من جرائم القمع إلى قفص الاتهام.. سوريا تحاكم رموز نظام بشار لإنصاف الضحايا

اللواء عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، المتهم الوحيد الحاضر في قفص الاتهام
بين وجوهٍ أنهكها الفقد، وعيونٍ علّقت آمالها على العدالة، انطلقت من قلب دمشق أولى محاكمات رموز النظام السوري المخلوع، في مشهد طال انتظاره لسنوات.
داخل قاعة محكمة الجنايات في القصر العدلي، لم يكن الحضور مجرد إجراء قضائي، بل لحظة فاصلة بين ماضٍ مثقل بالقمع والانتهاكات، ومستقبل يسعى السوريون فيه إلى استعادة حقوقهم تحت مظلة القانون.
في 26 أبريل/نيسان 2026، عُقدت الجلسة الأولى لمحاكمة أركان النظام السابق برئاسة بشار الأسد، بتهم ارتكاب "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري".
وجرت المحاكمة وسط إجراءات أمنية مشددة، وبحضور إعلامي محلي ودولي، إلى جانب عدد من أهالي الضحايا القادمين من محافظات عدة، في مقدمتها درعا.
ووجّه الادعاء العام قائمة موسعة من التهم، استندت إلى آلاف الوثائق وشهادات الناجين، شملت القتل العمد، والتعذيب، وقمع الاحتجاجات الشعبية، وارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.
واستهل رئيس محكمة الجنايات، القاضي فخر الدين العريان، الجلسة بالقول: "نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا، وتشمل متهما موقوفا داخل قفص الاتهام، وآخرين فارّين من وجه العدالة".
ومنذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، أوقفت السلطات عدداً من رموزه، فيما فرّ آخرون إلى خارج البلاد، وتسعى الحكومة إلى ملاحقتهم واستعادتهم، وفي مقدمتهم بشار الأسد الذي لجأ إلى روسيا برفقة عدد من مساعديه.
وفي سياق الجلسة، نادى القاضي على "المتهم بشار حافظ الأسد وشقيقه ماهر حافظ الأسد"، قبل تثبيتهما كمتهمين غيابيا، إلى جانب عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين.
عاطف نجيب في القفص
وكان اللواء عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، المتهم الوحيد الحاضر في قفص الاتهام؛ حيث أُدخل إلى قاعة المحكمة مكبلاً، مرتدياً زي السجن، وسط حراسة أمنية مشددة.
ويُعد نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد، أحد أبرز الأسماء المرتبطة ببدايات الثورة السورية عام 2011؛ إذ شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، المحافظة التي انطلقت منها الاحتجاجات.
ويواجه نجيب اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة، تشمل التعذيب، والقتل العمد، وإطلاق النار على متظاهرين، وقيادة حملات اعتقال واسعة في المراحل الأولى من الثورة.
واشتهر بعبارته “أنا الله في درعا” التي عكست طبيعة السلطة المطلقة التي كان يمارسها، وأصبحت لاحقا رمزا لحقبة القمع الأمني في البلاد.
وأُلقي القبض عليه في يناير/كانون الثاني 2025 بريف اللاذقية، عقب سقوط النظام، ليكون أول مسؤول بارز يمثل أمام محاكمة علنية في سوريا الجديدة.
كما شملت لائحة المتهمين غيابيا كلا من وزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج، والعميد محمد أيمن عيوش، ورئيس فرع الأمن العسكري في درعا لؤي العلي، والعميد قصي مهيوب، ورئيس فرع الأمن العسكري السابق في السويداء وفيق ناصر، والعميد طلال العسيمي.
وحضر عدد من أهالي الضحايا إلى قاعة المحكمة لمتابعة مجريات الجلسة، مؤكدين أنهم جاؤوا بصفة "أولياء دم"، ومطالبين بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ودعا بعضهم إلى تنفيذ حكم الإعدام بحق نجيب في ساحة الجامع العمري بمدينة درعا، بصفتها شاهدة على بدايات الأحداث.
وفي ختام الجلسة، قرر القاضي تأجيل المحاكمة إلى 10 مايو/أيار المقبل، لاستكمال الإجراءات والنظر في بقية الملفات.
عدالة انتقالية
عبّر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن ارتياحهم لبدء محاكمة رموز النظام السوري السابق، مقدرين أن مشهد وقوف من كانوا يُنظر إليهم بوصفهم “فوق المحاسبة” خلف القضبان يمثل لحظة فارقة في مسار العدالة. ووصفوا الجلسة بأنها تاريخية، وتشكل ردّ تقدير معنوي لعشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين، وبداية فعلية لمسار العدالة الانتقالية في البلاد.
وتداول ناشطون عبر منصتي “إكس” و”فيسبوك” صورًا لضحايا النظام السابق مرفقة بمشاهد من أولى جلسات المحاكمة، تحت وسوم بارزة مثل #عاطف_نجيب و#العدالة_الانتقالية و#سوريا_الجديدة. مؤكدين أن “دماء الضحايا لم تذهب هدرًا”.
كما أعادوا نشر مقاطع مصوّرة وصور توثق جرائم النظام السابق، بما في ذلك الهجمات الكيماوية، وحصار المدن، وصور “قيصر” للمعتقلين، في محاولة لربط الوقائع القانونية بالذاكرة الجمعية للسوريين، والتأكيد على أن المحاكمة ليست فعلا انتقاميا، بل تثبيت للحقيقة التاريخية ومساءلة قانونية طال انتظارها.
قاضٍ منشق
وركز ناشطون حديثهم عن دور القاضي فخر الدين، وبرزت منشورات تعريفية بهويته وخلفيته، مع تذكير بانشقاقه عن النظام السابق.
فقد تصدر العريان المشهد القضائي والسياسي في سوريا، إثر ترؤسه أولى جلسات "العدالة الانتقالية" في دمشق.
ولم تكن المفارقة في هذه المحاكمة مقتصرة على وقوف رموز النظام السابق في قفص الاتهام، بل امتدت لتشمل القاضي نفسه الذي يجلس اليوم على منصة العدالة لمحاكمتهم بينما كان بالأمس قاضيا منشقا، صدرت بحقه أحكام غيابية بالإعدام وصودرت أملاكه.
ينحدر العريان من بلدة سلقين في ريف إدلب، درس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية داخل مؤسسات الدولة ويتدرج في السلك القضائي، حتى وصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب.
ومع تصاعد احتجاجات الثورة السورية واللجوء المتزايد إلى الحل الأمني، حسم العريان موقفه في وقت مبكر. ففي 13 مارس/آذار 2013، ظهر في تسجيل مصور ليعلن خروجه عن مؤسسات النظام.
وقال في تسجيله: "أمام المسؤولية الملقاة على عاتق القضاة الذين هم حُماة العدل والحق، ونتيجة لما يرتكبه النظام من مجازر جماعية بحق المدنيين والأطفال والنساء، وأمام هذه الظروف ووفاء منا للوطن والقَسَم؛ أعلن أنا القاضي فخر الدين العريان -مستشار محكمة الاستئناف المدنية بإدلب- انشقاقي عن وزارة العدل، وانضمامي إلى مجلس القضاء السوري المستقل، لأكون مع زملائي المنضوين تحت هذا المجلس درعا حصينا للعدل والمساواة. وعاشت سوريا حرة أبية".
وانتقل بعد انشقاقه إلى العمل ضمن وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة، وخلال تلك المرحلة ارتبط اسمه بتأسيس "مسار قضائي موازٍ" نشأ خارج بنية النظام المخلوع.
وعمل العريان على بناء محاكم بديلة في مناطق المعارضة، وإدارة الملفات القضائية، وتوثيق جرائم النظام المخلوع.
وفي المقابل، رد النظام بإصدار أحكام غيابية قاسية بحقه، شملت الحكم عليه بالإعدام، ومصادرة ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية.
ومع سقوط النظام وتغيُّر المشهد السوري، عاد اسم العريان إلى الواجهة في يونيو/حزيران 2025، إثر صدور المرسوم الرئاسي "رقم 70" الذي نص على طي مراسيم العزل والأحكام الاعتبارية بحق عدد من القضاة وإعادتهم إلى عملهم.
وتُوِّج هذا المسار بتعيينه -في يناير/كانون الثاني الماضي- رئيسا لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن خطوات إعادة تشكيل السلطة القضائية.
وقُبيل بدء الجلسة، وجه العريان -عبر حسابه على فيسبوك– رسالة إلى السوريين، كتب فيها: "بعون الله، تنطلق اليوم أولى خطوات العدالة في مواجهة من أذاقوا السوريين ويلات القتل والتعذيب والقهر".
وأضاف "لكل أمّ شهيد، ولكل أمّ لمعتقل، ولكل أسرة هُجِّرت قسرا، ولكل صاحب بيت مدمر، إلى أهلنا سكان المخيمات الأكارم، لكل شاب وشابة تركوا مقاعد الدراسة بعد أن دمر المجرمون مدارسهم ومدنهم وأحلامهم، إلى كل من حمل السلاح مدافعا عن العِرض والأرض فارتقى شهيدا جميلا، صوتكم اليوم حاضر أمام القضاء، وحقوقكم لن تُنسى".
ذوو الضحايا
برز الحضور الإنساني بقوة داخل قاعة المحكمة؛ حيث شارك عدد من أهالي الضحايا، خصوصًا من محافظة درعا، لمتابعة مجريات الجلسة. ونقل ناشطون مشاهد مؤثرة لدموع الأمهات وهتافات الحضور، التي عبّرت عن مطالب واضحة بتحقيق العدالة الكاملة.
وأكد كثير من ذوي الضحايا أنهم حضروا بصفة “أولياء دم”، مطالبين بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، فيما دعا بعضهم إلى تنفيذ أقصى العقوبات بحق المتهمين، مقدرين أن هذه المحاكمة تمثل بداية إنصاف حقيقي بعد سنوات من الألم.
أهان النساء
استعاد ناشطون أيضًا واحدة من أكثر اللحظات صدمة في بداية الثورة السورية، عندما أهان عاطف نجيب أهالي درعا خلال مطالبتهم بالإفراج عن أطفال اعتُقلوا عام 2011 بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للنظام.
ووفق روايات متداولة، ردّ نجيب على مطالب الأهالي بعبارات مهينة، من بينها: “انسوا أطفالكم وأنجبوا غيرهم”، وهو ما عُدّ آنذاك شرارة أشعلت الغضب الشعبي ومهّدت لانطلاق الاحتجاجات.
ويرى ناشطون أن استحضار هذه الوقائع خلال المحاكمة يعيد تذكير العالم بحجم الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، ويعزز أهمية المساءلة كخطوة أساسية نحو العدالة والمصالحة.
وبين مشاهد القاعة وصدى الشهادات، بدت المحاكمة بالنسبة لكثيرين أكثر من إجراء قانوني؛ إنها لحظة مواجهة بين ذاكرة الألم وإرادة العدالة، ومحاولة لطي صفحة ثقيلة من التاريخ دون أن تُنسى.















