كلفة الخيارات.. إلى أين يتجه تحالف الخليج مع واشنطن بعد حرب إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

وضعت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التحالف بين دول الخليج وواشنطن أمام اختبار “إعادة التقييم”؛ إذ تدفع تداعيات الصراع دولا منها نحو مراجعة شراكاتها التاريخية بحثا عن توازنات إستراتيجية جديدة تضمن مصالحها.

وأكّد إريك ألتر، الزميل الأول غير المقيم في مبادرة أمن الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي وعميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبو ظبي، أن الخليج قد يعيد تقييم تحالفه مع الولايات المتحدة جراء حرب إيران.

وقال: إن "مسؤولين خليجيين لن يصرّحوا بذلك علنا، لكنهم أبلغوه في محادثات خاصة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط  بأنهم استوعبوا الرد الإيراني، في ظل وجود إطار أمني مشترك بين الولايات المتحدة ودول الخليج لم يُعلن عنه رسميا ولم يُكشف عن تفاصيله، مؤكدين أن الشروط الحالية لم تعد مقبولة".

إعادة التقييم

وأوضح ألتر أنهم لا يلوّحون بالانسحاب، بل يقومون بما هو أشد حساسية؛ إذ يعيدون تقييم كلفة خياراتهم ويُراجعون بصورة نشطة حجم المخاطر التي هم مستعدون لتحملها ضمن هذا الترتيب، دون أن يغيّروا جوهريا دورهم داخله.

وأضاف أن ما هو على المحك في المفاوضات الأميركية-الإيرانية المتقطعة لا يقتصر على اتفاق مستدام أو جدول زمني للبرنامج النووي، بل يمتد إلى سؤال أعمق.

ولفت إلى أن هذا السؤال يتمثل فيما ما إذا كان النظام الإستراتيجي غير الرسمي الذي بنته الولايات المتحدة مع شركائها الخليجيين وإسرائيل على مدى عقدين قادرا على الصمود أمام حرب فعلية، أم أنه كان في جوهره ترتيبا ظرفيا جرى تقديمه في صورة تحالف؟

وذكر ألتر أن الحرب حسمت سؤالا ظل لسنوات عالقا في منطقة غامضة دون إجابة واضحة؛ فالولايات المتحدة والسعودية والإمارات وقطر وإسرائيل لا تتقاطع مصالحها فحسب، بل تشترك في تقدير موحد للتهديدات، وتملك بنية تحتية متكاملة من القواعد وسلاسل الإمداد، إضافة إلى عقود من التنسيق العملياتي الهادئ.

ويعادل ذلك، من الناحية العملية، وجود نظام تشغيلي واحد، حتى وإن استمر هذا الواقع لعقدين من الزمن في ظل إنكار أو إخفاء متعمد، وهو ما بات اليوم يمثل نقطة ضعفه الأساسية. وفق المقال.

وأشار إلى أن هذا الترتيب كان ملائما لكل الأطراف؛ إذ لم يكن ممكنا تقديم حكومات الخليج بوصفها مستضيفة لتحالف أميركي صريح؛ لأن ذلك كان سيُلحق ضررا كبيرا بشرعيتها الداخلية في ظل رأي عام يميل إلى رفض الخيارات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

في المقابل، لم تكن واشنطن قادرة على الالتزام العلني بمثل هذا التحالف، كما لم تكن إسرائيل مستعدة للاعتراف بانخراطها فيه، وقد استمر هذا التوازن قائما إلى أن توقفت طهران عن استهداف الرموز وبدأت تستهدف المنظومات والآليات.

وأوضح أن دول الخليج تحمّلت تبعات الرد الإيراني نتيجة استضافتها قوة ردع لم يكن ممكنا الاعتراف بها علنا. ويُطلق على هذا النوع من الترتيبات التي يتحمل فيها طرف المخاطر بينما ينسب طرف آخر المكاسب لنفسه، وصف "التبعية غير المتكافئة".

وهو، بحسب ألتر، ليس تحالفا بالمعنى التقليدي، وقد كشفت الحرب ذلك بوضوح.

وتابع أن الرواية البديلة كانت ستقدّم دول الخليج بوصفها أطرافا مترددة انجرفت إلى الحرب بفعل رئيس متهور، وهو توصيف يرضي مختلف الأطراف لكنه لا يعكس حقيقة أي منهم بدقة.

الحسابات الخليجية

وأكد ألتر أن السعودية والإمارات وقطر خلصت، عن تقدير سليم، إلى أنه لا توجد قوة غير الولايات المتحدة قادرة على توفير الدفاع الصاروخي والردع الموسع اللازم لمواجهة التهديد الإيراني؛ فالصين لن تقوم بذلك، وأوروبا لا تملك القدرة على ذلك.

وأضاف أن النفوذ الأميركي حقيقي، لكنه لا يفضي بالضرورة إلى الخضوع؛ لأن النفوذ لا يعني السيطرة، والحكومات التي تمتلك بدائل لا تتردد في استخدامها.

وفي هذا السياق، فإن إعادة توجيه الثروات السيادية في الرياض وأبو ظبي، وتسريع الاستثمارات في الصناعات الدفاعية الأوروبية، والتوسع الهادئ في اتفاقيات التسوية غير القائمة على الدولار، كلها تمثل مواقف تفاوضية تُعبّر عنها من خلال محافظ استثمارية لا عبر مؤتمرات صحفية.

وأوضح الكاتب أن هذا النظام يعاني من ثغرتين تعدهما واشنطن ثغرة واحدة.

عسكريا، يكمن التحدي في قابلية التشغيل المشترك تحت ضغط حقيقي؛ إذ تفتقر أنظمة الدفاع الجوي الخليجية وأنظمة الإنذار المبكر الإسرائيلية والأنظمة الأميركية لمسرح العمليات إلى صورة عملياتية موحدة بمجرد انطلاق الصواريخ.

وفي مواجهة هجوم إيراني منسق يشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وألغاما، تتحول الثغرات التي تبدو قابلة للمعالجة في المناورات، إلى ثغرات حرجة.

أما سياسيا، فالتحدي أكثر وضوحا، وفق ألتر؛ إذ تحمّلت دول الخليج تبعات الرد دون أن يكون لها دور يُذكر في القرارات التي وضعتها في دائرة الاستهداف. وقد أدركت طهران هذا الضعف قبل واشنطن واستغلته منذ ذلك الحين، فيما لا يمكن عدّه إدارة فعّالة بأي معنى من المعاني.

وأشار إلى أن “الحل الأمثل يتمثل في إضفاء طابع رسمي على التعاون، عبر المعاهدات والقيادة الموحدة والتشاور المسبق قبل استخدام القوة، بدلا من الاكتفاء بالإحاطات الإعلامية بعد وقوعه”.

غير أن التحالفات الرسمية، كما يضيف، تُقيد الطرف الأقوى بقدر ما تُقيد الطرف الأضعف، وقد جرى في حالات كثيرة استخدام هذه الترتيبات لاحقا من قبل الأعضاء الأصغر لدفع الأعضاء الأكبر نحو صراعات كانوا يفضلون تجنبها.

وذكر أن ثمة عقبتين سبقتا هذه الحرب وستظلان قائمتين بعدها؛ إذ تبقى القضية الفلسطينية عائقا محوريا.

ورأى ألتر أنه “لا يمكن لأي حكومة عربية أن توقّع علنا معاهدة دفاعية مع إسرائيل طالما ظلت آفاق قيام دولة فلسطينية ضعيفة كما هي اليوم، وطالما بقي الرأي العام المحلي معاديا لإسرائيل إلى حد يجعل أي تحالف معلن تهديدا مباشرا للشرعية الداخلية”.

أما العقبة الثانية، وفق ألتر، فهي ميل واشنطن إلى طرح الشراكة مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بسلطة القرار الأحادي؛ إذ إن تقديم شكل التحالف دون مضمونه، أي من دون دور استشاري حقيقي قبل اتخاذ القرارات العملياتية، لا يُنتج شراكة بقدر ما يُنتج إدارة من طرف واحد.

واستطرد: “وقد استوعبت حكومات الخليج من تداعيات الرد الإيراني ما يكفي لفهم هذا الفارق بدقة”.

الدرس المستفاد

وأكد ألتر أنه حتى لو توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يتضمن شروطا مواتية للبرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز، فلن يمنح ذلك البنية الحالية للعلاقات الأميركية-الخليجية سوى استراحة مؤقتة.

ويجب استغلال هذه الاستراحة لإعادة بناء الترتيب على أسس صحيحة عبر هياكل قيادة موحدة، وسلطة استشارية حقيقية قبل بدء العمليات، وإطار سياسي لا يُلزم الشركاء العرب بالتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها مُعلّقة إلى الأبد.

وأوضح أنه في حال انهارت المحادثات واستؤنفت الحرب، فإن أيّا من هذه المسارات لن يصبح أسهل؛ إذ إن كونغرس منشغل بالخسائر الأميركية في صراع متجدد في الشرق الأوسط لن يُقرّ اتفاقيات أمنية جديدة.

وإذا تعرضت السعودية لموجة ثانية من الضربات الإيرانية، فلن تنتظر واشنطن للتحرك، بل ستُسرّع مختلف إستراتيجيات التحوّط الجارية. وتمتلك الولايات المتحدة فرصة لصياغة تسوية دائمة من موقع قوة، لكنها تظل فرصة عابرة.

وأشار ألتر إلى أن الصين تُدرك هذه الديناميكيات أفضل من معظم الدول؛ إذ اشترت 90 بالمئة من إنتاج إيران النفطي قبل الحرب، وشجّعت علنا جهود الوساطة الباكستانية، بينما كانت ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات تتجاوز الحصار سرا.

والأكثر أهمية من ذلك أن بكين تدرس سابقة فرض رسوم سيادية على ممر مائي عالمي، لاحتمال تطبيقها في مضيق تايوان. 

ويُشكل نظام الخليج حجة أميركية راسخة مفادها أن واشنطن تضمن المصالح المشتركة عالميا، غير أن هذه الحجة، متى طُرحت للتفاوض، تفقد قوتها في كل مكان في آن واحد.

وختم مقاله بالقول: إن الأطراف بنت هذا النظام لأن كلا منها خلص إلى أن البديل، المتمثل في إيران ذات هيمنة إقليمية وقدرة نووية غير مقيدة وسيطرة مطلقة على نقل الطاقة العالمي، هو بديل أسوأ، وسيبقى هذا الاستنتاج قائما بعد الحرب، لكن وهم قابلية استمرار الشروط الحالية لن يصمد معه.

ومن أبو ظبي، قال ألتر: إن “الخيار لم يعد نظريا؛ فالمسؤولون الذين يتواصل معهم يرغبون في نجاح هذه العلاقة، ولطالما سعوا إلى ذلك. لكن ما لن يقبلوه بعد الآن هو أن تكون رغبتهم فيها أكبر من رغبة واشنطن نفسها”.