هدنة على المحك.. إسرائيل ترسّخ واقعًا جديدًا جنوب لبنان باسم "الخط الأصفر"

يمتد "الخط الأصفر" كشريط داخل أراضي لبنان على امتداد الحدود مع إسرائيل المعروفة بـ"الخط الأزرق"
في خطوة تعكس محاولة إسرائيلية لفرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، وتهدد مسار الهدنة الهشة المقررة في 17 أبريل 2026 لمدة 10 أيام، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن إقامة ما أسماه “الخط الأصفر” الفاصل في جنوب لبنان، على غرار النموذج المطبق في قطاع غزة.
وأعلن جيش الاحتلال، في 18 أبريل 2026، إقامة “الخط الأصفر” الفاصل في جنوب لبنان، والذي يمتد داخل الأراضي اللبنانية بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات، ويشمل نحو 55 قرية وبلدة لبنانية، بدءًا من الناقورة غربًا، مرورًا بمناطق مثل الشمعية، عيتا الشعب، بنت جبيل، العديسة، وصولًا إلى الخيام شرقًا.
واستخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، لأول مرة في 18 أبريل/نيسان 2026، مصطلح “الخط الأصفر” خلال حديثه عن التطورات في لبنان، معلنًا بذلك إنشاء فاصل يمثل نطاقًا عملياتيًا جديدًا ومنطقة عازلة تُفرض كأمر واقع بالقوة.
وقال الجيش: إن قواته العاملة داخل “الخط الأصفر” في جنوب لبنان رصدت خلال الـ24 ساعة الأخيرة ما وصفهم بـ”مخربين انتهكوا تفاهمات وقف إطلاق النار”، واقتربوا من القوات شمال الخط الأصفر، بما شكّل، حسب زعمه، تهديدًا مباشرًا.
حدود الخط
ويمتد “الخط الأصفر”، وفق معلومات نشرتها وسائل إعلام عبرية مثل صحيفة “يديعوت أحرونوت” و”معاريف” وإذاعة الجيش، كشريط داخل الأراضي اللبنانية على امتداد الحدود مع إسرائيل المعروفة بـ”الخط الأزرق”، وبعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات.
ويمتد من بلدة الناقورة حتى بلدة الخيام شمال شرقي مستوطنة المطلة شمالي إسرائيل، مرورًا ببلدات لبنانية أخرى مثل الشمعية، وعيتا الشعب، وبنت جبيل، والعديسة.
ولا تُعرف المساحة الإجمالية للمنطقة بين الخطين الأصفر والأزرق، غير أن تقارير إعلامية عبرية أشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يتمركز حاليًا في نحو 55 بلدة وقرية جنوبي لبنان.
وتتحول المنطقة الواقعة بين الخطين، وفق هذا النموذج، إلى منطقة إطلاق نار حرة، ما يعني إفراغها من السكان وتحويلها إلى ساحة عمليات مفتوحة تُستخدم كخط دفاع متقدم ونقطة انطلاق لعمليات هجومية محتملة.
ويُعد إعلان “الخط الأصفر” خطوة إسرائيلية تُقوّض مسار التفاوض مع بيروت، وتندرج ضمن خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، والتي بدأت منذ اليوم الأول لدخوله حيز التنفيذ، وشملت قصفًا وتفجيرات، ما أسفر عن قتيل وعدة مصابين بينهم مسعفون. وفق وكالة الأنباء اللبنانية.
وشن جيش الاحتلال 12 هجومًا في جنوب لبنان في اليوم الثاني لسريان اتفاق وقف إطلاق النار، شملت قصفًا مدفعيًا وعمليات تفجير لمنازل ومبانٍ وتحليق طائرات حربية ومسيرة.
وفيما أقر الاحتلال بشن عدة هجمات على الجنوب اللبناني، زعم أنها جاءت لـ”إحباط تهديدات” ضد قواته ومنع تهديد مباشر على بلدات الشمال، متهمًا “حزب الله” بخرق الاتفاق.
وادعى الجيش أنه استهدف ما وصفها بـ”خلايا” و”بنى تحتية” تابعة لحزب الله. مشيرًا إلى تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي ودعم عمليات برية في المنطقة.
ويتضمن اتفاق وقف إطلاق النار بندًا تبرر إسرائيل من خلاله هجماتها، إذ ينص على احتفاظها بما تسميه “حقها” في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس ضد أي تهديدات.
وفي 19 أبريل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عسكري وإصابة 9 آخرين بانفجار عبوة ناسفة في جنوب لبنان، في ثاني حادثة من هذا النوع خلال 24 ساعة.
وقال الجيش: إن الرقيب أول احتياط ليدور بورات (31 عامًا) قُتل بعد أن دهست مركبة هندسية إسرائيلية عبوة ناسفة في المنطقة الجنوبية من لبنان، فيما أُصيب تسعة عسكريين آخرين، بينهم أحدهم بجروح خطيرة، دون تفاصيل إضافية.
تفريغ الجنوب
وأثار إعلان جيش الاحتلال عن فرض ما يُسمى "الخط الأصفر" في جنوب لبنان موجة عارمة من التنديد والاستنكار بين الناشطين على منصات التواصل، عادين هذا الإجراء كارثة فعلية على البلاد وسياسة توسعية احتلالية متعمدة لـ"إعادة هندسة الحدود بالقوة".
ونددوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #لبنان، #إسرائيل، #الخط_الأصفر، وغيرها بتصريحات الاحتلال التي عدت هذا الخط منطقة عمليات عسكرية مفتوحة لا تخضع لتفاهمات وقف إطلاق النار.
ووصف ناشطون هذه الخطوة بأنها محاولة لترسيخ واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يهدف لتفريغ الجنوب من سكانه وتحويله إلى "أرض محروقة" تحت ذريعة الدفاع عن النفس. مؤكدين أنها إجراء احتلالي يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وإعادة هندسة جغرافية بالقوة دون شرعية.
سيناريو غزة
وعد ناشطون "الخط الأصفر" استنساخاً لـ "نموذج غزة" في التهجير القسري وفرض "أحزمة أمنية" داخل أراضٍ سيادية، حيث يُستخدم في القطاع كخط فاصل أمني يمتد داخل الأراضي (يصل إلى 6-10 كم في غزة) ليسمح لقوات الاحتلال بالسيطرة العسكرية على مناطق واسعة.
وكانت إسرائيل انسحبت إلى ما يعرف بـ"الخط الأصفر" في قطاع غزة والذي تبلغ مساحته أكثر من نصف مساحة القطاع، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعد عامين من إبادة جماعية أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد عن 172 ألف جريح.
وقتلت إسرائيل عشرات الفلسطينيين، بذريعة اقترابهم من "الخط الأصفر"، وهو ما عدته جهات فلسطينية بأنه خرق لاتفاق وقف النار.
غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن الخط الأصفر في غزة جاء ضمن اتفاق مرحلي، بينما يطرح في لبنان كقرار إسرائيلي أحادي.
وأعرب إعلاميون وناشطون عن خشيتهم أن يكون الخط المعلن في لبنان بداية لاستنساخ تجربة غزة في لبنان، مشيرين إلى أن هذا الاستنساخ يتم من خلال ابتلاع قرى وبلدات حدودية وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي تحت ذريعة الأمن، تماماً كما حدث في غزة.
ولفتوا إلى أن الخط أدى إلى تقزيم القطاع واستمرار الرعب حتى بعد وقف إطلاق النار.
مهاجمة الحكومة
وشن ناشطون هجوماً حاداً على الحكومة اللبنانية عقب إعلان الاحتلال الإسرائيلي عن فرض "الخط الأصفر" في الجنوب واستنكروا صمتها أمام هذا الإجراء، عادين ذلك دليلاً على فشل المفاوضات وتنازلاً عن السيادة الوطنية.
وعدوا قبول الحكومة باتفاق وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام دون ضمانات بانسحاب الاحتلال فوراً مهد الطريق لفرض "الخط الأصفر"، مؤكدين أن موافقة الحكومة على مباحثات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، بينما يواصل الاحتلال احتلال 55 بلدة وفرض منطقة عازلة، "شرعنة للاحتلال" تحت مسمى الهدنة.
الخروقات والذرائع
وندد ناشطون باستمرار جيش الاحتلال الإسرائيلي في خروقاته لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منتصف ليل 16-17 أبريل 2026 (بوساطة أميركية لمدة 10 أيام أولية قابلة للتمديد)، وتنفيذه غارات جوية، قصف مدفعي، تفجير مبانٍ، وتحركات عسكرية في جنوب لبنان.
واتهموا الاحتلال باستغلال بند "حق الدفاع عن النفس" لتبرير انتهاكاته، وطالبوا حزب الله برد مناسب ويقظة عالية وفرض انسحاب كامل على الاحتلال، مؤكدين هشاشة الهدنة وعدم جدية الاحتلال في الالتزام بها. وذهبوا إلى أن إعلان الجيش عن خسائره تمهيد لاستئناف الحرب.

















