كيف تستثمر الرياض قضية غزة في إعادة صياغة علاقاتها مع واشنطن؟

“الرياض تستخدم ملف غزة لتحسين موقعها التفاوضي مع واشنطن والعالم العربي”
تبلور الموقف السعودي من قطاع غزة خلال الفترة ما بين أبريل/نيسان 2025 وأبريل 2026، ضمن مسارين متداخلين غالبا ما يُخلط بينهما، تصعيد قانوني فعلي في بعض الملفات، مقابل شائعات وتسريبات رافقت المشهد وأثّرت على قراءته.
وقال معهد “تحليل العلاقات الدولية” الإيطالي: إن المسار الأول يتمثل في تصعيد سعودي قانوني ودبلوماسي ظهر بوضوح في جلسات محكمة العدل الدولية.
أما الثاني فيتمثل في انتشار عبارة منسوبة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياساته، قال فيها: "لم نعد قادرين على الوقوف مع ترامب؛ عليه أن ينقذ نفسه أولا، ثم ينقذنا".
من جانبه، شكك المعهد في صحة التصريح، ولفت إلى أن الرياض رفعت مستوى الضغط السياسي والقانوني على إسرائيل، لكنها لم تقطع علاقاتها الإستراتيجية مع أميركا.
وقال: “تشير عمليات التحقق إلى أن التصريح المنسوب للوزير السعودي هو إعادة صياغة لمقاطع غير دقيقة، ولا تظهر هذه الكلمات في أي بيانات رسمية أو تقارير وكالات الأنباء الكبرى”.
استثمار ملف غزة
وبحسب التقرير، يتمثل التحول الأساسي في إعادة تموضع محسوبة، تستخدم فيها الرياض ملف غزة لرفع الكلفة السياسية للتطبيع، وتعزيز مكانة القضية الفلسطينية، وتحسين موقعها التفاوضي مع واشنطن والعالم العربي.
وأوضح المعهد أن مشاركة السعودية في محكمة العدل الدولية ومواقفها المشددة بشأن غزة تستند إلى تقارير وكالتي "أسوشييتد برس" و"رويترز"، فضلا عن بيانات رسمية سعودية، إضافة إلى الوثائق الأممية الخاصة بالإجراءات.
في المقابل، فإن العبارة المنسوبة للوزير السعودي إشكالية، إذ تنتشر بكثافة على منصات التواصل، لكنها لا تظهر في المصادر الأولية أو في التغطيات الموثوقة للعلاقة بين الرياض وواشنطن.
ويرى المعهد أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية استخدام السعودية حرب غزة لإعادة ترتيب ثلاثة ملفات مترابطة.
وتشمل هذه الملفات العلاقة مع واشنطن، ومستقبل التطبيع مع إسرائيل، إضافة إلى دور الرياض القيادي في الفضاء العربي.
ووفرت جلسات محكمة العدل الدولية، المنعقدة بين 28 أبريل و2 مايو/أيار 2025، منصة قانونية عالية الشرعية للسعودية، وفق التقرير.
وسمحت هذه المنصة بتوجيه انتقادات حادة لإسرائيل، وإظهار انسجام المملكة مع الخطاب المؤيد للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.
لكن المعهد أكد أن الخلط بين وقوف السعودية ضد إسرائيل وموقفها من إدارة ترامب يؤدي لاستنتاجات مضللة.
فحين تدخل ممثل السعودية في محكمة العدل الدولية محمد الناصر، أمام المحكمة في 29 أبريل 2025، كانت الرسالة واضحة.
وأكدت وكالة الأنباء السعودية مشاركة المملكة في الجلسة العامة، فيما أوردت صحيفة "ذا ناشيونال" أن الناصر وصف غزة بأنها تحولت إلى "كومة ركام".

رفع الثمن
وبحسب المعهد، فإن "الفائدة من هذا التحول ثلاثية للرياض، تتمثل في نقل المواجهة إلى مساحة تكون فيها إسرائيل أكثر هشاشة على صعيد السمعة، والسماح للسعودية بالظهور متسقة مع خطابها عن حماية المدنيين، ورفع الثمن السياسي لأي تطبيع مستقبلي".
وأشار إلى أن جلسات الرأي الاستشاري في محكمة العدل الدولية حظيت بمشاركة دولية واسعة، إذ شاركت عشرات الدول في الجلسات، وهذا بدوره أعطى الملف طابعا متعدد الأطراف.
وأكد أن هذا البعد مهم للسعودية، لأن الضغط على إسرائيل يصبح أكثر تأثيرا عندما لا يبدو موقفا عربيا صرفا، بل جزءا من خطاب دولي أوسع حول الالتزام بالقانون الدولي.
ووفق المعهد، تبقى العلاقة مع أميركا العامل الحاسم الذي يحد من أي تصور لقطيعة إستراتيجية بين البلدين حيث تشير البيانات إلى استمرار التواصل السياسي رفيع المستوى خلال 2025، بما في ذلك الزيارات المتبادلة والاتفاقات الاستثمارية الكبرى الموقعة.
ووثقت "رويترز" زيارة وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن في أبريل 2025 لإعداد رحلة ترامب، وكذلك مهمة الأخير إلى الرياض في مايو/أيار اللاحق.
وتُوّجت الزيارة بشراكة اقتصادية إستراتيجية والتزام سعودي باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة.
وقال المعهد: إن السعودية قادرة على رفع مستوى الضغط السياسي على إسرائيل، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقة هيكلية مع الإدارة الأميركية، لأن المسارين بالنسبة إلى المملكة ليسا متناقضين بل متكاملين.
وأضاف أن الأمن الإقليمي، والردع تجاه إيران، والوصول إلى التكنولوجيا والدفاع والذكاء الاصطناعي والمال والاستثمارات الأميركية، هي ملفات لن تضحي بها الرياض من أجل مكسب رمزي قصير الأمد.
وتعكس هذه السياسة منطق "تجزئة السياسة الخارجية"، حيث يُدار التوتر في ملف مع استمرار التعاون التقني.
وأشارت المعطيات إلى أن الموقف السعودي من التطبيع لم يُلغَ، لكنه صار مشروطا بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وأوضحت الخارجية السعودية منذ فبراير/شباط 2024 أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية دون دولة على حدود 1967.
وذكر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في سبتمبر/أيلول 2024 أن الرياض لن تعترف بإسرائيل دون دولة فلسطينية، كما أطلق وزير الخارجية في الشهر نفسه تحالفا عالميا لتنفيذ حل الدولتين، مؤكدا أولوية وقف إطلاق النار الدائم.

السيناريوهات المحتملة
ووفق التقرير، تسعى الرياض لاستخدام المسار القانوني الدولي لتحويل ملف غزة من أزمة أخلاقية مشتتة إلى رافعة تفاوضية منظمة.
ورأى أن “هذا التوجه يهدف إلى إعادة تعريف الأسس التي يمكن عليها مستقبلا مناقشة التطبيع والأمن الإقليمي والوضع ما بعد الحرب”.
ويرى التقرير أن السيناريو الأفضل يتحقق إذا استخدمت واشنطن علاقتها بالرياض للدفع نحو إطار سياسي لمستقبل غزة والحوكمة في فلسطين.
وأوضح أن “الضغوط القانونية السعودية تتحول هنا إلى رافعة تفاوضية تعزز مركزيتها الإقليمية، وتعيد القضية الفلسطينية لمركز الصيغ الدولية”.
ويظهر السيناريو الأسوأ إذا استمر تدهور ملف غزة دون ضغط أميركي كافٍ على إسرائيل لإنهاء العدوان.
وفي هذه الحالة، قد تُدفع الدبلوماسية السعودية إلى مواقف أكثر تطرفا لتجنب فقدان مصداقيتها العربية، مما يوسع الفجوة مع واشنطن، بحسب المعهد الإيطالي.
وخلص إلى أن “السعودية شددت موقفها من إسرائيل باستخدام منبر محكمة العدل الدولية بذكاء، وأكدت أن سردية القطيعة الإستراتيجية مع ترامب لا تجد تأكيدا، فالرياض تسعى لتعظيم رافعتي غزة وواشنطن لتعزيز نفوذها”.
وأكد المعهد أنه" ينبغي فهم التحول السعودي كخطوة محسوبة لرفع الكلفة السياسية للعلاقة مع إسرائيل ضمن إطار لا يزال مرتبطا بالولايات المتحدة".
وتابع: “تبقى المسألة الحاسمة هي مدى قدرة الرياض على ترجمة تحركها القانوني والدبلوماسي إلى نتائج سياسية ملموسة على الأرض”.
















