بعد سنوات من اعتزال المشهد السياسي.. لماذا يدعم مقتدى الصدر حكومة الزيدي؟

الصدر يتواصل مع الزيدي بشكل مستمر وينصحه بإبعاد الفصائل عن الحكومة
منذ أن منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في مايو/أيار 2026، برزت مؤشرات لافتة على عودة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المشهد السياسي من بوابة مختلفة، بعد سنوات من إعلان مقاطعته للعملية السياسية وابتعاده عن مؤسسات الحكم.
فخلال الأسابيع التي أعقبت تشكيل الحكومة، لم تنقطع قنوات التواصل المباشر وغير المباشر بين الصدر والزيدي، سواء عبر رسائل علنية أو لقاءات ووساطات سياسية، في تطور أثار اهتمام الأوساط العراقية التي اعتادت موقفا أكثر تشددا من جانب زعيم التيار الصدري تجاه الحكومات المتعاقبة.
ويأتي هذا الحراك في وقت يواجه فيه العراق تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ما دفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت تحركات الصدر تعكس مراجعة لموقفه السابق من العملية السياسية، أم أنها محاولة للتأثير في مسار الحكومة الجديدة من خارج السلطة دون العودة الرسمية إلى مؤسساتها.
وفي ظل استمرار الغموض بشأن طبيعة العلاقة بين الطرفين، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الصدر بصدد تدشين مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم موقعه في المعادلة العراقية، أم أن اتصالاته المتواصلة مع حكومة الزيدي تندرج ضمن حسابات مرحلية مرتبطة بتوازنات القوى ومستقبل المشهد السياسي في البلاد.

"خلطة العطار"
منذ تكليف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، حرص زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة معه، موجهاً سلسلة من الرسائل والنصائح التي عكست اهتمامه بمسار الحكومة الجديدة رغم إعلانه سابقاً الابتعاد عن العملية السياسية.
وفي 8 مايو/أيار 2026، دعا الصدر الزيدي إلى تجنب ما وصفه بـ"خلطة العطار" في تشكيل الحكومة، في إشارة إلى نظام المحاصصة السياسية، مطالباً بإبعاد جميع القوى المرتبطة بأجنحة مسلحة عن التشكيلة الوزارية.
كما شدد على ضرورة معالجة ملف الفصائل المسلحة عبر تحويلها إلى تشكيلات خاضعة للدولة، سواء ضمن إطار ديني تابع لهيئة الحج والعمرة أو ضمن مؤسسات إنسانية وإغاثية، مؤكداً أن أي جهة ترفض ذلك ينبغي أن تُعد خارج إطار القانون.
وفي المقابل، أعلن الصدر استعداده لاتخاذ خطوات مماثلة، مبدياً استعداده لحل تشكيل "لواء اليوم الموعود" وتسليم "سرايا السلام" إلى القائد العام للقوات المسلحة، إلى جانب دعوته الحكومة الجديدة إلى إطلاق حملة حاسمة لمكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة وتعزيز علاقات العراق العربية والإقليمية والدولية بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وبعد حصول حكومة الزيدي على ثقة البرلمان، بادر الصدر إلى الاتصال برئيس الوزراء مهنئاً إياه بتشكيل الحكومة، وحثه على الحفاظ على سيادة العراق وتحسين الواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين، مؤكداً أهمية محاربة الفساد وصيانة مقدرات الدولة وتلبية احتياجات العراقيين.
وتُرجم هذا الدعم السياسي إلى خطوات عملية لاحقة، إذ أعلن الصدر في 27 مايو/أيار انفكاك تشكيل "سرايا السلام" بشكل كامل عن التيار الصدري والتحاقه بالدولة العراقية، مقدرا أن القرار يأتي مراعاة للمصلحة العامة وتجنباً للمخاطر التي تواجه البلاد.
وبعد ثلاثة أيام فقط، كشفت صحيفة "الزمان" العراقية عن لقاء غير معلن جمع الزيدي والصدر في مدينة النجف، تناول ملف دمج التشكيلات المسلحة، وفي مقدمتها "سرايا السلام"، ضمن القوات المسلحة العراقية، في إطار الجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية لبلاد.
استثمار للفرصة
وبشأن أسباب تواصل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ودعمه المتكرر لخطوات حكومته، يرى الباحث في الشأن العراقي لطيف المهداوي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن ما يجري لا يخرج عن احتمالين رئيسين.
ويتمثل الاحتمال الأول، بحسب المهداوي، في أن تحركات الصدر تشكل جزءاً من مشروع سياسي جديد يهدف إلى إعادة تشكيل العملية السياسية العراقية وإحداث تغيير في بنيتها وتوازناتها. أما الاحتمال الثاني فيتعلق بمحاولة التيار الصدري استثمار الفرصة التي يمثلها وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة، بما يعزز موقع التيار وتأثيره في المشهد العراقي رغم بقائه خارج السلطة.
ورجح المهداوي كفة الاحتمال الأول، معتبراً أن الخطوات المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كان الصدر يمضي فعلاً نحو مشروع سياسي جديد قد ينتهي بعودة قوية للتيار الصدري عبر استحقاق انتخابي يعيد له موقع الصدارة في المشهد العراقي.
وأشار إلى أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن مرحلة "التحالف الثلاثي" الذي رعاه الصدر عقب انتخابات عام 2021، وفشل لاحقاً في تشكيل الحكومة. فالعراق اليوم، وفق تقديره، يعيش تحت تأثير ضغوط أميركية متزايدة وتراجع نسبي للدور الإيراني، إلى جانب احتدام التنافس داخل البيت الشيعي، وهي عوامل تمنح الصدر فرصة لإعادة تقديم نفسه بصفته اللاعب الأكثر استقلالية.
وأضاف أن الصدر يسعى باستمرار إلى ترسيخ صورته بوصفه الشخصية الشيعية الوطنية التي تقدم مصلحة العراق على مصالح القوى الخارجية، سواء كانت إيران أو الولايات المتحدة، ولذلك يرى أن المرحلة الحالية مناسبة لإعادة طرح مشروعه السياسي من بوابة دعم جهود حصر السلاح ومحاربة الفساد.
ورغم ذلك، يرى المهداوي أن كثيراً من تحركات الصدر السابقة كانت تستهدف تحسين صورته السياسية أكثر من إحداث إصلاحات ملموسة على أرض الواقع، معتبراً أنه غالباً ما يتخذ مواقف ذات طابع انفعالي انتهت في كثير من الأحيان إلى خدمة خصومه داخل قوى "الإطار التنسيقي".
من جانبه، رأى الكاتب العراقي مجاهد أبو الهيل أن الصدر يحاول العودة إلى المشهد السياسي من بوابة مختلفة، بعد سنوات من الانسحاب الطوعي من السلطة. وأشار، في مقال نشرته صحيفة "العالم الجديد" في 31 مايو/أيار، إلى أن الصدر انسحب من المشهد في ذروة قوته السياسية، بعدما حصد تياره أكثر من 70 مقعداً في انتخابات 2021، ثم اختار الابتعاد الكامل عن السلطة ورفض حتى لعب دور المعارضة التقليدية.
ورأى أبو الهيل أن الصدر يسعى اليوم إلى استعادة حضوره عبر ما وصفه بـ"التأثير من موقع الغياب"، مستشهداً بقراره فصل "سرايا السلام" عن التيار الصدري، وهي خطوة اعتبرها ذات دلالات سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي، لأنها تعكس محاولة لتقديم نفسه كداعم لمشروع الدولة ومؤسساتها.
وأضاف أن الرجل الذي صنع جزءاً كبيراً من حضوره السياسي في ساحات المواجهة اختار هذه المرة أن يجعل من الغياب وسيلة أخرى للتأثير، في محاولة لإرباك القوى الممسكة بالسلطة وإعادة التذكير بمشروع الدولة الذي لا يزال يشكل أحد أبرز عناوين خطابه السياسي.
وكان الصدر أعلن في أغسطس/آب 2022 اعتزال العمل السياسي وسحب نواب تياره من البرلمان، قبل أن يقاطع الحكومات المتعاقبة والانتخابات المحلية والبرلمانية اللاحقة، ما أدى إلى خروجه من المعادلة السياسية الرسمية، رغم احتفاظه بحضور شعبي وسياسي واسع داخل العراق.

إعادة إنتاج
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب العراقي سمير داود حنوش أن جميع المؤشرات الحالية توحي بأن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يستعد للعودة إلى المشهد السياسي العراقي، وأن هذه العودة قد تشكل أحد أبرز عوامل التغيير في بنية النظام السياسي خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح حنوش، في مقال نشره موقع "كتابات" في 2 يونيو/حزيران، أن التحركات الأخيرة للصدر تحمل رسائل سياسية واضحة توحي بأن "ساعة الصفر" لعودته بدأت بالفعل، خاصة مع ما وصفه بتراجع تماسك قوى "الإطار التنسيقي" وتصاعد الخلافات والانقسامات بين مكوناته.
وأشار إلى أن المشهد العراقي بات مهيأً لحدوث "هزة سياسية" في ظل تصاعد الصراعات داخل التحالف الحاكم، ما يجعل احتمال عدم إكمال حكومة علي فالح الزيدي لدورتها الانتخابية أمراً وارداً، إذا استمرت حالة التنافس والتشظي بين القوى السياسية النافذة.
ويرى حنوش أن قرارات الصدر الأخيرة، وفي مقدمتها فصل "سرايا السلام" عن التيار الصدري وتسليم سلاحها للدولة، أربكت خصومه داخل الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة، وزادت من حالة الغموض بشأن خطوته المقبلة، في وقت يترقب فيه الشارع العراقي شكل الدور الذي قد يلعبه مستقبلاً.
وأضاف أن حكومة الزيدي التي جاءت من خارج الأطر التقليدية لقوى الإطار التنسيقي، قد تمثل فرصة مناسبة للصدر لتقديم الدعم السياسي لها، خاصة في ظل التقاطع بين مواقفه المعلنة وبرنامج الحكومة فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد، وهما شعاران طالما رفعهما الصدر خلال السنوات الماضية.
ولم يستبعد الكاتب أن يكون للصدر دور مؤثر في رسم ملامح المرحلة المقبلة، متسائلاً عما إذا كان الزيدي قادراً على إدارة التوازنات المعقدة في الساحة العراقية، في ظل غياب حاضنة سياسية قوية توفر له الغطاء والدعم اللازمين لتنفيذ برنامجه.
كما أشار إلى أن الدعم الأميركي للحكومة العراقية لن يكون مفتوحاً أو غير مشروط، خصوصاً فيما يتعلق بملفي احتكار الدولة للسلاح وتقليص النفوذ الاقتصادي الإيراني داخل العراق، وهما من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية.
وفي المقابل، لفت إلى وجود شكوك واسعة بشأن إمكانية المضي سريعاً في تنفيذ هذه التعهدات، في ظل تقارير تتحدث عن ضغوط إيرانية غير مباشرة على بعض الفصائل المسلحة لعدم التخلي عن قدراتها العسكرية في الوقت الراهن، بانتظار اتضاح مآلات المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
وخلص حنوش إلى أن نجاح حكومة الزيدي في تنفيذ أجندة الإصلاح الاقتصادي وحصر السلاح بيد الدولة يتطلب دعماً سياسياً وشعبياً واسعاً، معتبراً أن تأييد الصدر للحكومة قد يوفر جزءاً مهماً من هذا الغطاء في المرحلة المقبلة.
وختم بالقول إن التحديات التي تواجه الحكومة الحالية قد تكون الأصعب منذ تشكيلها، في ظل تشابك الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل مستقبلها مرهوناً بقدرتها على إدارة هذه التوازنات المعقدة وتجاوز الاستحقاقات السياسية والأمنية المقبلة.
المصادر
- الصدر يلتقي الزيدي ويبحثان دمج سرايا السلام
- الصدر.. سلطة الغياب
- الصدر يهاتف الزيدي ويحثه على حفظ سيادة العراق وتحسين الواقع الخدمي
- مقتدى الصدر يدعو لدمج الفصائل المسلحة تحت اسم "جند الشعائر الدينية"
- مقاطعة الصدر للانتخابات المقبلة.. بين «التشكيك» والمخاوف من «غياب التوازنات»
- البرلمان العراقي يمنح الثقة لحكومة الزيدي ويصوت على 14 وزيراً


















