تمرد على الحرب أم خلاف مع هيغسيث؟ رحيل مفاجئ لوزير البحرية الأميركي وسط حصار إيران

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في وقت بالغ الحساسية تشهده المنطقة، وسط توتر بحري متصاعد وفرض البحرية الأميركية حصارًا على الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع هدنة هشة وتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، أعلن البنتاغون تنحي وزير البحرية جون فيلان من منصبه بأثر فوري.

وقال المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، مساء 22 أبريل/نيسان 2026، في بيان مقتضب عبر منصة "إكس": "سيغادر وزير البحرية جون فيلان الإدارة بأثر فوري"، معلنًا تكليف وكيل الوزارة هونغ كاو بمهام الوزير مؤقتًا.

ولم يقدم البيان أي تفسير رسمي لهذا الرحيل المفاجئ، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات بشأن ما يدور داخل وزارة الدفاع الأميركية، خاصة أن القرار جاء في ذروة تصعيد بحري مع إيران، وفي ظل تغييرات لافتة في هرم القيادة العسكرية.

وتبرز غرابة إقالة فيلان في التناقض بين توقيت القرار ونشاطه المكثف قبل ساعات من الإعلان، سواء على مستوى الفعاليات أو عبر حساباته على مواقع التواصل.

نشاط مكثف

ففي يوم الثلاثاء، شارك فيلان في مؤتمر "البحر-الجو-الفضاء" السنوي بواشنطن، حيث تحدث بثقة عن خططه المستقبلية، مدافعًا عن ميزانية البحرية المقترحة البالغة 378 مليار دولار.

كما استعرض رؤيته لتطوير ما أسماه "الأسطول الذهبي"، وإعادة إحياء البوارج من فئة "ترامب"، مقدرا أنها استثمارات استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز القدرات القتالية.

وقال في آخر تصريح علني له خلال المؤتمر: "سمعنا انتقادات بأن هذه البوارج معرضة للخطر ومكلفة للغاية، لكن هذه المنصات هي التي يُعوّل عليها في أوقات الأزمات".

ولم تظهر على فيلان أي مؤشرات توحي بقرب مغادرته، غير أن تنفيذ القرار "بأثر فوري" يعكس على الأرجح وجود تطور طارئ أو خلاف حاد.

وقبل أقل من 24 ساعة من إقالته، كان فيلان يطرح عبر منصة "إكس" رؤيته لمستقبل القتال، مؤكدًا أن الحروب القادمة ستقوم على التكامل بين العنصر البشري والأنظمة غير المأهولة، ضمن استراتيجية "High-Low Mix".

غير أن هذا التوجه الإستراتيجي بعيد المدى لم ينسجم، على ما يبدو، مع توجهات وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يفضل قيادة تركّز على الجاهزية القتالية الفورية والحسم الميداني.

خلفية مدنية

ويُعد جون فيلان رجل أعمال ومستثمرًا شغل منصب وزير البحرية التاسع والسبعين في الولايات المتحدة، حيث عُيّن من قبل الرئيس دونالد ترامب وأدى اليمين في 25 مارس/آذار 2025، قبل أن يغادر منصبه بشكل مفاجئ في 22 أبريل/نيسان 2026.

وقبل دخوله العمل الحكومي، أسس فيلان شركة Rugger Management، وشارك في إدارة شركة MSD Capital، الذراع الاستثمارية للملياردير مايكل ديل.

ويحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة ساوثرن ميثوديست.

ويُعد من القلائل الذين تولوا هذا المنصب دون خلفية عسكرية، إذ ركز خلال ولايته على تطوير القاعدة الصناعية البحرية وتعزيز بناء السفن، ضمن مشروع "الأسطول الذهبي".

مع تكليف هونغ كاو، الضابط السابق في القوات الخاصة، بمهام الوزير بالإنابة، يبدو أن البنتاغون يتجه نحو قيادة ذات طابع عسكري ميداني أكثر صرامة.

ويحمل كاو خلفية قتالية تمتد لسنوات، شملت مشاركته في عمليات بالعراق وأفغانستان والصومال، إلى جانب خبرته في الحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة.

خلافات داخلية

وتشير تقارير أميركية إلى أن إقالة فيلان جاءت نتيجة خلافات مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يتبنى نهجًا قائمًا على إعادة تشكيل القيادات العسكرية بما يتماشى مع رؤيته.

وبحسب هذه التقارير، قاد هيغسيث حملة لإعادة هيكلة البنتاغون، مستهدفًا ما يصفه بـ"البيروقراطية المتصلبة"، مفضّلًا قيادات أكثر انسجامًا مع توجهاته.

وتأتي إقالة فيلان بعد أسابيع من إقالة رئيس أركان الجيش، ما يعكس توجهًا لإعادة ترتيب هرم القيادة العسكرية.

ويُعتقد أن خلفية فيلان المالية وتركيزه على الجوانب الإدارية والاقتصادية لم تتوافق مع متطلبات المرحلة التي يراها هيغسيث قائمة على تسريع وتيرة الإنتاج والاستعداد للحسم العسكري.

وأثارت الإقالة موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ربطها ناشطون بسياق أوسع من التغييرات داخل البنتاغون خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب.

وسلطت التعليقات الضوء على غياب تفسير رسمي للقرار، ووصفت الخطوة بأنها "مفاجئة" و"زلزال" داخل المؤسسة العسكرية، مع ترجيحات بوجود توترات داخلية أو تسييس متزايد للقيادة العسكرية.

فوضى واهتزاز

وانتقد متابعون "الفوضى" في الإدارة الأميركية خلال فترة توتر جيوسياسي حساس وتوالي الاستقالات والتغيير في القيادات العسكرية والبحرية ما تعكس اهتزازا في مركز القرار، خاصة مع استمرار العمليات البحرية ضد أهداف مرتبطة بإيران.

وأكدوا أن رحيل وزير البحرية الأميركي يمثل زلزالاً ميدانياً يؤكد عمق التصدع والانهيار داخل أروقة وزارة الحرب والإدارة الأميركية. 

صراع نفوذ

برزت تكهنات قوية حول الأسباب الحقيقية، حيث نقلت تغريدات وتدوينات عن مصادر إعلامية (مثل فوكس نيوز ورويترز ووول ستريت جورنال) أن فيلان ربما "أُقيل" بقرار من وزير الدفاع بيت هيغسيث، وليس استقالة طوعية.

وذكر ناشطون خلافات حول "بطء تنفيذ إصلاحات بناء السفن"، أو توترات مع القيادة العليا، أو اختلافات في إدارة الملف الإيراني.

وتشمل الأسباب التي عرضتها المصادر الإعلامية استياء هيغسيث من تواصل فيلان المباشر مع الرئيس دونالد ترامب (متجاوزاً التسلسل القيادي)، وتباطؤه في تنفيذ إصلاحات بناء السفن الحربية، بالإضافة إلى خلافات حول نفوذ داخلي وعلاقات وثيقة بين فيلان وترامب. 

تمرد ناعم

في المقابل، تبنى ناشطون ومحللون رواية مغايرة، تشير إلى أن رحيل جون فيلان كان "تمرد ناعم" أو استقالة احتجاجية مدفوعة بمبادئه وليس إقالة إدارية، فيما ذهب آخرون إلى أن القرار إذا كان إقالة فهو أيضا نتيجة لتحفظه على الحرب ضد إيران.

وذهب هؤلاء إلى أن الوزير، بخلفيته المالية التي تميل لتقدير العواقب والمخاطر، آثر التنحي بسبب خلافات عميقة حول مسار التصعيد العسكري ضد إيران.

ورأوا أن فيلان كان يخشى من الانزلاق إلى حرب استنزاف بحرية طويلة الأمد في مضيق هرمز قد تؤدي إلى نتائج اقتصادية وعسكرية كارثية، مفضلاً خيار الدبلوماسية المسلحة أو الحصار المحدود على خيار المواجهة الشاملة التي يدفع باتجاهها صقور البنتاغون، مما جعل بقاءه في منصبه "غير ممكناً" أخلاقياً أو مهنياً في ظل التوجهات الجديدة.

دليل قاطع

وسخر ناشطون من توقيت رحيل وزير البحرية عادين ذلك مؤشر على خسارة ترامب للحرب ضد إيران، مشيرين إلى أن رحيل فيلان جاء مباشرة بعد تصريحات الرئيس الأميركي التي تحدث فيها عن انشقاقات وانقسامات وتصدعات داخل النظام الإيراني.

ووصفوا الاستقالة بأنها "دليل قاطع" على هزيمة الولايات المتحدة و"نصر" لإيران، مؤكدين أن  الضغوط الأميركية فشلت في إسقاط النظام الإيراني، وعززت تماسكه، وأن مثل هذه التغييرات الوزارية الأميركية تثبت متانة طهران وتفوقها العسكري.