"ترتيبات إقليمية جديدة" تعود بالنفع على سوريا الجديدة.. ما القصة؟

"وزن سوريا في المرحلة المقبلة لن يُقاس بحجم إنتاجها، بل بطبيعة الدور الذي تستطيع الاضطلاع به"
في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط أزمات في الطاقة، وتوترات عسكرية، وتنافسًا على البنية التحتية والممرات الحيوية، تسعى دمشق إلى تجنب الانهيار واستثمار الهامش المتاح لها، بحسب المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية (IARI).
ورصد المعهد، في تقرير حديث، عودة سوريا إلى واجهة المشهد الإقليمي، في ظلّ مساعٍ لإعادة بناء قطاع الطاقة وظهور ترتيبات إقليمية جديدة.
وأوضح التقرير أن سوريا، بحلول عام 2026، استعادت دورًا نسبيًا في موازين القوى في بلاد الشام، نتيجة تزايد الأهمية الإستراتيجية لأراضيها.
وأضاف أن موقف الرئيس أحمد الشرع يُفهم في سياق سعيه لإبقاء سوريا خارج دائرة الصراع بين إيران وإسرائيل، ما لم تتعرض لعدوان مباشر، وهو ما يعكس حرصًا على تجنب أي تصعيد قد يعرقل مسار التعافي الهش.
وأشار إلى أن المؤشرات الأخيرة تسير في الاتجاه ذاته؛ إذ أعاد اتفاق إمداد الغاز مع الأردن تسليط الضوء على شبكة الكهرباء السورية، بصفتها من أكثر ملفات إعادة الإعمار إلحاحًا.
وفي الشمال الشرقي، دخلت قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية في مسار استثماري جديد بمشاركة جهات سعودية وأميركية، ما يعكس إعادة دمج حتى المناطق الطرفية ضمن شبكة إقليمية أوسع.
كما يُضاف إلى ذلك التقارب الاقتصادي مع تركيا الذي يبرز جانبًا غالبًا ما يُغفل، وهو أن غياب القنوات المصرفية واللوجستية والتجارية يُبقي موارد الطاقة معطّلة، مهما توفرت الإمكانات.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن سوريا لا تسعى إلى استعادة موقعها كقوة طاقة كبرى، بقدر ما تحاول صياغة دور مختلف يقوم على كونها ممرًا لعبور الطاقة والاستثمارات والروابط الإقليمية الجديدة.
ورغم هشاشة هذا الوضع وعدم اكتماله، فإنه كافٍ لإعادة دمشق إلى ساحةٍ ظلت لسنوات على هامشها. وفق التقرير.

اختلالات هيكلية
ورأى المعهد أن الاتفاقية الموقعة بين سوريا والأردن في 26 يناير/كانون الثاني 2026 ينبغي ألا تُختزل في كونها مجرد إمداد بالغاز. ففي هذه المرحلة، لا تتمثل أولوية دمشق في العودة إلى السوق الإقليمية كمُصدِّر، بل في إعادة بناء ما تآكل تدريجيا على مدى سنوات، من محطات توليد الكهرباء إلى شبكات النقل والتوزيع والخدمات الأساسية.
وأوضح أن قطاع الطاقة في سوريا لا يزال يعاني اختلالات هيكلية، ونقصا في القدرة الإنتاجية، وعدم استقرار حاد في الإمدادات. ومن ثم، تتجاوز أهمية الاتفاقية بعدها التقني، إذ يُعدّ قطاع الطاقة من المجالات القليلة التي يُقاس من خلالها استقرار الدولة بشكل ملموس.
فالحد من انقطاعات الكهرباء وضمان استمراريتها، يعني أيضا محاولة ترميم العلاقة الأساسية بين المؤسسات والمواطنين.
وأضاف أن الاتفاق مع عمّان يكشف الكثير عن واقع سوريا اليوم. فقبل التفكير في أدوار أكثر طموحا في سوق الطاقة، يتعيّن على البلاد استعادة وظائف أساسية تُعدّ بديهية في دول أخرى.
ولهذا تحديدا يكتسب المسار الأردني أهمية خاصة؛ إذ يقوم على أسس تقنية مباشرة مرتبطة بالخدمات الأساسية، ما يجعله أقل تعقيدا سياسيا مقارنة بمسارات إقليمية أخرى.
وخلص المعهد إلى أن المسار الأردني يظل الأقل كلفة سياسيا والأكثر جدوى عمليا في سياق دولة لا تزال هشة.
وأوضح المعهد أنه لفهم أسباب استعادة الشمال الشرقي لدوره المحوري، ينبغي العودة إلى تاريخه القريب.
فقد ظل هذا الجزء من سوريا، لسنوات، خارج السيطرة الكاملة لدمشق، بينما شكّلت المنطقة الغنية بالنفط والغاز قلب الإدارة التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكيا، وإحدى القواعد الاقتصادية القليلة التي احتفظت بقدر من الاستقلال النسبي خلال الحرب، نظرا لما ضمّته من موارد وإيرادات ومراكز لوجستية ومعابر حدودية.
لكن الوضع شهد تحولا جذريا في يناير/كانون الثاني 2026، مع تقدم القوات الحكومية في قطاعات رئيسة من شرق سوريا، وعودة حقول نفطية كبرى، مثل "العمر" و"كونيكو" إلى سيطرة دمشق، إلى جانب اتفاق لاحق لدمج "قسد".
ومع ذلك، لا يعني هذا اكتمال إعادة دمج الشمال الشرقي، بقدر ما يعكس إدماجا تدريجيا لحقول الطاقة والمعابر والبنية التحتية ضمن إطار الدولة الأوسع، وهو إطار لا يزال هشا.
وأشار في هذا السياق إلى المشروع الذي ظهر في فبراير/شباط، بمشاركة شركات سعودية وأميركية هي (TAQA) و(Baker Hughes) و(Hunt Energy) و(Argent LNG)، لتطوير النفط والغاز والبنية التحتية في شمال شرق سوريا. وأكد أن أهم ما في الأمر هو عودة موارد ظلت لسنوات تعمل ضمن ترتيبات منفصلة وهشة.
وأضاف أن الشمال الشرقي لا يزال منطقة حساسة، تتداخل فيها هشاشة سيادة الدولة مع انعدام الثقة بين المجتمعات الكردية وتعارض المصالح الخارجية.
ومع ذلك، يلاحظ المعهد تحولا مهما؛ إذ لم يعد النفط والغاز مجرد مصدر خلاف، بل باتا جزءا من مسار أوسع يهدف إلى إعادة ربط المناطق المهمشة بالاستثمارات وبمؤسسات الدولة.
وأوضح أنه إذا استمر هذا المسار، فقد تتمكن دمشق من ترسيخ حضورها في مناطق ظلت لسنوات خارج سيطرتها. أما إذا تعثر، فسيبقى الشمال الشرقي فضاءً غنيا بالموارد ومفتوحا للاستثمار، لكنه يفتقر إلى الاستقرار السياسي.

أدوات جديدة
ولفت المعهد إلى أن العلاقة مع تركيا تتجاوز ملف الطاقة؛ فقبل الغاز والكهرباء، يبرز سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن إعادة تشغيل اقتصاد ظل يعمل بشكل متقطع لسنوات؟
ومن هنا تكتسب المؤشرات التي ظهرت مطلع أبريل/نيسان أهمية خاصة؛ إذ تعكس ملامح تقارب بين البنكين المركزيين، واهتمام المؤسسات التركية بالعمل داخل سوريا، واحتمال استحداث أدوات جديدة لتيسير التجارة، ما يشير إلى سعي أنقرة ودمشق لتهيئة الشروط العملية للتعافي.
وأوضح أن الإمدادات والاستثمارات والبنية التحتية لا يمكن أن تعمل دون قنوات مالية ولوجستية وتجارية فعّالة. وفي هذا السياق، تمتلك تركيا ميزة واضحة، تتمثل في القرب الجغرافي، وبنية تجارية جاهزة، وقدرة على التدخل لا تستطيع سوريا تعويضها في المدى القريب.
واستدرك بأن هذه العلاقة، رغم ما توفره من مكاسب، ليست محايدة بالكامل. فهي تسهم في إعادة تنشيط التجارة، وتأمين السلع الأساسية، ومنح قدر أكبر من الاستمرارية لمسار تعافٍ لا يزال هشا. غير أن تعاظم الاعتماد على المسار التركي قد يعيد إنتاج علاقة غير متكافئة.
وخلص إلى أن تركيا قادرة على الإسهام في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري، لكن يبقى السؤال مفتوحا: هل سيعزز هذا المسار موقع دمشق بالفعل، أم سيقود، في نهاية المطاف، إلى ترسيخ تبعية جديدة، أقل كلفة من آثار الحرب، لكنها لا تقل عبئا؟

ممر إقليمي
ويرى المعهد أن السيناريو الأرجح يتمثل في تعافٍ تدريجي؛ فسوريا قادرة على استعادة دور إقليمي وظيفي دون أن تحقق استقلالا فعليا؛ إذ يمكنها تحسين شبكة الكهرباء، وجذب الاستثمارات إلى مناطق محددة، وإعادة تنشيط التجارة والخدمات المالية، لكنها ستظل معتمدة على أطراف خارجية تفوقها قوة.
وبذلك، قد تعود لتكون ممرا لمصالح متعددة، دون أن تتحول، في المدى المنظور، إلى قوة طاقة كبرى.
وفي أفضل السيناريوهات، ينجح هذا المسار في تثبيت توازن هش، بحيث تحافظ دمشق على حيادها الحذر، وتسهم العلاقة مع الأردن في دعم الجزء الأكثر هشاشة من شبكة الكهرباء، ويجري دمج الشمال الشرقي ضمن إطار وطني بشكل أقل تصادمية، فيما يستمر التعاون مع تركيا دون أن ينزلق إلى شكل من أشكال الهيمنة.
وفي هذا السياق، لا تُحل المشكلات الهيكلية، لكن البلاد تتجاوز وضعها كساحة صراع مفتوح، وتستعيد حدا أدنى من الاستقرار والتعافي الاقتصادي.
وختم المعهد بأن وزن سوريا في المرحلة المقبلة لن يُقاس بحجم إنتاجها، بل بطبيعة الدور الذي تستطيع الاضطلاع به. فإذا نجحت في البقاء بعيدا عن خطوط التوتر واستثمار الفرص المتاحة، أمكنها ترسيخ موقع أكثر استقرارا في بلاد الشام.
أما إذا عادت إلى منطق الصراعات، فستظل دولة ذات فائدة للآخرين، لكنها شديدة الهشاشة في مسار إعادة بناء نفسها. وفق المعهد.
















