بعد 13 عامًا من الألم.. سقوط مجرم "مجزرة التضامن" يعيد أمل القصاص للضحايا

القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة حي التضامن
بعد أكثر من عقدٍ على واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت الضمير الإنساني في سوريا، وبينما ظلّت صور الضحايا وهم يُساقون إلى موتٍ جماعي محفورة في ذاكرة الناجين وذويهم، جاء اعتقال المتهم الرئيس في مجزرة حي التضامن بدمشق ليكسر صمتًا طال، ويعيد الأمل بإمكانية إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة.
ففي لحظةٍ امتزجت فيها مرارة الفقد ببصيص العدالة، أُعلن عن القبض على المجرم أمجد يوسف، في خطوة عدها كثيرون بداية متأخرة لكنها حاسمة على طريق كشف الحقيقة وإنهاء الإفلات من العقاب.
عقب سنوات من التخفي، آن الأوان لمرتكب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، خلال فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، أن يواجه مصيره أمام العدالة وتحين لحظة القصاص، مع إعلان القبض على "المتهم الأول" بارتكابها في عملية أمنية وُصفت بـ"المحكمة" في ريف حماة.
وأعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في 24 أبريل/نيسان 2026، القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيس بارتكاب مجزرة حي التضامن.
وقال في منشور عبر منصة "إكس": "المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية مُحكمة".
بدوره، أكد مصدر أمني لوكالة "سانا" أن عملية التوقيف جرت في سهل الغاب بريف حماة، مشيراً إلى أنها نُفذت من قبل قوى الأمن الداخلي، وأسفرت عن اعتقال يوسف دون الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن ظروف المداهمة.
كما تداولت منصات إعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً يوثق لحظة توقيفه؛ حيث ظهر داخل سيارة أمنية محاطاً بعدد من العناصر، في مشهد أثار تفاعلاً واسعاً.
وفي 16 أبريل/نيسان 2013، قتلت قوات النظام السابق، في مجزرة حي التضامن بدمشق، 41 مدنياً، فيما تشير تقديرات حقوقية إلى سقوط مئات الضحايا في عمليات مماثلة بالمنطقة ذاتها.
وأُلقي بالضحايا في حفرة كبيرة، وعُثر لاحقاً على عظام بشرية في الموقع، فيما نُفذت المجزرة على يد عناصر من الفرع 227 التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية في النظام السابق.
واقتيد عشرات المدنيين، معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي إلى شارع مهجور حيث أُعدّت مقبرة جماعية مسبقاً، وأُجبروا على الركض نحو الحفرة قبل أن يُطلق عليهم الرصاص من مسافة قريبة بأسلحة آلية، ليسقطوا فوق بعضهم.
وبعد تنفيذ الإعدامات، أُضرمت النيران في الجثث.
وكُشفت تفاصيل المجزرة على نطاق واسع في 27 أبريل/نيسان 2022، عندما نشرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية مقطعاً مصوراً قالت: إن مجنداً في مليشيا موالية للنظام سرّبه.
وظهر في الفيديو أمجد يوسف، وهو مساعد أول في الفرع 227، بوضوح أثناء مشاركته في عمليات الإعدام وإصداره أوامر للضحايا بالركض قبل إطلاق النار.
وتُعد المجزرة من أبرز رموز القمع الذي مارسه النظام السابق ضد المدنيين، وأعادت إلى الواجهة، عقب اعتقال يوسف، مطالبات واسعة بالمحاسبة وتحقيق العدالة.
وبحسب معطيات متداولة، لا تقتصر الاتهامات الموجهة ليوسف على مجزرة التضامن؛ إذ يُشتبه في تورطه في نحو 12 عملية قتل جماعي أخرى خلال فترة النزاع، ما يجعله من أبرز الأسماء المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سوريا.
وبعد ساعات من إلقاء القبض عليه، ظهر وزير الداخلية السوري وهو يستجوبه، موجهاً له أسئلة حول دوافع ارتكاب المجزرة.
وقال خطاب مخاطباً يوسف: "ما قمت به ليس فعلاً انتقامياً، بل فعل شخص يفتقد إلى الإنسانية"، متسائلاً: “أليس لديك قلب لتقتل كل هؤلاء بهذه الطريقة؟”
كما سأله: "أليس لديك أطفال؟"، ليرد يوسف بصوت متردد: "لدي بنت وصبي".
وتابع خطاب: "أليس لديك قلب لتقتل أناسا بهذه الطريقة؟"، في إشارة إلى مشاهد الإعدام الواردة في التسجيل المصور.
وتظاهر سوريون في حي التضامن تعبيراً عن فرحتهم بإلقاء القبض على المتهم، كما نُظمت وقفات في مناطق أخرى، تزامناً مع نشر وسائل الإعلام الرسمية تفاصيل عملية الاعتقال.
من جانبه، رأى مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن اعتقال يوسف يمثل خطوة مهمة في مسار العدالة الانتقالية، مطالباً بتسليم المتورطين الهاربين كافة.
وقال في مؤتمر صحفي أمام مجلس الأمن في نيويورك: “لن نرتاح حتى نصل إلى جميع المتورطين في الجرائم بحق الشعب السوري”. مؤكداً أن "العدالة الانتقالية بدأت تأخذ مجراها".
ودعا علبي المجتمع الدولي إلى دعم سوريا في هذا المسار، وتسليم المتهمين بارتكاب المجازر.
ويُذكر أن بشار الأسد فرّ إلى روسيا عقب سقوط نظامه في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فيما أصدر قاضي التحقيق في دمشق توفيق العلي، في سبتمبر/أيلول الماضي، مذكرة توقيف غيابية بحقه بتهم القتل والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية.
فرحة القصاص
احتفى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع بإعلان اعتقال أمجد يوسف، عادين ذلك خطوة مهمة على طريق تحقيق العدالة، ومستبشرين بتوالي سقوط المتورطين وكشف جرائمهم. وتداولوا مقاطع فيديو وصورًا مسربة تُظهره أثناء عملية الاعتقال مكبلًا، وقد بدت عليه آثار الإصابة، في مشاهد لاقت تفاعلًا كبيرًا.
وعبر تدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، وباستخدام وسوم بارزة مثل #أمجد_يوسف و#مجزرة_التضامن و#حماة، شارك النشطاء تفاصيل رسمية وشهادات شخصية للناجين وذوي الضحايا، مرفقة بتعليقات عكست مزيجًا من مشاعر الفرح والارتياح، إلى جانب استحضار الألم الكامن منذ سنوات.
جروح لم تندمل
بالتوازي مع مظاهر الفرح، استعاد ناشطون مشاهد من حي التضامن في دمشق؛ حيث أظهرت مقاطع فيديو وصور أهالي الضحايا وهم يرقصون ويبكون في الشوارع، في لحظة تختلط فيها مشاعر الانتصار بالحزن العميق.
كما تداول آخرون صورًا لأمهات وأرامل توجهن إلى موقع المجزرة، يصحبن أبناءهن ليروا قبور ذويهم الذين دُفنوا هناك قبل 13 عامًا، في مشهد يعكس ثقل الذاكرة الجماعية التي لم تندمل.
كفاءة أمنية
وأشاد ناشطون بأداء وزارة الداخلية السورية والأجهزة الأمنية، مقدرين أن العملية التي نُفذت في سهل الغاب بريف حماة وأسفرت عن اعتقال المتهم، تعكس مستوى عاليًا من الكفاءة والدقة في الملاحقة الأمنية.
ووصفوا العملية بأنها "محكمة" و"دقيقة"، مؤكدين أنها تعكس قدرة الدولة على ملاحقة المتورطين في الجرائم الخطيرة ومنع إفلاتهم من العقاب، كما رأوا فيها مؤشرًا على سعي السلطات إلى ترسيخ مسار العدالة الانتقالية واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
أقصى عقوبة
في المقابل، تصاعدت دعوات واسعة بين الناشطين والمواطنين لإجراء محاكمة علنية وعادلة بحق المتورطين في مجزرة التضامن، تكشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وتضمن محاسبة شاملة لكل من شارك في الجرائم.
وشددت هذه الدعوات على ضرورة إنزال أقصى العقوبات بحق الجناة، وعدم الاكتفاء بمحاكمة فردية، بل توسيع دائرة المساءلة لتشمل جميع المتورطين في الانتهاكات التي نالت المدنيين خلال سنوات النزاع.
تربية مجرمين
وسلط ناشطون الضوء على ردة فعل والدة أمجد يوسف خلال عملية الاعتقال؛ حيث ظهرت في مقاطع مصورة وهي في حالة صدمة، واضعةً يدها على رأسها.
وقد أثارت هذه المشاهد تفاعلات متباينة؛ إذ انتقد البعض ما وصفوه بـ"التستر" أو "سوء التربية"، مقارنة بآلام أمهات الضحايا.
في المقابل، رأى آخرون أن رد فعلها يعكس صدمة إنسانية طبيعية، فيما دعا البعض إلى عدم تحميل الأسرة مسؤولية الجرائم الفردية، رغم تصاعد الأصوات المطالبة بمحاسبة كل من ثبت تورطه أو تستره على الجرائم.

















