بحر إيجه على حافة التصعيد.. هل يخرج التوتر بين أنقرة وأثينا عن السيطرة؟

"فهم التوتر القائم لا يمكن فصله عن جُذوره التاريخية العميقة"
التوتر بين تركيا واليونان، يعدّ نتاج تاريخ معقّد وتنافس على الطاقة، ويظل خَطَرُه الأكبر في احتمال تحوّل أي خطأ ميداني إلى أزمة متصاعدة.
فالوضع في المنطقة لا يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنه في الوقت ذاته بعيد عن الاستقرار الحقيقي؛ إذ يَسوده توتر منخفض الشدة لكنه مستمر، ويتم تغذيته بعوامل متعددة مثل التنافس على الطاقة، وانعدام الثقة التاريخي، والتحركات العسكرية المتكررة.
ونشرت صحيفة "ستار" التركية مقالا للكاتب ألبير كاراشين، قال فيه: إن "أخطر ما في هذا التوتر ليس بالضرورة اندلاع حرب مخططة، بل إمكانية اشتعال أزمة نتيجة خطأ بسيط في التقدير، كإشارة رادار يتم تفسيرها بشكل خاطئ أو اقتراب عسكري غير محسوب".
وأضاف أنه "في بيئة مشحونة بهذا الشكل، يمكن لتفصيل تقني صغير أن يتحول خلال دقائق إلى أزمة دبلوماسية أو حتى مواجهة عسكرية محدودة".

عبء تاريخي
ويرى الكاتب أن "فهم التوتر القائم بين تركيا واليونان لا يمكن فصله عن جُذوره التاريخية العميقة؛ حيث شكّلت عملية قبرص عام 1974 نقطة تحول مفصلية أحدثت شرخا بنيويا في العلاقات بين البلدين، ولم تكن مجرد أزمة عابرة".
وأوضح أن “الذاكرة التاريخية لم تعد مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت عاملا فاعلا في تشكيل سلوك الأطراف، وإن إدراك كل طرف لنوايا الآخر غالبا ما يتجاوز في تأثيره النوايا الحقيقية ذاتها”.
واستطرد الكاتب: “يمكن أن نجد أن التنافس على موارد الطاقة المستمر لم يكتفِ بإبقاء هذه الخلافات قائمة، بل أسهم في تعميقها وتحويلها إلى صراع متعدد الأبعاد”.
وأشار إلى أن الخلافات في بحر إيجه لم تعد محصورة في بعدها السياسي أو القانوني، بل اكتسبت بعدا اقتصاديا وإستراتيجيا متزايدا، خاصة منذ أن تحولت مسألة الجرف القاري، نتيجة لعمليات البحث عن الهيدروكربونات منذ ستينيات القرن الماضي، من نقاش تقني إلى ساحة صراع مباشر على النفوذ.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تزايد أهمية أمن الطاقة عالميا، إلى جانب الاكتشافات المحتملة في شرق البحر المتوسط، قد أدى إلى رفع مستوى التنافس بين الطرفين.
وأوضح كاراشين أن كل طرف يتبنى مقاربة مختلفة؛ فاليونان تميل إلى تأطير مطالبها ضمن القانون الدولي، في حين تركز تركيا على الخصوصيات الجغرافية والقانونية للمنطقة، مع تفضيلها لمسار المفاوضات الثنائية.
كما أن تقلبات أسواق الطاقة والأزمات العالمية أسهمت في زيادة حدة هذا التنافس، بحيث أصبحت الطاقة بالنسبة للطرفين قضية أمن قومي بامتياز، وليست مجرد ملف اقتصادي.
وأكد كاراشين أن العقد الأخير يكشف عن نمط متكرر من الأزمات المتقطعة بدلا من توتر دائم منخفض الشدة؛ حيث تتصاعد الخلافات في لحظات معينة إلى مستويات خطرة.
وأشار إلى أن طبيعة التفاعلات العسكرية في بحر إيجه وشرق المتوسط تكشف عن حساسية مفرطة في ميزان الردع، حيث يمكن لتحركات روتينية مثل الطلعات الجوية أو المناورات أن تتحول إلى مواقف خطرة نتيجة التقارب الشديد بين القوات.
ولفت الكاتب إلى أن التاريخ القريب يثبت أن حوادث بسيطة، مثل اقتراب طائرتين حربيتين أو ادعاء بإغلاق راداري، يمكن أن تتطور خلال دقائق إلى أزمة دبلوماسية حادة.
كما أن آلية "نافتيكس" بحد ذاتها أصبحت أداة لإدارة التوتر بقدر ما هي مصدر له، خاصة مع ردود الفعل المتبادلة عليها، غير أن دخول أطراف دولية وإقليمية أخرى إلى هذا المشهد يزيد من تعقيد الحسابات ويضاعف احتمالات سوء التقدير.
واستدرك الكاتب أنه بالنظر إلى تحليلات إستراتيجية، من بينها سيناريوهات أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإن أي صراع محتمل بين تركيا واليونان لن يكون نتيجة قرار واعٍ بالحرب، بل نتيجة تصاعد أزمة محدودة بسبب الخلافات غير المحسومة حول الجرف القاري والمياه الإقليمية وموارد الطاقة.
وأضاف أن هذه السيناريوهات تشير إلى أن حادثا صغيرا في الجو أو البحر قد يتحول بسرعة إلى صراع واسع، وأن تركيا قد تمتلك تفوقا في القوة البرية والجوية، بينما قد تظهر اليونان مقاومة قوية في الدفاع عن الجزر.
كما يُتوقع أن تكون الحرب قصيرة نسبيا بسبب المتطلبات اللوجستية، ومع ذلك، فإن مثل هذا الصراع سيؤثر على تماسك الناتو وتوازن القوى الدولية، وأن خطر الخطأ في الحسابات يبقي احتمال الحرب قائما.

معضلة الأمن
واستدرك الكاتب أن أحد المفاهيم الأساسية لفهم هذا الوضع هو “معضلة الأمن”؛ حيث تُفسَّر الإجراءات الدفاعية لكل طرف على أنها تهديد للطرف الآخر، وهو ما يؤدي إلى سباق تسلح متبادل.
وأشار إلى أن هذه الديناميكية لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تشمل أيضا الأبعاد النفسية والإدراكية، حيث يتفاقم انعدام الثقة مع كل خطوة جديدة.
وأردف الكاتب أن الخطاب السياسي، خصوصا في اليونان، يلعب دورا مهما في تأجيج التوتر؛ إذ إن التصريحات القومية والشعبوية قد تحقق مكاسب داخلية سريعة، لكنها تقيّد خيارات صناع القرار على المدى الطويل، وتجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدا، فكلما ارتفعت حدة الخطاب، أصبح التراجع أكثر كلفة سياسيا.
ومع ذلك، هناك عوامل قوية تحد من احتمالات الحرب المباشرة، وأبرزها عضوية البلدين في حلف الناتو، فهو ما يجعل أي صراع بينهما ذا تداعيات أوسع، وفق كاراشين.
كما أن التكلفة الاقتصادية لأي مواجهة ستكون باهظة، ليس فقط على البلدين، بل على المنطقة بأكملها، وذلك نظراً لتأثيرها على التجارة والاستقرار المالي.
وأضاف الكاتب أن الدور الدولي، خاصة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، يشكل عنصر توازن مهما، فواشنطن تمارس تأثيرا رادعا من خلال التعاون العسكري، بينما يستخدم الاتحاد الأوروبي أدواته الاقتصادية والسياسية للحد من التصعيد، مستفيدا من عضوية اليونان فيه.
وختم الكاتب مقاله قائلا: إن "التوازن في بحر إيجه سيظل هشا ما لم يتم تعزيز آليات إدارة الأزمات وبناء قنوات اتصال موثوقة بين الأطراف".
وتابع: "فالمشكلة الأساسية ليست في غياب القوة، بل في كيفية إدارتها، ومن دون تطوير أدوات فعالة لاحتواء الأزمات، سيبقى خطر الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة عسكرية قائماً، حتى في ظل غياب نية حقيقية للحرب".

















