في ظل غياب المرشد.. إلى أي مدى يؤثر الخلاف داخل إيران على مسار التفاوض؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

ترى بعض التحليلات أن هناك انقساما متصاعدا داخل النظام الإيراني بين جناح سياسي أكثر ميلا للتسوية وجناح عسكري ديني أكثر تشددا، مشيرة إلى أن هذا الانقسام يُفسر، جزئيا على الأقل، حالة الارتباك التي سادت الأيام الأخيرة.

وفي 17 أبريل/نيسان 2026، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة "إكس" أن مضيق هرمز سيظل "مفتوحا بالكامل" حتى انتهاء وقف إطلاق النار مع إسرائيل والولايات المتحدة في 22 أبريل، وذلك لتسهيل المفاوضات.

وقد لاقى هذا الخبر ترحيبا حارا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هرول لشكر إيران برسالة كتبها بأحرف كبيرة على منصته "تروث سوشيال"، في تحول جذري عن لهجته العدائية السابقة.

وبعد أقل من 48 ساعة، أعلن "الحرس الثوري" إغلاق المضيق مجددا، وأمر السفن التي كانت تأمل في عبوره بالعودة، بعدها هاجم الحرس الثوري سفينتين على الأقل ما أجبرهما على التراجع.

اتساع الخلافات

وأوضحت صحيفة "إل بوست" الإيطالية، في تقرير لها، أن هذا التغيير الجذري في الموقف الذي حدث في أقل من يوم واحد، يمكن تفسيره بطريقتين.

التفسير الأول، المتداول بين المؤرخين والخبراء السياسيين الإيرانيين، هو أن ذلك قد يشير إلى اتساع فجوة قائمة داخل النظام منذ فترة.

فهناك الجناح السياسي الذي يمثله عراقجي وآخرون، وهم الأكثر ميلا للتسوية والاستعداد للتفاوض. 

في المقابل، هناك الجناح العسكري والديني المتمثل في الحرس الثوري وبعض السياسيين الأكثر تشددا الرافضين لأي اتفاق مع الولايات المتحدة، وفق الصحيفة الإيطالية.

وبث الحرس الثوري رسالة عبر اللاسلكي إلى السفن بعدم خرق الحصار، قائلا: "سنفتح المضيق بأمر من قائدنا الإمام خامنئي، وليس بناء على تغريدة من أحمق".

وأشارت الصحيفة الإيطالية إلى أن "الأحمق" هنا يقصد به عراقجي، والإمام خامنئي هو المرشد الأعلى الحالي مجتبى خامنئي الذي يتبعون أوامره.

كما انتقدت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية التابعة للحرس الثوري عراقجي بشكل مباشر قائلة: "على وزير الخارجية إعادة النظر في هذا النوع من التواصل".

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التناقض ليس جديدا في السياسة الخارجية الإيرانية؛ إذ منذ ثورة 1979 انقسم القادة السياسيون والدينيون في تحديد العلاقة مع الغرب، لا سيما الولايات المتحدة التي يصفونها بـ"الشيطان الأكبر"، بين موقف أيديولوجي وموقف براغماتي تصالحي.

وأوضحت أن هذه المواقف تتصادم أيضا في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول أكثر الملفات تعقيدا، وهي البرنامج النووي الإيراني، ودعم إيران للمليشيات الإقليمية المكوّنة لمحور المقاومة، والسيطرة على مضيق هرمز.

ورقة ضغط

ولفتت الصحيفة إلى أنه خلال الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد، طالبت الولايات المتحدة إيران بتعليق برنامجها النووي لمدة 20 عاما. 

وتقول إيران إنها تستخدمه لأغراض مدنية، بينما تزعم الولايات المتحدة وإسرائيل بأن النظام يستخدمه لتصنيع أسلحة نووية.

وردت إيران باقتراح تعليق البرنامج لمدة خمس سنوات، وعند هذه النقطة تعثرت المفاوضات، وتطالب الولايات المتحدة إيران أيضا بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب المقدر بنحو 400 كيلوغرام طواعية، لكن طهران ترفض ذلك.

وأضافت الصحيفة أنه على صعيد الملف النووي، يبدو الجناح الأكثر تصالحا مستعدا لتقديم تنازلات لتجنب هجمات مستقبلية، لا سيما بعد أن قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل مواقع نووية إيرانية في يونيو/حزيران 2025.

في المقابل، يعد الجناح الأكثر تشددا البرنامج النووي رادعا أساسيا لا يمكن التفريط فيه.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأمر ذاته ينطبق على سائر الملفات، فالجناح الأكثر تصالحا مستعد للتخلي عن دعم محور المقاومة، بما فيه "حزب الله" اللبناني، مقابل رفع العقوبات الأميركية عن الاقتصاد الإيراني، بينما يرفض الجناح الأكثر تشددا ذلك رفضا قاطعا.

ويرى الأول أن السيطرة على مضيق هرمز ورقة ضغط تفاوضية، في حين يصر الثاني على الإبقاء عليها حتى بعد انتهاء الحرب ومواصلة فرض رسوم عبور، مما سيوفر للنظام موردا ماليا كبيرا، وإن كان ذلك غير مقبول لدى ترامب وقادة دول كثيرة.

ولفتت الصحيفة إلى أن الانقسام الداخلي يتفاقم بسبب عامل آخر يجعل هذه اللحظة فريدة في تاريخ إيران؛ فالبلاد تواجه حربا دون مرشد أعلى قوي وحاضر يضطلع يوحّد المؤسسات ويرسم التوجهات.

وأوضحت أنه بعد مرور أكثر من شهر على توليه المنصب، لم يظهر مجتبى خامنئي علنا قط.

وتتداول أنباء عن إصابته في التفجيرات التي أودت بحياة والده المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ولا يزال من غير الواضح مدى قدرته الفعلية على الحكم.

وتشير بعض المصادر إلى إصابته في ساقه، بينما تزعم أخرى أن وجهه مشوه، وقد ذكرت بعض الصحف احتمال أن يكون في غيبوبة، وعلى أي حال، فإنه يتواصل مع الخارج بشكل محدود وحذر للغاية خشية الاغتيال على يد إسرائيل.

إستراتيجية الفسيفساء

وقالت الصحيفة: إن النظام صمد حتى الآن بفضل هيكله المرن، المصمم أصلا للصمود في مواجهة الأزمات، ويُعرف هذا النهج بـ"إستراتيجية الفسيفساء".

وأوضحت أن هذه الإستراتيجية تقوم على لامركزية مسؤوليات القيادة والموارد العسكرية، لا سيما فيما يخص الحرس الثوري الذي واصل عمله بكامل طاقته خلال هذه الفترة رغم غياب القيادة الفعلية، متخذا قرارات مستقلة على أساس توجهات عامة حُددت في البداية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحرس الثوري، وهو جيش يُقدر قوامه بنحو 125 ألف مقاتل ويسيطر على الترسانة العسكرية الإيرانية، بات بعد قرابة شهرين من الحرب غير مستعد للتنازل عن نفوذه لصالح موقف أكثر تصالحا.

وذكرت أن “ذلك قد انعكس بوضوح في التراجع عن قرار إعادة فتح مضيق هرمز، وهو قرار يظل بيد الحرس الثوري بحكم سيطرته الفعلية عليه”.

وأوضحت الصحيفة أن “هناك تفسيرا ثانيا لما جرى بين يومين فقط، وهو أن الموقف الإيراني تكتيك تفاوضي في جوهره”.

فبعد وقت قصير من إعلان إعادة فتح المضيق، أوضح ترامب أن الحصار البحري الأميركي الذي يمنع السفن من الإبحار أو الرسو في الموانئ الإيرانية سيظل قائما حتى التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.

ونقلت الصحيفة رد رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف، العضو في فريق التفاوض الذي اتهم ترامب بالكذب في منشور استخدم لهجة حادة، حيث أكد على أن الحصار الإيراني سيبقى قائما ما دام الحصار الأميركي مستمرا.

وخلصت الصحيفة إلى أن الإغلاق الجديد يمكن فهمه بوصفه ردا على قرار واشنطن الإبقاء على الحصار، وأداة للضغط عليها ودفعها نحو رفعه.