إستراتيجية منخفضة.. هل تنجح الصين في منع "غزة جديدة" جنوب لبنان؟

"الصين تسعى بقوة إلى بناء سردية بديلة عن السردية الغربية"
في ظل اتساع رقعة المواجهة من قطاع غزة إلى الجبهة اللبنانية، قدّم معهد إيطالي تقريرا يستعرض أبعاد الموقف الدبلوماسي الصيني، والدوافع الإستراتيجية التي تدفع بكين للتشديد على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار.
وأوضح معهد “تحليل العلاقات الدولية” أن خطر تحول لبنان إلى ساحة جديدة لـ"الدمار الممنهج" يضع كفاءة الأطر الدولية، وفاعلية منظمة الأمم المتحدة، أمام اختبار وجودي.
هامش الاحتواء
وبحسب التقرير، لا تنظر بكين إلى الجبهة اللبنانية كملف منفصل عن غزة؛ إذ تنطلق القراءة الصينية من فرضية مفادها أن الحرب في القطاع أدت إلى انهيار هامش الاحتواء الإقليمي.
ووفقا للمعهد، تحولت منطقة الشام إلى “كتلة مترابطة”؛ حيث يمكن لأي أزمة جانبية -سواء في جنوب لبنان، أو سوريا، أو البحر الأحمر- أن تتحول إلى صاعق لتصعيد شامل ومباشر.
وأضاف أن تحذيرات الدبلوماسيين الصينيين من أن يصبح لبنان "غزة أخرى" تعكس مخاوف من انتقال نمط الحرب الطويلة والدمار والنزوح وتآكل السيطرة السيادية من غزة إلى بقية منطقة الشام.
هذا الموقف يندرج ضمن مسعى صيني أوسع لترسيخ صورتها كقوة صاعدة "مسؤولة" في النظام الدولي، تفضل توظيف نفوذها عبر آليات الوساطة، والاحتكام للقانون الدولي، وتعزيز الأطر متعددة الأطراف مثل "بريكس".
وأوضح المعهد أن بكين في الشرق الأوسط الأوسع تفضّل توظيف نفوذها عبر آليات الوساطة، والاحتكام إلى القانون الدولي، وتعزيز دور مجلس الأمن، ودعم حل الدولتين، إلى جانب تعزيز الأطر متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة ومجموعة "بريكس".
وأضاف أن الصين لا تمتلك، ولا تسعى إلى امتلاك، دور الضامن العسكري المباشر الذي اضطلعت به الولايات المتحدة لعقود؛ وبالتالي فإن رأس مالها من النفوذ يتركز أساسا في المجال القيمي والمعنوي والسمعة والدبلوماسية.
ويرى المعهد أن الحالة اللبنانية تمثل اختبارا عالي الحساسية من الناحية الإستراتيجية، موضحا أنه في حال فقد الخط الأزرق مصداقيته، وتراجعت قدرة قوة "يونيفيل" على أداء دور الوساطة، وانزلق الجنوب إلى منطق الدمار والاحتلال الفعلي، فإن الصين ستكون أمام سابقة سياسية.
وأكد أن “هذه السابقة تتمثل في التآكل التدريجي لآلية أممية كانت لسنوات إحدى أدوات الاحتواء القليلة المعترف بها من مختلف الأطراف”.
وشدد على أن “إصرار الصين على وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وحماية قوات حفظ السلام، ينبغي قراءته بصفته دفاعا من الصين عن الحد الأدنى من قواعد النظام الدولي”.
قواعد الخطاب
وبحسب التقرير، تتبع التصريحات الرسمية الصينية مجموعة قواعد ثابتة، أولها تقديم الصراع في لبنان بصفته امتدادا مباشرا للحرب على غزة، بحيث يبقى أي وقف لإطلاق النار في القطاع غير مستقر، ما يجعل الجبهة الشمالية عرضة باستمرار لارتدادات عسكرية وسياسية.
وثانيها أن بكين تصف العمليات@@ الإسرائيلية في لبنان وسوريا بأنها قضية سيادة وسلامة إقليمية.
وثالثها، أن الصين تسعى إلى إعادة الملف لأطر متعددة الأطراف يكون فيها تأثير القوة القانونية أكبر من القوة القسرية.
وهذا يعني -وفق المعهد- تفعيل دور مجلس الأمن، وبعثات الأمم المتحدة الميدانية، وآليات التنسيق مع دول الجنوب العالمي.
ولهذا، يدعو الممثلون الصينيون في القنوات الرسمية لوزارة الخارجية وفي الأمم المتحدة إلى وقف فوري لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وسوريا، وتعزيز آليات الاحتواء الدولية.
وأضاف المعهد أن الصين تسعى بقوة إلى بناء سردية بديلة عن السردية الغربية المتمحورة حول "الحق الإسرائيلي في الأمن"، مشيرا إلى أن نقطة الانطلاق بالنسبة لبكين رفض العمليات العسكرية وتمددها جغرافيا.
وفقا للمعهد، تُعد عقدة "يونيفيل" عنصرا محوريا، إذ أوضح أن البعثة المنتشرة على طول الخط الأزرق تمثل بنية سياسية وعملياتية متكاملة، تجمع بين خفض التصعيد اليومي، والربط مع الجيش اللبناني، ومراقبة الحدود، وإدارة الحوادث التي كان يمكن أن تتفاقم في غيابها.
وأضاف أنه في عام 2026 تنتشر "يونيفيل" بنحو 7500 جندي من قوات حفظ السلام ينتمون إلى 47 دولة، وتواصل عملها على خط يمتد لنحو 120 كيلومترا، لافتا إلى أن أبرز المساهمين يشملون إيطاليا، وإندونيسيا، وإسبانيا، والهند، وغانا، وفرنسا، ونيبال، وماليزيا، والصين.
ويرى أن حماية هذه البعثة تحمل بالنسبة لبكين بعدا عمليا، إذ تُعد الصين في الوقت نفسه من أكبر المساهمين في تمويل عمليات حفظ السلام الأممية، ومن الدول المساهمة بالأفراد في المسرح اللبناني.

اختبار أممي
وأشار المعهد إلى أن الصين تدرك هشاشة "يونيفيل" كمؤشر على اتساع نطاق الأزمة، موضحا أنه إذا تعرضت قوات حفظ السلام للاستهداف، وتقلصت الدوريات، وتحول الخط الأزرق إلى خط اسمي فقط، فإن نظام إدارة الاحتكاك بين لبنان وإسرائيل سيدخل مرحلة أعلى من عدم الاستقرار.
في الوقت نفسه، أكد أن اختزال الموقف الصيني في كونه مجرد دعاية سيكون تبسيطا مُخلا من الناحية التحليلية، موضحا أن بكين لا تمتلك رافعة عسكرية يمكن مقارنتها بالرافعة الأميركية في الشام، لكنها تمتلك في المقابل مصالح ملموسة في استقرار المنطقة.
وأضاف أن هذه المصالح تتوزع على ثلاثة مستويات، الأول مؤسسي، إذ يُعد حفظ السلام الأممي أحد المجالات القليلة التي تستطيع بكين من خلالها إظهار مسؤولية دولية قابلة للقياس.
والثاني اقتصادي–طاقوي، حيث إن اتساع رقعة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يؤدي إلى ارتفاع علاوات المخاطر، واضطراب مسارات النقل، وزيادة التكاليف اللوجستية.
أما الثالث فهو دبلوماسي، إذ تمنح الأزمة الصين مساحة لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية، ومع الرأي العام الإقليمي، ومع شركاء الجنوب العالمي الذين يرون أن الاستجابة الغربية للحرب تعاني من القصور.
ويرى المعهد أن تداخل هذه المستويات يفسر إصرار بكين على الدعوة إلى مؤتمر سلام متعدد الأطراف، وتعزيز دور الخط الأزرق تحت إشراف أممي، وإعادة إحياء حل الدولتين كمرجعية سياسية.
ووصف ذلك بأنه إستراتيجية منخفضة التكلفة عسكريا ومرتفعة العائد من حيث السمعة، مشيرا إلى أنه في حال إعادة إدماج الصراع ضمن إطار متعدد الأطراف، تستطيع الصين تقديم نفسها كفاعل بنّاء؛ أما إذا استمر التدهور، فبإمكانها تحميل النظام الغربي مسؤولية العجز أو الازدواجية.
ورأى المعهد أن بكين قادرة على الإدانة، وتعبئة الإجماع، ودعم صيغ المؤتمرات الدولية، واستخدام لغة الشرعية الدولية.
لكنها "غير قادرة على فرض وقف لإطلاق النار على الأرض، ولا على ضمان الانضباط العملياتي للفاعلين المسلحين المحليين".
وخلص المعهد إلى ضرورة أخذ الموقف الصيني من لبنان على محمل الجد، لا لأنه ينذر بتحول فوري على أرض الواقع، بل لأنه يعكس محاولة لتحويل أزمة إقليمية إلى نوع من الاستفتاء السياسي على شكل النظام الدولي.
وأوضح أن بكين لا تمتلك الأدوات الكفيلة بفرض حل عسكري أو دبلوماسي، لكنها تمتلك ما يكفي من الأدوات لإعادة صياغة مفهوم الشرعية، وتعزيز مكانة الأمم المتحدة، وتقديم نفسها كفاعل أكثر اتساقا -على الأقل خطابيا- مع مبادئ وقف إطلاق النار، والسيادة، وحماية المدنيين.

















