تواطؤ صامت.. شهادات صادمة عن الاتجار بمهاجرات إفريقيات بأموال أوروبية

"هذه الانتهاكات أصبحت نمطًا متكررًا تُنفذه قوات أمن في ليبيا وتونس"
تقرير دولي عُرض داخل البرلمان الأوروبي، يكشف عن انتهاكات بحق مهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء، يُقال: إنها تتم بدعم من أموال الاتحاد الأوروبي.
وفي 22 أبريل/نيسان 2026، قُدم في بروكسل تقرير أعدّته مجموعة بحثية دولية تُعرف باسم "آر آر إكس" (Ricercatrici/Ricercatori X)، تحت عنوان: "الاتجار بالنساء من قبل الدولة: العنف القائم على النوع الاجتماعي، والترحيل القسري، والاتجار بالمهاجرات بين تونس وليبيا".
وأفادت مجلة “نيغريتسيا” الإيطالية بأن التقرير يوثق حالات احتجاز وبيع واستغلال تتعرض لها نساء مهاجرات.
كما يخلص التقرير إلى أن هذه الانتهاكات أصبحت نمطًا متكررًا تُنفذه قوات أمن في البلدين اللذين يتلقيان تمويلًا من إيطاليا والاتحاد الأوروبي لإدارة سياسات الهجرة، في ظل ما وصفه التقرير بحالة من التواطؤ الصامت من الجانبين.

تجارة تديرها الدولة
ويتكون التقرير من 56 صفحة ويستند إلى 33 شهادة، بينها 19 شهادة نساء و14 شهادة رجال، جُمعت بشكل مجهول من قبل مجموعة "آر آر إكس".
وذلك بالشراكة مع عدة جهات منها: جمعية الدراسات القانونية حول الهجرة (ASGI)، ومنظمة "بوردر فورينزيكس" (Border Forensics)، ومجلة "ذا روتس جورنال" (The Routes Journal)، ومنظمة "أون بوردرز" (On Borders)، ومنصة "ميلتينغ بوت أوروبا" (Melting Pot Europa).
ويفضح التقرير منظومة "اتجار تديرها الدولة"، ويتهم تونس باستخدام أموال أوروبية منذ 2023 لإنشاء منظومة اعتراضات بحرية واعتقالات وترحيل جماعي نحو ليبيا.
وكان جميع الشهود الـ 33 الذين أُجريت معهم مقابلات ضحايا لهذا الاتجار؛ إذ بيعوا كسلع بشرية عند الحدود الليبية مقابل أموال أو وقود أو مخدرات.
وأكد التقرير أن الشهادات المجمعة -معظمها يتعلق بعمليات نفذها الحرس الوطني التونسي خلال 2025- تُظهر أن الاعتقالات التعسفية والطرد نحو الحدود التونسية-الليبية وبيع البشر للمليشيات وقوات الأمن الليبية ليست حوادث معزولة، بل جزء من سلسلة عمليات مستقرة وطويلة الأمد.
وإذا اعتُمدت نقطة المنتصف في حجم المجموعات المرحّلة (125 شخصا) كتقدير متحفظ، وأُخذت في الحسبان كل المقابلات (63 مقابلة تتعلق بـ 59 عملية طرد مختلفة)، يمكن تقدير أن نحو 7400 شخص خضعوا لاتجار ترعاه الدولة بين يونيو/حزيران 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، وهو تقدير متحفظ يستند فقط إلى العمليات التي أمكن رصدها.
وتشير المقابلات، التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلى وجود روايات متكررة عن عمليات بيع وشراء للبشر من قبل عناصر أمنية وعسكرية تونسية، مع تحديد موقع مركزي لهذه العمليات داخل ثكنة الحرس الوطني التونسي في منطقة المقيسم.
وحدد الشهود ثكنة الحرس الوطني التونسي في المقيسم كمحطة تونسية نهائية في السلسلة اللوجستية التي تربط ميناء صفاقس بمجمع الاحتجاز في العسة (مقر حرس الحدود الليبية).
وحول هذين المركزين، المقيسم والعسة، أفاد عدة شهود بأنهم شاهدوا مقابر جماعية، وجثثا تُحمّل وتُلقى، بينما أفاد أحد الشهود أنه أُلقي في حفرة مليئة بالجثث.
ولم تخلُ أي رواية في هذا التقرير من الإشارة إلى وفاة أحد الضحايا، سواء في البحر أو داخل السجون أو أثناء النقل في الحافلات، نتيجة الضرب أو غياب الرعاية الطبية أو الحرمان من الطعام والماء.
ويضيف التقرير أن هذه المنظومة تمتد إلى شبكة من مراكز الاحتجاز داخل ليبيا، في طرابلس والعسة وبئر الغنم وشرشرة؛ حيث ترتبط هذه المواقع بشكل منهجي بسلسلة من عمليات الترحيل القسري التي تبدأ في تونس وتنتهي داخل الأراضي الليبية.
وأشار التقرير إلى مسار ثانٍ يُستخدم لعمليات الطرد يربط مدنين وتطاوين ورمادة (موطن قاعدة عسكرية تونسية كبيرة) قبل تسليم المهاجرين للسلطات الليبية عند معبر الذهيبة/وازن الحدودي بين البلدين.
وعلى طول الطريق P19 والطريق C112 في تونس، أفاد شهود بتوقفات ليلية متعددة في ثكنات مهجورة وحظائر عسكرية شهدت أشكالا مختلفة من العنف والإذلال.
وقد مرّ النساء والرجال الذين أُخذت شهاداتهم عبر هذه المرافق التي تديرها أو تشرف عليها جهات أمنية، وفق ما وثقته منظمات حقوقية.

شهادات صادمة
وتشير المنظمات المشاركة في إعداد التقرير إلى أنه "بين يونيو/حزيران 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، وقع نحو 7400 شخص ضحايا لما يُعرف بالاتجار الذي تديره الدولة، وهو تقدير تقريبي يقتصر على 59 عملية ترحيل جماعي من تونس إلى ليبيا جرى توثيقها".
ويركز التقرير خصيصا على وضع النساء داخل مراكز الاحتجاز الليبية، مؤكدا وجود عنف هيكلي قائم على النوع الاجتماعي يتجلى في المعاملة اللاإنسانية، والتفتيش الجسدي القسري، والاغتصاب.
وأوضح التقرير أن الشهادات الجديدة التي قدمتها في معظمها نساء وأطفال نجوا من الاحتجاز في ليبيا، مكّنت من إعادة بناء دور العنف الجنسي داخل منظومة الاتجار بدقة أكبر.
وأظهرت الشهادات أن الاعتداء الجنسي والاغتصاب يحدثان بشكل روتيني خلال عمليات الاعتقال والطرد في تونس، وكذلك أثناء الاحتجاز في السجون الليبية.
وأكد التقرير أن أجساد النساء في الاتجار بالبشر لها قيمة أعلى، سواء في "تجارة الجملة" التي يديرها جهاز الدولة التونسي أو في "تجارة التجزئة" التي تجري داخل دوائر السجون الليبية.
وتعد النساء "سلعا عالية القيمة"، ولهذا يُفصلن خلال عمليات التبادل، ما ينعكس على اختلاف مسارات احتجازهن ومصائرهن مقارنة بالرجال، بما في ذلك أزواجهن وآباء أطفالهن.
كما يسلط التقرير الضوء على العمل الجنسي القسري والاستعباد العمالي؛ حيث تُجبر نساء مهاجرات لا يملكن موارد كافية على ممارسة الدعارة لتأمين فدية الإفراج عنهن.
وبحسب التقرير تتحول السجون بالنسبة لهن إلى بيوت للدعارة القسرية، ما يجعلها شكلا من أشكال الاحتجاز المصمم لغرض محدد.
وكشف التقرير عن حلقة إضافية في السلسلة اللوجستية للاتجار داخل ليبيا، حيث تتحول السجون إلى مراكز لتوريد العمالة القسرية إلى الأسواق المحلية.
وهذا شكل من العبودية القائمة على الدين، مؤقت لكنه غير محدد المدة، تُخضع فيه النساء لمزيد من العنف والحرمان من الحرية داخل بيوت دعارة أو في أعمال منزلية قسرية.
وفي هذا السياق، تؤدي عمليات الاعتراض في البحر والقبض داخل الأراضي التونسية إلى توفير أعداد من النساء (والرجال) المستعبدين، ليجري استغلالهم لاحقا في ليبيا، سواء داخل السجون عبر اقتصاد الفدية وإعادة البيع، أو في شبكات الاستغلال الجنسي والعمالي، أو في تقديم خدمات منزلية للعائلات المحلية.
وترتبط هذه السلسلة بشبكة من الوسطاء، وتُعامل كجزء مقبول من سوق العمل المحلي، وفق التقرير.
ويُلاحظ أن الأجانب غير الحاملين لوثائق يُخضعون فعليا للعمل القسري ودفع غرامات مالية داخل السجون في ليبيا.

مسؤولية أوروبية
وتنعكس الشرعية الاجتماعية للعبودية في أسواق العمل المحلية، حتى في الاستخدام الشائع لمصطلح "عبيد" للإشارة إلى المهاجرين واللاجئين السود.
ويؤكد تقرير "آر آر إكس" أنه لا يقتصر على توثيق الانتهاكات في تونس وليبيا، بل يسعى إلى إعادة فتح النقاش حول مسؤولية الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء التي تموّل هذه السياسات، وتعترف بتونس وليبيا كـ "دول آمنة"، ما يسمح بإعادة المهاجرين إليهما.
وأخيرا، شدد التقرير على أن هذه السلسلة اللوجستية لتوريد الرجال والنساء المتاجَر بهم، أي استيراد/تصدير العبيد، تُمكّنها أيضا الكمية الهائلة من الموارد التي يوجهها الاتحاد الأوروبي لتنفيذ سياسات إبعاد الحدود عبر أجهزة الدولة في تونس وليبيا.
وبحسب التقرير، تُستخدم تونس كنقطة إعادة لمن يعبرون أراضيها، بينما تُستخدم ليبيا كمكان لاحتجاز من يجري اعتراضهم في البحر، بما في ذلك منظمات إنسانية تُحتجز سفنها بسبب عدم تنسيقها مع خفر السواحل.
وتشير المنظمات إلى أنها رفعت شكوى ضد تونس أمام "المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" (AfCHPR).
كما لفتت إلى أنه في مارس/آذار 2025، أعلنت أجهزة الأمن الداخلي الليبية تعليق نشاط 10 منظمات غير حكومية، متهمة إياها بأنشطة "معادية للدولة" و"الإضرار بالتوازن الديمغرافي" و"تشجيع استقرار المهاجرين غير النظاميين".
وترى المنظمات أن هذا الإجراء يهدف إلى تخفيف الرقابة على انتهاكات حقوق الإنسان.


















