي إجراءات تستغرق شهوراً. 

الحالات الإنسانية تبرز الطابع العقابي، فقد منع الموظف الحقوقي في منظمة العفو الدولية، ليث أبو زياد، في أكتوبر 2019 من السفر لحضور جنازة عمه دون تقديم أسباب، كما منع من زيارة والدته المريضة قبلها.

 مدير مؤسسة “الحق” لحقوق الإنسان شعوان جبارين حُرم من السفر منذ مارس/آذار 2006 لأكثر من خمس سنوات بحجة ملف سري. 

واكتشفت المحامية دِيالا عايش في مارس 2025 أنها ممنوعة من السفر بينما كانت في طريقها لحضور مؤتمر حقوقي، رغم عدم وجود أمر قضائي. 

فيما اعتقل الناشط باسم التميمي عند المعبر في أكتوبر 2023 ونقل إلى سجن عوفر دون إبلاغه بالتهم.  ويقول محمد خالد: “يطلب من البعض العمل مع المخابرات مقابل رفع منع السفر ضمن عمليات الابتزاز المشهورة”.