مسار "الحجاز–إسطنبول".. هل يهدد مستقبل "طريق التنمية" العراقي؟

يوسف العلي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

على وقع التوترات المتصاعدة في المياه الدولية، لا سيما في مضيق هرمز، جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتجه دول المنطقة إلى البحث عن مسارات إستراتيجية أكثر أمانًا، لضمان استمرارية سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي باتت تتسم بهشاشة أمنية متزايدة.

وفي 22 أبريل/نيسان 2026، أعلن وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، استكمال دراسة مشروع الربط السككي مع تركيا، مرورًا بـالأردن وسوريا، قبل نهاية العام الجاري، مؤكدًا أن المشروع من شأنه تعزيز التكامل الإقليمي، ودعم حركة التجارة، وتطوير منظومة النقل البري المستدام بين دول المنطقة.

كما أكد وزيرا الخارجية والنقل في تركيا، هاكان فيدان وعبد القادر أورال أوغلو، العمل على مشروع "ربط سككي" يصل تركيا بـسوريا والأردن وصولًا إلى السعودية؛ في خطوة تُعيد إحياء مسار سكة حديد الحجاز التاريخية، التي أطلقها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1900.

إلا أن الحديث عن هذا المشروع الحيوي أثار تساؤلات بشأن مدى إمكانية تحوله إلى بديل عن "طريق التنمية"، الذي أعلنته العراق في أواخر مايو/أيار 2023، والهادف إلى ربط قارتي آسيا وأوروبا عبر ميناء الفاو الكبير، من خلال شبكة نقل وسكك حديدية تمتد لنحو 1200 كيلومتر باتجاه الحدود التركية.

بدائل آمنة

وفيما يتعلق بمستقبل "طريق التنمية" العراقي في ظل الحديث عن مسار "الحجاز – إسطنبول"، قال الباحث العراقي حامد العبيدي: إن "الدول تتجه إلى البحث عن طرق آمنة تمر عبر بلدان مستقرة، لضمان تدفق التجارة، سواء النفط أو غيره من السلع التي يحرص العالم على استمرار انسيابها".

وأضاف العبيدي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "طريق التنمية لا يمكن الاستعاضة عنه بمسارات أخرى، نظراً لاختلاف مساره، إذ يستقبل التجارة من دول شرق آسيا، وفي مقدمتها الصين، وينقلها إلى أوروبا عبر تركيا، إلا أن المشروع قد يتأخر قبل أن يرى النور".

ولفت إلى أن "الأوضاع في العراق مضطربة بفعل وجود المليشيات المسلحة التي تسعى إلى رهن مقدرات البلاد للإرادة الإيرانية، فضلاً عن الميزانيات الضخمة التي يتطلبها المشروع، ما يجعل من الصعب التنبؤ بموعد إنجازه".

وأشار الباحث إلى أن "استمرار اعتداءات المليشيات الموالية لإيران داخل العراق وعلى دول الخليج قد يؤدي إلى عزلة اقتصادية للبلاد أو تعطيل المشروع، خاصة أن السعودية وقطر والإمارات تعد أطرافاً أساسية فيه".

وفي السياق ذاته، يرى الإعلامي العراقي عثمان المختار أن "المشروع السعودي – الأردني – السوري قد يقضي على مشروع طريق التنمية بين البصرة وتركيا قبل أن يبدأ".

وأوضح المختار، في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 23 أبريل، أن "هذا المسار (الحجاز – تركيا) يُعد طريقاً آمناً يمر عبر دول مستقرة تحكمها سيادة القانون، بعيداً عن نفوذ المليشيات"، مقدرا أن "هذه المليشيات تمثل عامل إفقار وتجويع للعراق".

وفي 27 مايو/أيار 2023، أُطلق مؤتمر "طريق التنمية" بمشاركة السعودية والكويت والإمارات وقطر وسلطنة عُمان وتركيا وسوريا والأردن، غير أن أربع دول فقط وقّعت مذكرة تفاهم في أربيل عام 2024 لتنفيذ المشروع على ثلاث مراحل.

وجرى توقيع مذكرة التفاهم بين العراق وتركيا وقطر والإمارات خلال مؤتمر عُقد في بغداد، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 22 أبريل 2024، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي أكد أن المشروع "سينقل المنطقة اقتصادياً".

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة النقل العراقية ميثم الصافي: إن الحكومة استكملت التصاميم الأولية لمشروع "طريق التنمية"، وانتقلت إلى مرحلة التصاميم التفصيلية التي شارفت على الانتهاء.

وأضاف الصافي، في تصريح نقله موقع "المربد" في 28 أبريل/نيسان 2026، أن المرحلة المقبلة ستشمل تسويق المشروع وطرحه أمام كبرى الشركات العالمية، تمهيداً للبدء بتنفيذه وفق دراسات الجدوى الاقتصادية المعتمدة.

وأشار إلى أن هناك شركات دولية تم التعاقد معها مسبقاً، وعُقدت معها اجتماعات مكثفة لمراجعة التصاميم والنموذج الاقتصادي والتدقيق الفني، بما يضمن السير بالمشروع وفق الجداول الزمنية المخطط لها.

فرصة نادرة

وفي المقابل، علّق الخبير الاقتصادي العراقي المختص بالنقل البحري زياد الهاشمي على مدى تأثير المسار السعودي–التركي، الذي يُتداول الحديث عنه أخيراً، على مستقبل "طريق التنمية" العراقي.

وقال الهاشمي، في تدوينة عبر منصة "إكس" بتاريخ 27 أبريل/نيسان، إن السعودية أطلقت مساراً سككياً يربط موانئها على البحر الأحمر بالموانئ التركية في الجنوب الشرقي، مروراً بـالأردن وسوريا، في خطوة إستراتيجية تأتي ضمن جهود تنويع مسارات النقل الدولي بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز.

وأضاف أن هذا المسار أثار مخاوف داخل العراق من أن يؤدي إلى إنهاء مستقبل "طريق التنمية"، وأن المنطقة قد لا تعود بحاجة إلى المسار العراقي.

غير أن الهاشمي أوضح أن "وجود مسارات برية متعددة الوسائط ضمن الإقليم ذاته لا يعني بالضرورة نجاح أحدها على حساب الآخر، فلكل مسار أسواقه ومناشئه وموانئه ونموذج عمله، ما يجعله غير متصادم بالضرورة مع المسارات الأخرى".

وتابع أن "المسار السعودي يركز على ربط الأسواق والمناشئ السعودية والخليجية مع أوروبا عبر الموانئ التركية، بهدف تقليل الاعتماد على المضائق البحرية وقناة السويس، وخفض التكاليف وتسريع زمن الوصول، في حين يركّز مسار 'طريق التنمية' – نظرياً – على نقل التجارة القادمة من آسيا إلى أوروبا عبر تركيا".

وخلص إلى أن "ما يهدد مستقبل طريق التنمية ليس المسار السعودي، بل احتمال إغلاق مضيق هرمز وتعطّل وصول السفن إلى ميناء الفاو الكبير، وهي مسألة ذات خطورة إستراتيجية، نظراً لوقوع العراق في قمة خليج مغلق قد يتعرض لتعقيدات جيوسياسية، وهو ما نشهده حالياً".

وأشار إلى أن المسارين، العراقي والسعودي، إذا ما نُفّذا وفق دراسات جدوى دقيقة، يمكن أن يتحولا إلى نموذج تكاملي لا تنافسي، من خلال ربطهما ضمن منظومة سككية إقليمية مترابطة تضمن انسيابية حركة التجارة بمختلف اتجاهاتها وبمستوى عالٍ من الأمان.

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي مجاهد الطائي، في تدوينة بتاريخ 29 أبريل/نيسان، إن "طريق التنمية" لم يعد مجرد مشروع إنمائي وطني، بل تحوّل إلى خيار إستراتيجي لإعادة تشكيل مسارات التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.

وأوضح أن اعتماد دول الخليج لعقود طويلة على ممر ضيق ومتوتر مثل مضيق هرمز ليس أمراً جديداً، لكن حجم الاضطرابات الراهنة وسرعة تأثيرها أعادا طرح الحاجة إلى بدائل تتجاوز نقاط الاختناق البحرية التقليدية.

وأضاف أن "طريق التنمية"، الذي يهدف إلى ربط الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا، بات يمثل خياراً إستراتيجياً ملحاً ضمن جهود أوسع لإعادة رسم خريطة التجارة والطاقة في منطقة تشهد تحولات متسارعة.

ولفت إلى أن أهمية المشروع ترتبط ببنية الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بنحو 90% من إيراداته على صادرات النفط، والتي يمر معظمها عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر تهديداً مباشراً للاقتصاد الوطني.

وأشار الطائي إلى أن نجاح المشروع مرهون بقدرته على الاندماج مع شبكة أنابيب النفط العراقية وتوسعتها، مؤكداً أن "الجغرافيا وحدها لا تكفي، بل لا بد من بيئة سياسية وأمنية مستقرة لتحويل الموقع إلى ممر فعّال للطاقة والتجارة".

وشدد على أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز لا ينبغي التعامل معه كأزمة عابرة، بل كـ"إنذار هيكلي" يستدعي إعادة تقييم شاملة للبنى التحتية ومسارات الإمداد، ويضع المشاريع البرية، وفي مقدمتها "طريق التنمية"، في قلب التفكير الإستراتيجي العالمي.

وأضاف أن اهتمام الأطراف الدولية باستقرار العراق يتزايد، لكنه سيظل مشروطاً بقدرة بغداد على تقديم ضمانات حقيقية، في ظل وجود بدائل إقليمية قد تتجاوز العراق عبر الأردن وسوريا.

واختتم الطائي بالقول إن التطورات الأمنية في مضيق هرمز تمثل "فرصة إستراتيجية نادرة" للعراق لإعادة تموضعه إقليمياً، غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب أكثر من مشاريع بنى تحتية، بل إصلاحات سياسية عميقة وتنسيقاً مؤسسياً فعالاً.