رغم الغطاء الإسرائيلي.. كيف تنجح المقاومة باصطياد عملاء الاحتلال بغزة؟

"لم تقتصر المواجهة على الجانب الميداني، بل شملت أيضا فتح باب التوبة أمام عناصر هذه المجموعات"
يشهد قطاع غزة تصعيدًا دمويًا يتمثل في استهدافات متواصلة تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المنظومة الأمنية الداخلية، وعلى رأسها جهاز الشرطة، والأمن الداخلي، وأمن المقاومة.
وتأتي هذه الهجمات في إطار خروقات يومية ومتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية، والذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويبدو أن هذا التصعيد يستهدف البنية الأمنية في غزة ضمن حملة مركبة، تشمل الغارات الجوية، إلى جانب عمليات تنفذها مليشيات موالية للاحتلال.
وقد تعرضت عشرات النقاط والدوريات والمراكز الشرطية في مناطق متفرقة من القطاع لغارات مباشرة من الطيران الحربي، ما أدى إلى سقوط ضباط وعناصر أمن بين شهيد وجريح.

خروقات يومية
وكانت النقاط والمراكز المستهدفة تؤدي وظائف مدنية، من بينها تنظيم حركة المرور، وتأمين الأسواق، ومرافقة قوافل المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ضبط الأمن الداخلي في القطاع الذي عصفت به حالة من الفلتان خلال عامين ونصف العام من الإبادة الجماعية.
ويعمل نحو 10 آلاف عنصر في جهاز الشرطة التابع للحكومة الفلسطينية في غزة، وقد اغتالت إسرائيل منذ بدء الحرب ما يقارب 2800 فرد أمن، وهو عدد قابل للارتفاع بسبب الاستهدافات اليومية لمناطق تمركز الشرطة.
وعمد الاحتلال، من خلال الغارات، إلى تصفية القيادات؛ إذ ركزت الضربات على اغتيال مديري مراكز الشرطة وقادة قوات التدخل وحفظ النظام، إلى جانب تدمير المقرات عبر قصف غالبية مراكز الشرطة والمقرات الأمنية، حتى وهي مكتظة بالشرطة والمواطنين.
كما استهدفت دوريات الشرطة، سواء بالزي الرسمي أو المدني، أثناء محاولتها تنظيم الأسواق.
وتتزامن هذه الضربات مع تحركات مشبوهة لعناصر من المليشيات المسلحة الموالية للاحتلال على الأرض، ما يشير إلى وجود تنسيق يهدف إلى زيادة الخسائر البشرية جراء الغارات، واستدراج دوريات الشرطة إلى مناطق القصف، أو فتح الطرق وتعطيل الحواجز الشرطية لتسلل المليشيات.
ولوحظ، بالتوازي مع الوتيرة العالية لاستهداف الأجهزة الأمنية في القطاع، أن الاحتلال بدأ في تنشيط المليشيات العميلة التابعة له، أو ما يعرف بأدواته الرخيصة.
ومنذ عدة أشهر بدأت المليشيات تنفذ عمليات اغتيال داخل قطاع غزة بتوجيه مباشر من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، فشل أغلبها، في حين تمكنت إحدى المجموعات من استهداف العقيد أحمد زمزم في مخيم المغازي، 14 ديسمبر/ كانون الأول 2025، ما أدى لارتقائه شهيدا.
وألقي القبض على أحد العملاء المنفذين مباشرة أثناء محاولته الهروب من موقع الاغتيال، ما أدى إلى الكشف عن معلومات حساسة حول آلية عمل المليشيات وهويات عملاء آخرين.
وتضم هذه المليشيات مليشيا أبو شباب، وهي أول العصابات الخائنة التي شكلها الاحتلال في إبريل/ نيسان 2024 شرقي رفح، ويقودها اليوم العميل غسان الدهيني بعد مقتل ياسر أبو شباب في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025.
تبعتها مجموعات أخرى، منها مجموعة المنسي التي أطلقت على نفسها اسم "الجيش الشعبي" شمال القطاع بقيادة أشرف المنسي.
إلى جانب مجموعة الأسطل شرق خان يونس، والتي يقودها حسام الأسطل الملقب "أبو سفن"، المدان بالتعاون مع مخابرات الاحتلال. كما ظهرت مجموعة صغيرة في حي الشجاعية يقودها رامي حلس، وكذلك مليشيا أحمد جندية في شرق غزة.
وأحدث المجموعات هي مجموعة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط في سلطة رام الله، وقد أعلن عن تشكيلها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وتعمل شرق المنطقة الوسطى وخان يونس.
ونفذت هذه المليشيا هجوما شرق مخيم المغازي وسط القطاع، 6 أبريل، استدرجت فيه مجموعة من المقاومين ليقصفهم الاحتلال، وارتقى على إثرها 10 شهداء، من بينهم 5 من مقاتلي القسام.
وكان من ضمنهم الشهيد يوسف البشيتي، أحد عناصر نخبة القسام الذين نفذوا كمينا استهدف الوحدة الهندسية، 22 يناير/ كانون الثاني 2024، شرق مخيم المغازي، والذي قتل خلاله 21 جنديا.

مخطط مدروس
من جانبه، قال مصدر أمني لـ"الاستقلال": إن قوات الاحتلال بدأت منذ عدة أشهر حملة أمنية منظمة تعتمد على الاغتيالات الجوية، تستهدف عناصر الشرطة الفلسطينية وأجهزة الأمن.
وأوضح أن هذه الحملة تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، واتخذت طابعا أكثر دموية؛ إذ باتت تنال مختلف التخصصات الشرطية دون استثناء، بما في ذلك شرطة المرور، وقوات التدخل وحفظ النظام، والمباحث العامة، ومكافحة المخدرات، وجهاز الأمن الداخلي.
وأضاف أن أي عنصر شرطة يزاول عمله في الميدان أصبح مهددا بالقصف والاستهداف المباشر.
وأشار المصدر إلى أن الاحتلال سعى خلال الحرب إلى تفكيك واجتثاث أجهزة الأمن في قطاع غزة، لافتا إلى أنه نفذ في هذا السياق مئات الهجمات التي أسفرت عن مقتل آلاف من عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية.
وأوضح أن الاحتلال فوجئ، في اليوم التالي لانتهاء الحرب، بعودة أجهزة الشرطة والأمن إلى ممارسة مهامها، وإمساكها بزمام الأمور في القطاع، من خلال فرض النظام وملاحقة المخالفين والمتهمين بالتعاون مع الاحتلال، مقدرا أن ذلك شكل مؤشرا على فشل أحد أهداف الحرب المعلنة تجاه غزة.
وأضاف أن الأشهر الأخيرة شهدت تصعيدا في الاستهدافات، عقب ضربات قال: إن مجموعات متعاونة مع الاحتلال تلقتها، إلى جانب عمليات نفذتها أجهزة الشرطة والأمن وجهات مقاومة.
وتابع: الاحتلال عاد إلى اعتماد إستراتيجية دموية، تمثلت في استهداف مراكز الشرطة والدوريات والتجمعات والحواجز، بل وامتد ذلك إلى استهداف عناصر الشرطة في منازلهم أو أماكن إيوائهم، بما في ذلك الخيام، بهدف تعطيل عمل الأجهزة الأمنية ومنعها من أداء مهامها"، رابطا هذا التصعيد بنشاط تلك المجموعات العميلة للاحتلال.
ومضى المصدر يقول: إن عمل الأجهزة الشرطية في قطاع غزة، رغم الجرائم والمجازر التي أسفرت عن استشهاد عشرات من عناصر الشرطة خلال الأشهر الأخيرة، لم يتوقف ولم يتأثر بشكل جوهري بهذه الاستهدافات.
وأوضح أن الشرطة أعادت تنظيم آليات عملها، واعتمدت أساليب مختلفة لضمان استمرار مهامها، واتباع إجراءات مشددة من الحيطة والحذر. مشيرا إلى أن عناصرها يعملون ضمن إستراتيجية جديدة تهدف إلى الحد من المخاطر، مع الحفاظ على قدرتهم على أداء مهامهم الأمنية.
وأضاف أن هذه المجموعات تحاول التحرك داخل القطاع تحت غطاء من الطيران المسير. مشيرا إلى أن أجهزة الشرطة أحبطت، خلال الفترة الماضية، عدة محاولات تسلل وتغلغل داخل غزة، كانت تهدف لتنفيذ مهام مرتبطة بالاحتلال.
وبيّن أن التصعيد في الاستهدافات يهدف إلى إضعاف قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الوضع الميداني، وفتح المجال أمام هذه المجموعات للتحرك بحرية أكبر، مؤكدا في الوقت ذاته أن الشرطة تواصل عملها بأشكال مختلفة، وتستمر في ملاحقة هذه المجموعات رغم الظروف الأمنية الصعبة.
جدير بالذكر أن الاحتلال استهدف، في 15 مارس/ آذار 2026، مركبة تابعة لقوات الشرطة عند مدخل منطقة الزوايدة، ما أسفر عن استشهاد ثمانية من عناصر الشرطة الفلسطينية.
وفي 29 مارس 2026، سُجلت محاولة اغتيال استهدفت ضابطا رفيع المستوى في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ونفذت من خلال عناصر في مليشيات موالية للاحتلال، إلا أنها فشلت بسبب اشتباك الأمن مع المهاجمين.
وزار مراسل "الاستقلال" عددا من المواقع التي شهدت استهدافات متكررة لدوريات ونقاط الشرطة من قبل الاحتلال وسط القطاع، وبالتحديد المناطق الواقعة ما بين قرية الزوايدة ومدينة دير البلح؛ حيث سجلت العديد من الغارات، وحاور عددا من الحضور وشهود العيان.
وبدوره، قال سعيد البشايرة، الذي يعمل في منطقة "رمزون" مقابل بنك فلسطين في مدينة دير البلح، وكان شاهدا على سلسلة من الأحداث الأمنية في المنطقة، إن المجموعات المسلحة تنشط أخيرا وتقترب من شارع صلاح الدين الرئيس وسط القطاع.
وأوضح أن بعض الأهالي يتعرفون على هذه التحركات من خلال سيارات من نوع "تويوتا هايلوكس" البيضاء، مضيفا أن هذه المركبات تتحرك بسرعة كبيرة من شرق دير البلح باتجاه مناطق أخرى في شرق خان يونس.
وأضاف البشايرة، في حديث لـ"الاستقلال": "لقد شاهدت بعيني سيارات الدفع الرباعي وهي تصل من جهة دوار أبو ميري شرق مدينة دير البلح، وكان ذلك بعد صلاة العشاء؛ حيث تقدمت باتجاه شارع صلاح الدين، ثم سُمعت أصوات إطلاق نار في المنطقة".
وتابع أن تلك المركبات انسحبت لاحقا باتجاه المناطق الفاصلة بين دير البلح وخان يونس، حيث تنشط مجموعات مسلحة أخرى. مشيرا إلى أن هذه الحوادث تكررت أكثر من مرة وبالأسلوب نفسه.
وأضاف أن المنطقة شهدت ثلاث حالات استهداف مباشرة لقوات الشرطة، نالت نقاطا وحواجز أمنية في محيطها.
وأوضح أنه في حالتين وقع استهداف مباشر لعناصر الشرطة وأسفر عن سقوط شهداء، بينما أشار إلى حادثة ثالثة استُهدف فيها "كرفان" تابع للشرطة خلال مارس 2026، لكنه كان خاليا من العناصر الأمنية.
من جانبه، قال المحلل السياسي زكريا السلاسة: إن ما يشهده قطاع غزة من استهداف ممنهج لمختلف مستويات الشرطة والأجهزة الأمنية يأتي ضمن مخطط واسع قد يتصاعد ليصبح أكثر دموية.
موضحا أن هذا المخطط يهدف إلى إنهاء وجود الشرطة وتقويض سيطرة قوات الأمن الفلسطينية، تمهيدا لتمكين مجموعات مسلحة متعاونة مع الاحتلال من ملء الفراغ.
وأضاف، في حديث لـ"الاستقلال": "إن توقف الحرب في إيران وانحسار التصعيد في لبنان قد يدفعان جيش الاحتلال إلى إعادة تركيز جهوده على قطاع غزة".
وأشار إلى أن حركة حماس لا تزال تسيطر على القطاع، في وقت تتحدث فيه تقارير إسرائيلية عن استعادة قدراتها العسكرية، ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا.
وأكد أن إسرائيل لن تعترف بحكم حماس، ولن تمكن أي لجنة تكنوقراط أو تمنح السلطة الفلسطينية إدارة القطاع، ما يجعل خيار الاعتماد على مليشيات موالية للاحتلال هو الوحيد المطروح أمام الاحتلال.
ولفت إلى أن النموذج الذي يسعى الاحتلال لتعميمه يتمثل فيما يجري في رفح، من خلال إنشاء ما يعرف بـ"رفح الجديدة"، التي تخضع لإدارة مليشيا محلية، وأن الاحتلال يخطط لتطبيق هذا النموذج على مساحات أوسع من القطاع.
ورأى أن فرص نجاح هذه التغييرات لا تبدو مرتفعة في ظل المعطيات الحالية، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن الاحتلال سيواصل محاولاته، وربما بوتيرة أكثر دموية، بهدف إزاحة حركة حماس وتعزيز نفوذ المليشيات المتعاونة معه.

المقاومة بالمرصاد
في المقابل، لم تقف وزارة الداخلية وأمن المقاومة في غزة مكتوفة الأيدي أمام تحركات المليشيات العميلة للاحتلال، بل واصلت توجيه الضربات لهذه المجموعات.
وشهدت الأشهر الأخيرة تصعيدا كبيرا في وتيرة الضربات التي نفذتها فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية في قطاع غزة ضد المجموعات المتعاونة مع الاحتلال.
وبدأت حملات أمنية لملاحقة المليشيات ميدانيا عبر كمائن واشتباكات مباشرة، خاصة في المناطق الشرقية، ما أسفر عن قتل واعتقال العشرات من عناصرها.
وكان آخرها الكمين المحكم الذي نفذته المقاومة بحق مليشيات العميل حسام الأسطل، حيث تقدمت ثلاث جيبات عسكرية تابعة للمليشيا شرق خان يونس قرب دوار أبو حميد، وكانت تنتظرها مجموعات للمقاومة التي هاجمتها بعبوات ناسفة وقذائف مضادة للدروع، واستهدفتها بالرصاص.
وأفاد أحد عناصر المليشيا للقناة 12 العبرية، والذي أُصيب خلال استهداف نفذته المقاومة في 20 أبريل، بأن العملية العسكرية التي جرت صباح ذلك اليوم كانت "منسقة ومخططا لها منذ أسابيع" بالتعاون مع ضابط المنطقة في الجيش الإسرائيلي.
وأوضح أن القوة تقدمت نحو المنطقة قبل أن تتعرض لما وصفه بـ"مفاجأة ميدانية"، بعد أن نجحت عناصر من حماس في تضليل التحرك واستهداف إحدى المركبات، ما أدى إلى مقتل عنصرين وإصابة نحو ثمانية آخرين بالرصاص والشظايا.
وعبر عن حالة إحباط داخل صفوفهم عقب فشل أولى مهام عملية أُطلق عليها "ردع العدوان"، والتي بدأت قبل يومين. مشيرا إلى أنهم بانتظار قرار من الجيش لاستكمالها.
ولم تقتصر المواجهة على الجانب الميداني، بل شملت أدوات تفكيك أخرى، من أبرزها فتح "باب التوبة" أمام عناصر هذه المجموعات، بهدف تفكيك الشبكات من الداخل وتقليل كلفة المواجهة؛ حيث أسفرت هذه السياسة عن تسليم عدد منهم أنفسهم.
كما لعب العامل المجتمعي والعشائري دورا مهما؛ إذ أسهمت العائلات والوجهاء في الضغط على عناصر هذه المجموعات لتسليم أنفسهم ورفع الغطاء الاجتماعي عنهم، ما جعلهم أكثر عرضة للملاحقة الأمنية، وأفقدهم القدرة على التحرك بحرية.

















