بعد إغلاق المضيق.. هل من بدائل تنزع من إيران ورقة هرمز الإستراتيجية؟

"فرص التوصل إلى اتفاقات جديدة تبدو شبه معدومة"
في ظل تعثر المفاوضات بين إيران وأميركا في إسلام آباد، لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز دون مستوياتها الطبيعية بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026.
ويواصل هذا الإغلاق إلحاق أضرار جسيمة بسوق الطاقة العالمية، إذ كان المضيق يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا.
وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى فرض سيطرتها على المضيق، في ظل حديث عن نيتها فرض رسوم عبور على السفن قد تصل إلى مليوني دولار لكل رحلة.
ويعد خبراء دوليون هذه الخطوة خرقًا جسيمًا للأعراف الملاحية، في حين برز موقف سلطنة عُمان كضامن لحرية الملاحة دون قيود مالية.
وأمام هذا الواقع، بدأت دول الشرق الأوسط البحث عن بدائل، إلا أن أبرز التحديات لا تزال تتمثل في ارتفاع التكاليف وطول المدة اللازمة لتنفيذ هذه الخيارات.
وفي هذا الإطار، تطرح صحيفة "إزفستيا" الروسية تساؤلًا: هل تمثل هذه الأزمة بداية نهاية الاعتماد العالمي على مضيق هرمز؟ ومن هي الأطراف القادرة على الاستفادة من مسارات الشحن البديلة؟

إيران تضع شروطها
واستعرضت الصحيفة الوضع في مضيق هرمز حتى التوصل لوقف إطلاق النار في الثامن من أبريل/ نيسان 2026، موضحة أن عشرات السفن كانت عالقة في منطقة الانتظار عند مضيق هرمز، بانتظار السماح بالعبور من قبل السلطات الإيرانية.
وتابعت: "وضعت طهران شروطا واضحة؛ إذ طالبت مشغلي السفن بالتواصل مع شركة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وتقديم بيانات تفصيلية عن المالك، وراية السفينة، ونوع الحمولة، وأفراد الطاقم، ووجهة الوصول".
كما أوضحت أنه في حال عدم ارتباط السفن بدول تعدها إيران معادية، فسيُطلب منها دفع رسوم عبور، وقد حُددت هذه الرسوم بالنسبة لناقلات النفط بنحو دولار واحد لكل برميل.
وبالتوازي مع استمرار تجنب السفن المرور حتى لحظة وقف إطلاق النار، كانت التأثيرات السلبية على الأسواق العالمية قد بدأت في الظهور بشكل واضح.
وأردفت: "ففي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ؛ إذ تجاوز متوسط سعر غالون البنزين 4 دولارات (3.7 لتر)، بينما تخطى في بعض الولايات، وعلى رأسها كاليفورنيا، حاجز 5 دولارات".
في هذا السياق، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد دعا حلفاءه إلى استخدام القوة لإعادة فتح المضيق، قائلا: إن الدول التي تعتمد على نفط هرمز يجب أن تتحمل مسؤولية تأمين هذا الممر الحيوي. مضيفا: "اذهبوا إلى المضيق وخذوه فقط. احموه واستخدموه لأنفسكم".
لكن هذا الطرح لم يحظ بإجماع الحلفاء الغربيين، فقد وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه غير واقعي. مشيرا إلى أن مثل هذه الخطوة "ستستغرق وقتا طويلا جدا، وستعرض كل السفن العابرة للمضيق لخطر استهداف الحرس الثوري الإيراني وكذلك الصواريخ الباليستية".
أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فقد تبنى موقفا أكثر حذرا؛ حيث دعا إلى عقد اجتماع يضم وزراء خارجية 35 دولة لمناقشة سبل معالجة الأزمة، والبحث في إجراءات محتملة لضمان أمن الملاحة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
في خضم هذا المأزق، أشارت الصحيفة إلى أن "دول الشرق الأوسط بدأت نفسها بإعادة تقييم إستراتيجيتها؛ حيث لم يعد التركيز منصبا فقط على إعادة السيطرة على مضيق هرمز بأي ثمن، بل على تقليل الاعتماد عليه بشكل جذري".
ووفق الصحيفة، "فإن السعودية والإمارات وإسرائيل يناقشون بالفعل تطوير مسارات جديدة لتصدير النفط والغاز بعيدا عن المضيق".
وعقبت: "ورغم أن هذه المشاريع قد تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وسنوات طويلة من التنفيذ، إلا أنها تُطرح اليوم كخيار إستراتيجي وحيد لتجنب تكرار أزمة مماثلة في المستقبل".

بدائل خيالية
في الأثناء، تؤكد إيرينا زاسيداتيل، نائبة رئيس جمعية المصدرين والمستوردين، أن إنشاء بديل لمضيق هرمز "ليس أمرا خياليا أو بعيد المنال كما قد يبدو".
وتوضح قائلة: “إن بناء أو توسيع مسارات الأنابيب من الناحية التقنية أمر ممكن، وقد نُفذت مشاريع مماثلة في مناطق مختلفة من العالم سابقا، لكن السؤال الجوهري هنا ليس (هل يمكن ذلك؟)، بل (متى وبأي تكلفة سيتم ذلك؟)”
ووفق تقديرها، "يبدو أن الخيار الأكثر واقعية في الوقت الراهن يتمثل في زيادة قدرة خط أنابيب النفط السعودي المعروف باسم (الشرق – الغرب) أو (بترولاين)".
يبدأ هذا الخط من منطقة حقل بقيق على ساحل الخليج العربي بالمنطقة الشرقية في المملكة، ويمتد عبر كامل الأراضي السعودية وصولا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يتيح تصدير النفط إلى أوروبا ومناطق أخرى دون المرور عبر مضيق هرمز.
وفي هذا الصدد، يوضح ميخائيل نيكيتين، رئيس قسم الأعمال الدولية والتمويل، لصحيفة "إزفستيا" أن "هذه المسألة تمثل تحديا هندسيا مفهوما، وإن كان مكلفا".
وتابع: "إذ تشير تقديرات الرئيس التنفيذي لشركة (كات جروب)، كريستوفر بوش، إلى أن مجرد مضاعفة المسار قد يتطلب ما لا يقل عن 5 مليارات دولار، نظرا لمرور الخط عبر جبال الحجاز البازلتية الصعبة التضاريس".
يبلغ حاليا معدل ضخ خط "بترولاين" نحو 7 ملايين برميل يوميا، وبحسب الصحيفة "يمكن من الناحية التقنية زيادته بنحو 1 إلى 2 مليون برميل إضافية عبر إضافة خطوط وأنظمة ضخ جديدة".
واستطردت: "تعد هذه الاستثمارات الضخمة مقبولة للمملكة العربية السعودية، خاصة وأن البنية التحتية والممرات الأساسية موجودة بالفعل".
إلى جانب ذلك، ذكرت الصحيفة أن هناك "خيارات أكثر طموحا، من بينها إنشاء ممر للطاقة والنقل يمتد من الهند عبر الإمارات والسعودية والأردن وصولا إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، ومنه ينقل النفط والغاز إلى أوروبا عبر البحر المتوسط".
وقد عُرض هذا المشروع لأول مرة في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، لكنه لم يتجاوز مرحلة الطرح النظري.
واستدركت: "غير أن التحدي الأكبر أمام هذا المشروع يتمثل في الحاجة إلى توافق سياسي بين عدد من الدول ذات المصالح المتضاربة، كما توضح أولغا فيرينيتيكوفا، نائبة رئيس شركة التحليل (بورسيل)".
وتشير فيريتينيكوفا إلى أنه "حتى في حال توفر ظروف سياسية ملائمة، فإن تنفيذ المشروع قد يستغرق ما لا يقل عن 7 إلى 10 سنوات، بتكلفة قد تصل إلى عشرات أو حتى مئات المليارات من الدولارات".
وتضيف أن "المسار عبر حيفا، رغم أنه يوفر نظريا منفذا مباشرا إلى البحر المتوسط، إلا أنه يصطدم بالواقع الحالي للحرب، والمخاطر المرتفعة على البنية التحتية، إضافة إلى العلاقات المعقدة والمتوترة بين الدول العربية وإسرائيل في ظل الصراع مع إيران".
وعليه، خلصت إلى أنه "على المدى القصير والمتوسط يظل هذا المشروع أقرب إلى فكرة جيوسياسية منه إلى خطة قابلة للتنفيذ الفعلي".
أما البديل عن تلك الفكرة خلال الأفق القريب في السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، فتشير الخبيرة إلى أن "السيناريو الأكثر واقعية سيظل قائما على توسيع وتطوير المسارات القائمة عبر السعودية والإمارات، وبشكل جزئي عبر العراق، بدلا من المضي في مشاريع كبرى جديدة باتجاه البحر المتوسط".

ثقل إستراتيجي إضافي
في التداعيات الأستراتيجية، يرى خبراء تحدثوا لصحيفة "إزفستيا" أن "ظهور مسارات لوجستية بديلة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ".
ووفق تقديرهم، فإنه "في مقدمة هذه التحولات، قد تفقد إيران جزئيا أهم أدوات نفوذها، المتمثلة في قدرتها على التأثير على جيرانها وعلى السوق العالمية عبر التحكم بممر هرمز".
في المقابل، توقعت الصحيفة أن "تتعزز مكانة الدول التي تتحكم بالمسارات البرية والبدائل اللوجستية".
إذ يمكن، وفق تقدير أولغا فيرينيتيكوفا، أن "تتحول السعودية إلى لاعب رئيس في نقل النفط بين الخليج العربي والبحر الأحمر، بينما قد تعزز الإمارات من أهمية ميناء الفجيرة بوصفه أحد أكبر المراكز اللوجستية خارج نطاق مضيق هرمز".
وتابعت الصحيفة: "كما تذهب التقديرات إلى أنه في حال تنفيذ مسارات تمر عبر العراق والأردن وإسرائيل في المستقبل، فإن دول شرق المتوسط ستحصل بدورها على ثقل إستراتيجي إضافي".
"في المقابل، فإن الدول التي لا تمتلك منافذ بديلة، وعلى رأسها قطر والكويت، ستصبح أكثر ارتباطا وتقيدا بتطورات الوضع في المضيق"، وفقا لها.
ومع ذلك، تؤكد الصحيفة الروسية أن "مضيق هرمز سيبقى، حتى في حال ظهور بدائل، عنصرا محوريا لا يمكن تجاوزه في منظومة الطاقة العالمية؛ إذ إن استبداله بالكامل من حيث الحجم والتكلفة يظل غير ممكن في المستقبل المنظور".
وشددت على أن "الأمر لا يتعلق بإلغاء دور المضيق من سلاسل الإمداد، بل بإعادة توزيع تدريجية لمراكز النفوذ، بحيث تكتسب السعودية والإمارات وزنا إستراتيجيا إضافيا، في حين تخسر إيران جزءا من أدوات ضغطها دون أن تفقدها بالكامل".
وفي السياق ذاته، يشكك ميخائيل نيكيتين في إمكانية انتقال هذه المشاريع من مرحلة النقاش إلى التنفيذ الفعلي، مشيرا إلى أن "مثل هذه المسارات تُطرح بشكل متكرر، لكنها تصطدم دائما بالعقبة ذاتها: ضرورة التوصل إلى توافق بين عدد كبير من الدول ذات المصالح المتعارضة".
ويضيف أن "مسارات النقل عبر الأردن وسوريا وإسرائيل تُتداول منذ عقود طويلة، سواء في المؤتمرات أو المذكرات الوزارية أو حتى الإستراتيجيات الكبرى، لكنها ظلت متعثرة حتى في فترات الاستقرار السياسي وانخفاض التوترات".
"أما اليوم، وفي ظل حالة التوتر الشديد التي يعيشها الإقليم، وخروج شركات التأمين من السوق، وضغط الأوضاع على الدول العابرة نفسها، فإن فرص التوصل إلى اتفاقات جديدة تبدو شبه معدومة". على حد تعبيره.


















