ملاذ آمن.. إلى أين تتجه رؤوس الأموال في ظل تصاعد الحرب الإقليمية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تُعَدّ أحد أهم العوامل التي تُعيد تَشكيل بيئة الاستثمار في منطقة الخليج العربي.

ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب أردال تاناس كاراغول، ذكر فيه أن "هذه المواجهة لا تقتصر على بُعدها العسكري، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستقرار الإقليمي لضمان تدفق رؤوس الأموال".

نقطة توازن

وقال الكاتب التركي: إن “أول ما يقلق المستثمرين في الخليج هو ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية؛ حيث إن اندلاع مواجهات عسكرية أو حتى التهديد بها يجعل المنطقة تبدو غير مستقرة، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استثماراتهم والبحث عن بديل”.

ثانيا، يمثّل تهديد إمدادات الطاقة والممرات البحرية عامل ضغط كبير، خاصة أن منطقة الخليج مرتبطة بشكل مباشر بمضيق هرمز، الذي يُعد شريانا حيويا لنقل النفط والغاز إلى العالم. 

وفي حال تعطّل هذا الممر مجددا بسبب الحرب أو التوترات، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل أيضا إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المستثمرين ويزيد من تقلبات الأسواق.

وأردف كاراغول بأنه في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج لم تعد التوترات الجيوسياسية مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت عاملا هيكليا يعيد تشكيل اتجاهات الاستثمار العالمية وحركة رؤوس الأموال. 

وشدد على أنه “كلما تصاعدت المخاطر الأمنية والسياسية، تزايدت الحاجة لدى المستثمرين للبحث عن بيئات بديلة أكثر استقرارا وأقل عرضة للصدمات”. 

وفي هذا السياق، برز سؤال محوري يفرض نفسه بقوة، هل يمكن لتركيا أن تتحول إلى ملاذ آمن لرؤوس الأموال التي قد تغادر الخليج؟.

وأوضح كاراغول أنه "من منظور جيوسياسي، تتمتع تركيا بموقع فريد يضعها في نقطة توازن بين مناطق الصراع ومناطق الاستقرار، فهي ليست بمعزل عن التفاعلات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته ليست جزءا مباشرا من بؤر التوتر الأكثر حدة". 

ويرى أن “هذا الموقع يمنحها ميزة نسبية، خصوصا عندما يقترن بسياسة خارجية نشطة تسعى إلى تخفيف حدة الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية”.

ملاذ آمن

وأكد كاراغول أن “الدور الذي تلعبه أنقرة في الوساطة وإدارة التوازنات الإقليمية يعزز صورتها كدولة قادرة على التفاعل مع الأزمات دون أن تنزلق بالكامل إلى تداعياتها”.

ورأى أن “هذه الصورة تُعد عنصرا مهما في حسابات المستثمرين الذين يفضلون البيئات التي تجمع بين الاستقرار والقدرة على إدارة المخاطر”.

وأشار الكاتب التركي إلى أن "الجاذبية الجيوسياسية وحدها لا تكفي، فالتحول إلى ملاذ آمن يتطلب أساسا اقتصاديا قويا وسياسات مالية موثوقة". 

في هذا الإطار، يمكن ملاحظة أن تركيا تبذل جهودا ملموسة لتحسين مؤشرات اقتصادها الكلي، سواء عبر السعي لرفع تصنيفها الائتماني إلى مستوى "قابل للاستثمار"، أو من خلال العمل على خفض كلفة التأمين على ديونها السيادية وهو مؤشر رئيس على ثقة الأسواق.

كما أن تبني سياسات تستهدف خفض التضخم يعكس إدراكا لأهمية الاستقرار السعري في جذب الاستثمارات طويلة الأجل، يقول كاراغول,

إضافة إلى ذلك، فإن الإصلاحات الضريبية التي تم تنفيذها أخيرا تشير إلى توجه واضح نحو تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات، وهو عامل حاسم في قرارات المستثمرين الدوليين. 

واستدرك: “مع ذلك، فإن هذه الخطوات لا تزال بحاجة إلى تعميق وتوسيع، خصوصا فيما يتعلق بتعزيز الشفافية، وضمان استقرار السياسات الاقتصادية على المدى الطويل، وتقديم حوافز أكثر تنافسية للاستثمارات الأجنبية المباشرة”. 

وأوضح كاراغول أن “المستثمر لا يبحث فقط عن فرصة ربح، بل عن بيئة يمكن التنبؤ بها، تقل فيها المفاجآت وتزداد فيها وضوح الرؤية”.

عنصر الطاقة

من جانب آخر لا يقل أهمية، يبرز عنصر الطاقة كأحد أبرز أساسات القوة في المعادلة التركية؛ حيث إن الموقع الجغرافي لتركيا يجعلها جسرا طبيعيا بين الشرق الغني بالموارد والغرب المستهلك للطاقة. 

ومع تطور مشاريع خطوط الأنابيب الدولية، أصبحت أنقرة لاعبا متزايد الأهمية في تأمين تدفقات النفط والغاز، وذلك ليس فقط كممر عبور، بل كمركز محتمل لإعادة التوزيع والتسعير.

وقال كاراغول: إن “هذه المكانة تمنح تركيا بعدا إستراتيجيا إضافيا، خصوصا في أوقات الأزمات التي تتعرض فيها ممرات الطاقة التقليدية للاختلال”.

وشدد على أنه “في حال استمرار الاضطرابات في الخليج، فإن أهمية هذا الدور ستتضاعف؛ إذ يمكن لتركيا أن تتحول إلى مسار بديل لنقل الطاقة إلى الأسواق العالمية”. 

وبذلك ستعزز أنقرة من جاذبيتها كمركز للاستثمار في البنية التحتية للطاقة، والخدمات اللوجستية، والصناعات المرتبطة بها، يوضح كاراغول.

واستطرد: “هذا بدوره قد يسرّع من تحقيق طموحها في أن تصبح (مركز طاقة إقليمي)، وهو هدف يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل أبعادا جيوسياسية أوسع”.

وأضاف كاراغول بأن “تركيا تقف اليوم أمام فرصة إستراتيجية نادرة، فالتوترات في الخليج، رغم ما تحمله من مخاطر، تفتح في الوقت ذاته نافذة لإعادة توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو وجهات أكثر استقرارا نسبيا”. 

ولفت إلى أن “تركيا إذا تمكنت من استثمار هذه اللحظة عبر تعميق إصلاحاتها الاقتصادية، وتعزيز استقرار سياساتها، وتطوير بنيتها التحتية، فإنها قد تنجح في ترسيخ موقعها كأحد أبرز الملاذات الآمنة في المنطقة”.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: إن "الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لا تمثل مجرد صراع عسكري، بل هي عامل زعزعة شامل يؤثر على ثقة المستثمرين في الخليج". 

واستطرد: "مع استمرار هذه التوترات، تتجه رؤوس الأموال بشكل طبيعي نحو وجهات بديلة تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار والأمان، وهو ما يفتح أمام تركيا فرصة إستراتيجية مهمة لتعزيز جاذبيتها واستقطاب المزيد من الاستثمارات".