80 بالمئة من الشعب الجزائري قاطع الانتخابات التشريعية.. ما الرسائل؟

“العزوف الانتخابي يؤكد أن الهوة تتسع بشكل أكبر بين الشعب والنظام”
أسدلت الجزائر الستار عن انتخابات برلمانية خلقت جدلا واسعا بالبلاد بسبب تدني نسبة المشاركة الشعبية فيها، مع ما حمله ذلك من رسائل سياسية للنظام الحاكم.
الانتخابات التشريعية التي جرت في 3 يوليو/تموز 2026 لم تتجاوز نسبة المشاركة 20.79 بالمئة من إجمالي الناخبين؛ حيث بلغ عدد المصوتين 5 ملايين و71 ألفا و20 من أصل 23 مليونا و872 ألفا و756 مسجلا، وفق ما أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

أرقام صادمة
وتعني هذه الأرقام أن أكثر من 19.6 مليون ناخب لم يشاركوا في الاقتراع داخل الوطن وخارجه، كما تعكس تراجعا مقارنة بالانتخابات التشريعية لسنة 2021 التي بلغت فيها نسبة المشاركة الرسمية 23 بالمئة داخل الوطن.
وحصل حزب جبهة التحرير الوطني -المقرب من السلطة- على 90 مقعدا من أصل 407 مقاعد، منها 85 مقعدا داخل الجزائر و5 مقاعد ممثلة للجالية الجزائرية في الخارج، دون أن يحصل على الأغلبية، مسجلا تراجعا بـ8 مقاعد مقارنة بالانتخابات الماضية.
وجاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي -المقرب من السلطة- في المركز الثاني بحصوله على 73 مقعدا بزيادة 16 مقعدا مقارنة بالانتخابات السابقة، مسجلا أكبر نجاح مقارنة ببقية الأحزاب.
كما رفع حزب جبهة المستقبل -المقرب من السلطة- عدد مقاعده من 48 إلى 59، في المقابل تراجعت حصة الأحرار (المستقلين) من 85 مقعدا إلى 32 مقعدا.
ومن الأحزاب الإسلامية، خسرت حركة مجتمع السلم "حمس" 22 مقعدا، واكتفت بحصد 43 مقعدا، كما فقدت حركة البناء الوطني مقعدا واحدا وحصلت على 38 مقعدا.
وسجل حزب صوت الشعب قفزة لافتة بارتفاع عدد مقاعده إلى 17 مقابل 3 فقط في الانتخابات السابقة.
وكان نصيب جبهة القوى الاشتراكية -أقدم حزب معارض في الجزائر- 12 مقعدا، وهو الذي قاطع الانتخابات السابقة.
في حين كان نصيب حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية -الذي قاطع أيضا الانتخابات السابقة- 4 مقاعد.
وحاز كل من حزب الحرية والعدالة وحزب الفجر الجديد 6 مقاعد، مقابل 5 مقاعد لحزب الكرامة، و4 لجبهة العدالة والتنمية، و3 مقاعد لكل من حزب العمال اليساري وحزب جيل جديد وحزب تجمع أمل الجزائر.
وحصل كل من حركة النهضة وحزب الوحدة الوطنية والتنمية على مقعدين، مقابل مقعد واحد لكل من جبهة الحكم الراشد وأحزاب التحالف الجمهوري والتجديد الجزائري وجبهة المواطنين الأحرار وجبهة الجزائر الجديدة.
وتأتي هذه الانتخابات بوصفها العاشرة منذ استقلال الجزائر عام 1962، والثانية منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أفضى إلى الإطاحة بحكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وجاءت بعبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية.
غضب حزبي
وسجّلت أحزاب في الجزائر تحفظاتها على نتائج الانتخابات التشريعية؛ حيث أكد بعضها اعتزامه التوجه للطعن في النتائج على مستوى بعض الدوائر الانتخابية.
وفي هذا الصدد، احتجت "حركة مجتمع السلم" بشدة على النتائج المعلنة، مقدرة أن هناك إرادة لتحجيم حضورها داخل المجلس الشعبي الوطني.
وخلال ندوة صحفية لتقييم العملية الانتخابية، في 7 يوليو، قال رئيس الحركة عبد العالي حساني شريف: إن الحركة كانت متقدمة في عدد من الولايات أثناء عمليات الفرز قبل أن تتغير المعطيات بعد توقف الشبكة المعلوماتية الخاصة بالعملية الانتخابية خلال ساعات الليل.
ولفت إلى أن النتائج الأولية التي كانت تصل إلى الحزب أظهرت تقدمه في ولايات عدة، من بينها المدية وغليزان ووهران وتلمسان ومستغانم وقسنطينة وتبسة والوادي، بعد رفع العتبة (عدد الأصوات الذي يمكن القائمة من المنافسة) إثر توقف الشبكة، وهو ما انعكس على توزيع المقاعد في عدد من الدوائر الانتخابية.
وربط رئيس الحركة بين نتائج الانتخابات وما وصفه بأزمة الثقة السياسية، مقدرا أن الجزائر سجلت أسوأ نسبة عزوف انتخابي منذ الاستقلال، وأن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية ضعف المشاركة لا يعكس حقيقة الوضع.
ورأى أن العزوف أصبح "موقفا سياسيا شعبيا يتوسع مع كل استحقاق انتخابي"، محملا السلطة مسؤولية هذا الوضع.
كما رأى شريف أن المؤسسات المنتخبة بنسبة مشاركة تقارب 20 بالمئة فقط تبقى مؤسسات منقوصة التمثيل، ولا تعكس بصورة كاملة اتجاهات الرأي العام، مشددا على أن استمرار ضعف الإقبال على الانتخابات ينعكس مباشرة على قوة المؤسسات المنتخبة وشرعيتها السياسية.
من جانبها، قالت "حركة النهضة": إن توقيت تنظيم هذه الاستحقاقات والذي تزامن مع فصل الصيف وتنظيم كأس العالم وامتحانات البكالوريا هي عوامل أخرى ضاعفت من ظاهرة العزوف التي أصبحت مزمنة بشكل لافت، داعية إلى اتخاذ السياسات التي تعالجها.
فمن الناحية السياسية، تردف الحركة عبر بيان في 7 يوليو، أن هذا العزوف يعد مؤشرا خطيرا، خاصة وهو يقارب 80 بالمئة من الناخبين؛ إذ لا يحقق المستوى المنشود من التعبئة السياسية العامة والمشاركة الشعبية التي هي ركن أساسي في أي عملية انتخابية.
وشددت على أن من أخطر التداعيات السياسية للعزوف الانتخابي تراجع التصويت على أساس البرامج والرؤى، مقابل تنامي التقديرات العائلية والعشائرية والجهوية، وهو ما يضعف دور الأحزاب في التأطير والوساطة بين المجتمع والدولة.
ونبَّه البيان إلى أن "هذا المنحى إذا استمرَّ فسيشكل تحديا لمسار بناء الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات والبرامج والتنافس الديمقراطي، لا على الولاءات التقليدية التي كانت سائدة في مجتمعات ما قبل الدولة".
بدوره، أكد رئيس "حزب جيل جديد"، لخضر أمقران، أن نسبة المشاركة في أي انتخابات ليست مجرد رقم يُعلن عند غلق مكاتب التصويت، بل هي المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وشدد أمقران في مقال نشره موقع "أوراس" المحلي في 7 يوليو، على أن العزوف الذي يتكرر ويتسع عبر الزمن لا يكون حادثا عابرا، بل يصبح تعبيرا عن تحول عميق في علاقة المجتمع بالسياسة.
وذكر أن الحياة السياسية لم تتطور في الجزائر بالسرعة المطلوبة، فبرزت فجوة بين مجتمع يتغير باستمرار، ومؤسسات لم تستطع دائما أن تواكب هذه التحولات.
ونبَّه أمقران إلى أن العزوف الانتخابي ليس اتهاما للدولة، ولا انتصارا للمقاطعة، بل هو إنذار سياسي يدعو الجميع إلى مراجعة عميقة: السلطة والأحزاب والنخب والإعلام والمجتمع المدني. فلا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية.
ويرى أن "استعادة ثقة الجزائريين تتطلب مشروعا وطنيا للإصلاح، يقوم على توسيع فضاءات الحرية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتقوية صلاحيات البرلمان، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، وإشراك الشباب والكفاءات في صنع القرار".
فاقد للشرعية
في المقابل، أشاد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، بالشفافية والنزاهة التي طبعت الانتخابات التشريعية.
ورأى خلال ندوة صحفية خُصصت للإعلان عن النتائج المؤقتة للانتخابات في 6 يوليو، أن “نسبة المشاركة التي تم تسجيلها يتعين أن تكون عبرة للأحزاب والمجتمع المدني لبذل المزيد من الجهود لكسب ثقة الناخبين”.
وأعرب خلفان عن أمله في أن تشكل هذه النتائج عبرة للأحزاب وفعاليات المجتمع المدني من أجل بذل المزيد من الجهود من خلال الإعداد المسبق للعملية الانتخابية بغرض كسب ثقة الهيئة الناخبة وإقناعها بضرورة المشاركة.
وأوضح أن القانون لا يجبر الناخب على التصويت، بل يتم إقناع الناخب عن طريق الخطاب السياسي والعمل على مستوى القاعدة الذي يمهد لتحقيق النتائج التي ينتظرها الجميع.
وفي معرض حديثه عن تسيير السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات للعملية الانتخابية، أشار خلفان إلى أنها "وقفت على مسافة واحدة من جميع المشاركين".
ولفت إلى أنه تم خلال هذه التشريعيات الاعتماد على معايير الشفافية والنزاهة والحياد والإنصاف، تطبيقا لقوانين الجمهورية، مع الحرص على فتح الباب أمام المراقبين الممثلين للأحزاب على مستوى مراكز ومكاتب التصويت حتى لا يطعن أحد في مصداقية النتائج.
في تحليله لهذه الانتخابات ودلالات نسبة المشاركة الشعبية فيها، يرى المحلل والإعلامي الجزائري وليد كبير أن العزوف الانتخابي ليس جديدا، لكن هذه المرة يؤكد أن الهوة تتسع بشكل أكبر بين الشعب والنظام.
وقال كبير لـ"الاستقلال"، إن السلطة السياسية وعبر إعلامها اعترفت بالعزوف التاريخي بعد مشاركة لا تتجاوز 21 بالمئة، في حين تتحدث بعض الأصوات عن تسجيل نسب مشاركة تقل عن المعلن عنه رسميا.
ورأى أن ما يجري هو قطيعة من لدن الشعب، لأن النظام لا يحمل مشروعا إصلاحيا يقود البلاد نحو الديمقراطية المنشودة.
ونبَّه إلى أن الحملة الانتخابية كانت باهتة؛ لأن الشعب يدرك أن الانتخابات ستكون شكلية؛ إذ لا يريد منها النظام إلا تنصيب برلمان على مزاجه، ولا يعكس الإرادة العامة.
وذكر كبير أن هذا الأمر يعني أننا سنكون أمام برلمان فاقد للشرعية ولا يحظى بثقة الشعب ولم يصوت عليه الجزائريون، كما سنكون أمام انتخابات الجيش وليس الشعب، بدليل الصور التي بثها الإعلام الرسمي لهرولة جنود بلباس مدني إلى مكاتب التصويت للتغطية على العزوف الكبير من لدن الناخبين.
وتابع: “خلال أيام الحملة ردد الإعلام الرسمي أن النظام قام بكل جهوده لإجراء انتخابات تُحقق مطامح الشعب، وأن الكرة في يد المواطنين أو الناخبين"، مشددا على أن "ما يجري يؤكد خلاف هذا القول”.
وشدد كبير على أن “النظام السياسي في الجزائر لم يفهم بعد أن القمع وعدم الانفتاح السياسي والإعلامي سيؤدي إلى العزوف الانتخابي، وأن ما يجري هو نتيجة طبيعية لإضعاف الأحزاب وقمع الأصوات المعارضة”.
ونبَّه إلى أن الشعب الجزائري لا يثق في برنامج النظام السياسي ولذلك يقاطع الانتخابات بشكل كبير منذ 2019؛ لأنه يرفض أن يعيش في الترهيب والحكم الاستبدادي.
وخلص الناشط السياسي إلى أن مستقبل البلاد غامض في ظل النظام السياسي الحالي، مشددا على أن المطلوب هو المرور لبناء جمهورية ثانية، قائمة على الديمقراطية الحقة وليس الصورية أو الشكلية.

أزمة مصداقية
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد الطاهر عيساني، أن الأزمة في الجزائر "لم تعد انتخابية فقط، بل أزمة ثقة وتمثيل ومصداقية".
وذكر الطاهر عيساني لموقع "أخبار الوطن" في 5 يوليو، أن رقم 21 بالمئة كنسبة مشاركة له دلالته السياسية؛ إذ يقول إن نحو أربعة ناخبين من كل خمسة اختاروا عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في المجلس الشعبي الوطني.
وشدد على أنه "لا يمكن التعامل مع عزوف بهذا الحجم بوصفه تفصيلا ثانويا. بل هو مؤشر على فجوة آخذة في الاتساع بين المواطن والتمثيل السياسي، وعلى تراجع واضح في الإيمان بقدرة الانتخابات على إنتاج أثر ملموس في الحياة العامة".
وأوضح أنه “تزداد دلالة رقم 2026 وضوحا عند وضعه ضمن مسار زمني أطول، فقد بلغت المشاركة في تشريعيات 2012 نسبة 43,14 بالمئة، ثم تراجعت في 2017 إلى نحو 35,4 بالمئة، قبل أن تهبط في 2021 إلى 23 بالمئة، ومع نسبة 2026، تكون الجزائر قد عبرت عتبة رمزية جديدة في مسار الانكماش الانتخابي”.
وأكّد الطاهر عيساني أن هذا التراجع لا يبدو حادثا معزولا أو نتيجة ظرف سياسي واحد، بل إنه أقرب إلى اتجاه بنيوي متواصل، فقدت فيه المشاركة الانتخابية أكثر من عشرين نقطة خلال أربعة عشر عاما.
ويرى أن “المعنى السياسي لذلك أن المواطن لم يعد يعاقب حزبا بعينه أو برنامجا محددا، بل يبدو أنه يراجع علاقته بوظيفة الانتخابات نفسها داخل النظام السياسي القائم”.
بعبارة أخرى، يقول المحلل السياسي: إن "العزوف يتحول من موقف سلبي إلى رسالة صامتة: التصويت لا يغير شيئا. وهي رسالة خطرة لأنها لا تصدر عن اللامبالاة دائما، بل قد تصدر عن وعي سياسي محبط وفاقد للثقة".
وللخروج من الأزمة، يرى أن المطلوب هو تعزيز مصداقية العملية الانتخابية، وحماية التعددية، وإعادة التقدير لوظيفة البرلمان، وتوسيع فضاء الحريات العامة، وأخيرا تقوية الأحزاب وتجديد نخبها.
في قراءته لمخرجات وسياق إجراء التشريعيات الجزائرية، ذكر موقع "أفريكا أي" المختص في الشأن الإفريقي، أن ما يجري يعكس استمرار الفجوة بين جزء مهم من المجتمع والحياة السياسية، بسبب حجم العزوف الذي طبع العملية الانتخابية.
وذكر الموقع في تحليل للكاتب والباحث منصف الرفاعي في 3 يوليو، أن هذا العزوف لم يقتصر على الناخبين فحسب، بل سبق ذلك بتراجع واضح بلغ النصف في عدد المترشحين والقوائم الانتخابية مقارنة باستحقاق 2021، وهو ما يعكس انخفاضا في الحماس للمنافسة السياسية حتى داخل النخب الحزبية والمستقلة.
وعن أسباب هذا الوضع، قال الرفاعي: إن من بينها أن سنوات ما بعد حراك 2019 لم تنجح في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، رغم الإصلاحات القانونية والدستورية التي شهدتها البلاد.
ومن جهة أخرى، يضيف الكاتب أن شريحة واسعة من المواطنين ترى أن البرلمان لم يتمكن خلال السنوات الماضية من ترسيخ صورة مؤسسة قادرة على التأثير الفعلي في صناعة القرار أو ممارسة رقابة سياسية فاعلة على السلطة التنفيذية.
ورغم ذلك، يردف الرفاعي، يبقى البرلمان المقبل أمام فرصة لإثبات قدرته على استعادة جزء من هذه الثقة، عبر أداء تشريعي ورقابي أكثر فاعلية، والانفتاح على القضايا اليومية للمواطنين، وإعطاء مضمون عملي للإصلاحات التي أعلنتها السلطات خلال السنوات الأخيرة.
وتابع: “فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات دورية، بل في تحويلها إلى آلية تمنح المواطن شعورا بأن صوته قادر على إحداث فرق في السياسات العامة”.

















