واشنطن تضغط بالعقوبات.. هل ينجح الزيدي في إبعاد الفصائل عن حكومة العراق؟

الزيدي يواجه ضغوطات ومتابعة أميركية لملف إبعاد الفصائل عن الحكومة
مع الحراك السياسي الذي يقوده رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي لتشكيل الحكومة الجديدة، تواصل الولايات المتحدة فرض عقوبات على شخصيات عراقية وقادة فصائل مسلحة، بالتوازي مع إطلاق تحذيرات متكررة من إشراك هذه الأطراف في التشكيلة الوزارية المرتقبة.
وفي ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة على الزيدي، يبرز تساؤل محوري بشأن مدى قدرته على إبعاد الفصائل المسلحة عن الحكومة الجديدة، في خطوة قد تُعد سابقة هي الأولى من نوعها منذ انطلاق العملية السياسية في العراق عقب الاحتلال الأميركي عام 2003.

سلاح العقوبات
على بُعد أيام من عرض التشكيلة الحكومية أمام البرلمان لنيل الثقة، تواصل الولايات المتحدة استخدام سلاح العقوبات للضغط على الطبقة السياسية العراقية والفصائل المسلحة، في محاولة للتأثير على شكل الحكومة المقبلة وتركيبتها.
فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في 7 مايو/أيار 2026، عقوبات على نائب وزير النفط العراقي وثلاثة من قادة الفصائل العراقية، بدعوى "استغلال قطاع النفط العراقي وتقويض أمن البلاد".
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في بيان رسمي: إن العقوبات استهدفت ثلاثة من "كبار قادة المليشيات الموالية لإيران". مضيفا أنها شملت أيضا نائب وزير النفط العراقي بسبب تورطه، بحسب البيان، في مخطط يهدف إلى مساعدة إيران على بيع نفطها.
واتهم بيسنت نائب وزير النفط باستغلال منصبه لتسهيل تحويل مسارات شحنات النفط وبيعها لصالح النظام الإيراني. مؤكدا أن طهران "تنهب موارد العراق"، وأن واشنطن "لن تقف مكتوفة الأيدي بينما يُستغل النفط العراقي في تمويل الإرهاب".
وأشار المسؤول الأميركي إلى أن عملية "الغضب الاقتصادي" تمثل جزءا من سياسة "الضغط الأقصى" على إيران. موضحا أن الحصار البحري يدفع واشنطن لاستهداف المصدر الرئيس لإيرادات النفط الإيراني بشكل مباشر.
وفي اليوم ذاته، كشفت وزارة الخزانة الأميركية عن شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والمالية المرتبطة بـ"مليشيات عراقية مدعومة من إيران". متهمة قيادات بارزة في "عصائب أهل الحق"، من بينهم ليث الخزعلي شقيق الأمين العام للحركة، إضافة إلى عناصر من "كتائب سيد الشهداء"، بإدارة عمليات تهريب نفط وتمويل وتسليح، والتنسيق المباشر مع الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" اللبناني، ضمن ما وصفته واشنطن بمنظومة تمويل غير مشروعة عابرة للحدود.
ووفقا للبيان الأميركي، فإن مصطفى هاشم لازم البهادلي، المعروف باسم "سيد عون"، لعب دورا محوريا داخل "عصائب أهل الحق" بصفته مسؤولا اقتصاديا وقياديا؛ حيث أشرف لسنوات على شبكات تهريب النفط ونقل الوقود المسروق أو المدعوم، مستفيدا من شركات وعقود حكومية بصفتها واجهات مالية لأنشطة الحركة في جنوب العراق.
وأضافت واشنطن أن البهادلي عمل بشكل مباشر مع القيادي في "عصائب أهل الحق" ليث الخزعلي للسيطرة على عائدات تهريب النفط، إلى جانب التنسيق مع "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني بشأن شحنات النفط والعقود المرتبطة بها. كما اتهمته وزارة الخزانة بالتورط في التفاوض على شحن النفط الإيراني وتسهيل نقله لصالح المليشيا.
وفي إطار العقوبات، أدرجت الولايات المتحدة أربع شركات عراقية مرتبطة بالبهادلي، تعمل في قطاعات النفط والخدمات والنقل البحري، مقدرة أنها واجهات مالية مملوكة له أو خاضعة لسيطرته، وتُستخدم لدعم أنشطة "عصائب أهل الحق".
كما وسّعت وزارة الخزانة قائمة العقوبات لتشمل مسؤولين في "كتائب سيد الشهداء"، بينهم أحمد خضير المكصوصي ومحمد عيسى كاظم الشويلي، المعروف باسم "أبو مريم"، متهمة الأخير بالتعاون مع شبكة التمويل غير المشروع التابعة لـ"حزب الله" اللبناني، وتنسيق صفقات أسلحة وتحويل ملايين الدولارات لتسهيل شراء ونقل الأسلحة إلى العراق.
وأكدت واشنطن أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مساعيها لتقويض شبكات التمويل والدعم اللوجستي التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وعرقلة مصادر تمويلها المرتبطة بتهريب النفط والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة.
وتأتي العقوبات على شخصيات مثل نائب وزير النفط علي معارج، وليث الخزعلي، بعدما جرى تداول اسميهما في وسائل الإعلام المحلية بوصفهما مرشحين محتملين لتولي مناصب في الحكومة الجديدة؛ إذ يُطرح الأول لمنصب وزير النفط، والثاني لمنصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية.
ومنذ "اتفاق أربيل 2014"، فرضت الولايات المتحدة مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن شخصيات مطلوبة من قادة الفصائل الموالية لإيران، وكان آخرهم أكرم الكعبي زعيم "حركة النجباء"، بعد كل من حيدر الغراوي زعيم "أنصار الله الأوفياء"، وأبو آلاء الولائي زعيم "كتائب سيد الشهداء"، وأبو حسين الحميداوي زعيم "كتائب حزب الله".

حدود ضبابية
بالتزامن مع الإجراءات الفعلية التي اتخذتها إدارة ترامب، أعلن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن تتوقع من رئيس الوزراء العراقي المقبل اتخاذ "إجراءات عملية" للحد من نفوذ الجماعات المسلحة التابعة للنظام الإيراني. محذرا من وقف المساعدات الأمنية وتحويل الموارد المالية إلى بغداد.
وفي 6 مايو/أيار، نقلت مجلة "بارونز" عن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، أن واشنطن تتوقع من مرشح الائتلاف الحاكم في العراق لمنصب رئيس الوزراء، علي الزيدي، أن يحد بشكل ملموس من علاقة الحكومة العراقية بالجماعات المسلحة الموالية لإيران.
وقال المسؤول الأميركي، الذي لم يُكشف عن اسمه: إن الولايات المتحدة تريد إنهاء "الحدود الضبابية" بين الدولة العراقية والجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران.
وأضاف أن استئناف الدعم الأميركي الكامل للعراق، بما في ذلك تحويل عائدات النفط والمساعدات الأمنية، مشروط باتخاذ خطوات، مثل طرد "المليشيات الإرهابية" من المؤسسات الحكومية، وقطع التمويل عنها، ووقف دفع رواتب عناصرها.
وأكد المسؤول: "هذه إجراءات عملية يمكن أن تُظهر لنا أن هناك ذهنية جديدة تتشكل في العراق".
ومع هذه التحذيرات، كشفت وسائل إعلام محلية أن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، سيصل إلى العراق لمتابعة إبعاد الفصائل المسلحة عن حكومة الزيدي عن كثب.
وأفادت قناة الرشيد الفضائية العراقية، في 9 مايو، بأن "مصادر كشفت عن زيارة مرتقبة لديفيد بترايوس إلى بغداد للتأكد من جدية الحكومة العراقية الجديدة في قطع صلاتها تماما بالجماعات المسلحة".
من جهته، قال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ماجد شنكالي، إن هناك حديثا عن تعيين ديفيد بترايوس مبعوثا خاصا إلى العراق، مرجحا وصوله إلى بغداد قريبا، بحسب ما نقل موقع جريدة العراقي في 8 مايو.
وقال شنكالي: إن إيران دخلت على خط دمج الفصائل داخل الحشد الشعبي، مبينا أن الأميركيين قد يقبلون بهذه الخطوة كمرحلة أولى، فيما قدم "الإطار التنسيقي" تعهدا للأميركيين بمعالجة ملف الفصائل.
وأضاف أن عصائب أهل الحق تتعامل بواقعية وتتجه نحو الاندماج السياسي، مقدرا أنها أصبحت "الحزب الأول"، وتمتلك تجربة انتخابية ناجحة وقوة سياسية واقتصادية كبيرة.
كما أشار إلى أن جزءا من حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي موجود بالفعل داخل الحشد الشعبي.
وبيّن شنكالي أن الحرب الأخيرة على إيران أطاحت بـ محمد شياع السوداني وحرمتْه من ولاية ثانية، مؤكدا أن بقاء القرار بيد الدولة يعني عدم استمرار أي سلاح موازٍ للفصائل.
ورجح الخبير الأمني العراقي، جليل خلف، أن "توافق الفصائل في العراق على تسليم سلاحها إلى الحشد الشعبي بصفته مؤسسة حكومية رسمية، جاء بعد إدراك تلك الفصائل أهمية الاستقرار في العراق".
ونقل راديو المربد عن خلف، في 5 مايو، قوله: "لا بد من وضع آلية لاتفاق تسليم السلاح إلى الدولة، خصوصا أن قادة الكثير من الفصائل تحولوا إلى العمل السياسي وأصبح لديهم مقاعد في البرلمان". مشيرا إلى وجود بوادر وصفها بـ"الجيدة"، خاصة بعد التأييد الأميركي لعلي الزيدي في تشكيل الحكومة المقبلة.
وأوضح خلف أن "بعض قادة الفصائل المسلحة أصبحت لديهم مصالح وشركات، لذلك لا بد من دمجهم بالحشد أو الجيش"، واصفا الوضع في العراق بأنه "على مفترق طرق".
وأشار الخبير الأمني إلى أن "المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة، سواء في الخليج أو لبنان أو غزة، الأمر الذي سينعكس على الوضع في العراق".

الفرصة الأخيرة
وبشأن مدى قدرة علي الزيدي على تفكيك المليشيات المسلحة ونزع سلاحها وحصره بيد الدولة العراقية، توقع الباحث في الشأن السياسي العراقي، إياد ثابت، أن "هذا الملف سيكون بمثابة الفرصة الأخيرة التي تمنحها الولايات المتحدة للطبقة السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد منذ عام 2003".
وأضاف ثابت، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن "الولايات المتحدة سئمت من مماطلة القوى السياسية والفصائل المسلحة الشيعية في قطع صلتها بإيران وإنهاء ملف السلاح، لذلك لجأت اليوم إلى استخدام سلاح العقوبات ضد الشخصيات المطروحة لشغل مناصب تنفيذية، سواء رئاسة الحكومة أو الحقائب الوزارية".
ولفت إلى أن "الطوق الذي تفرضه الولايات المتحدة على هذه القوى لا مفر منه، فإما حكومة بعيدة عن إيران والفصائل المسلحة التابعة لها تحظى باعتراف ودعم أميركي، أو حكومة بعكس ذلك تواجه مقاطعة من واشنطن، وربما عقوبات على العراق".
وأوضح ثابت أن "استحقاقات المناصب الخاصة بالفصائل المسلحة المشاركة في الانتخابات والتي تمتلك كتلًا برلمانية، ستُدار عبر اختيار شخصيات من خارج صفوفها لكنها تدين لها بالولاء". مشيرا إلى أن "من أولى هذه المؤشرات الحديث عن تولي الإعلامي نبيل جاسم منصب مدير إعلام مكتب رئيس الوزراء بدلا من ربيع نادر، العضو في عصائب أهل الحق، وهو ما يبدو أنه جرى بترتيب مسبق".
وبيّن الباحث أن "المنصب ما يزال مخصصا للعصائب، لكن الزيدي مضطر لإبعاد أي شخصية معروفة بانتمائها المباشر للفصيل، من دون أن يعني ذلك سحب الموقع منهم، بل الإبقاء عليه مع تقديم شخصية غير محسوبة عليهم بشكل مباشر".
وشدد على أن "التحدي الذي يواجهه الزيدي كبير جدا، وأن الدعم الأميركي المعلن من الرئيس الأمريكي Donald Trump يزيد حجم الضغط عليه، لأنه مطالب بإثبات أنه على قدر هذه الإشادة، إلى جانب إدارة العلاقة مع الفصائل المسلحة من دون الانزلاق إلى صدام مسلح".
وتوقع الباحث أن "يفشل الزيدي في تفكيك جميع الفصائل المسلحة، خصوصا تلك الموالية لإيران والتي خاضت معها الحرب الأخيرة، وبالتالي قد ينأى بنفسه عنها في حال تعرضها لهجمات أميركية، لكن أغلب الجماعات المسلحة ستندمج مع الواقع السياسي حفاظا على مكاسبها".
وفي السياق ذاته، دعا زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، الحكومة المقبلة إلى "تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل (جند الشعائر الدينية) على اختلاف توجهاتها، وتحت سلطة هيئة الحج والعمرة، أو إلى تشكيل إنساني للإغاثة والمعونات الإنسانية، ومن يرفض منهم يُعد خارجا عن القانون".
وأضاف الصدر، في تدوينة عبر منصة "إكس" بتاريخ 8 مايو/أيار: "إذا فعلوا ذلك، فأنا مستعد لحل تشكيل لواء اليوم الموعود وتسليم سرايا السلام إلى القائد العام للقوات المسلحة، وعلى الجميع أن يفعل الأمر ذاته بأسرع وقت ممكن".
وأكد زعيم التيار الصدري ضرورة "عدم الاستعانة بخلطة العطار في تشكيل الكابينة الوزارية، وإبعاد كل من يمتلك جناحا مسلحا عنها بشكل كامل، وتشكيل حكومة تلبي مطالب الشعب". وفق تعبيره.
وشدد الصدر على ضرورة "قمع الفساد خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما، على أن يبدأ ذلك بملف سرقة القرن والمتورطين فيها وكل تبعاتها".
وتُعرف "سرقة القرن" في العراق بأنها قضية اختلاس ضخمة كُشف عنها عام 2022، جرى خلالها نهب نحو 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية في مصرف الرافدين، وتورط فيها رجال أعمال ومسؤولون سابقون.
كما دعا الصدر إلى تعزيز العلاقات الخارجية "ضمن أطر تحفظ للعراق هيبته وانفتاحه على المحيط العربي والإسلامي والدولي، من دون تدخلات خارجية من أي طرف، ومن دون الاعتداء على أحد، لما في ذلك من رفعة للعراق والدين والمذهب والشعب الذي اكتوى بنيران الحروب".
وكان الرئيس العراقي نزار آميدي قد كلف، في 27 أبريل/نيسان، مرشح الكتلة النيابية الأكبر، علي الزيدي، بتشكيل الحكومة الجديدة، على أن يقدم تشكيلته الوزارية خلال مدة أقصاها 30 يوما لنيل ثقة البرلمان، وفقا للدستور.
وفي 8 مايو/أيار، قدم الزيدي منهاج عمل حكومته الجديدة إلى رئيس البرلمان، هيبت حمد الحلبوسي، تمهيدا لتعميمه على أعضاء المجلس ودراسته.
وتصدر بند "تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني" قائمة "المنهاج الوزاري"؛ إذ ركزت رؤية الزيدي لتحقيق هذا الهدف على "حصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سلطة القانون". إضافة إلى "تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وبسط سيطرة الدولة، وتنويع مصادر التسليح".
كما شدد البرنامج على "تطوير إمكانات منتسبي الحشد الشعبي بما يعزز قدراته القتالية، وتحديد مسؤولياته ومهامه ودوره في المنظومة العسكرية والأمنية وفقا للقانون"، إلى جانب "توحيد القرار الأمني وربط جميع الموارد والقدرات بمنظومة الدولة الرسمية".
المصادر
- عقوبات أمريكية على نائب وزير النفط العراقي و3 من قادة الفصائل
- مقتدى الصدر يدعو لدمج الفصائل المسلحة تحت اسم "جند الشعائر الدينية"
- الزيدي يسلم المنهاج الوزاري إلى رئيس مجلس النواب
- شنكالي: وزراء الزيدي بانتظار “بصمة” أميركية ودمج الفصائل مطروح بقوة – تفاصيل كاملة مع هارون الرشيد
- الخزانة الأميركية تتهم ليث الخزعلي و”سيد عون” بإدارة شبكة لتهريب النفط العراقي
- خبير أمني للمربد: ترجيحات بتسليم سلاح الفصائل ودمجها بالحشد الشعبي وسط بوادر استقرار سياسي
- منهاج حكومة الزيدي 2026 – 2029.. الأمن أولاً وإصلاحات اقتصادية وتحول رقمي شامل
















