"قد نزور كوبا بعد الانتهاء من إيران".. بماذا يفكر ترامب؟

"روبيو يعتبر الإصلاحات التي أعلنتها كوبا غير كافية ويدعو إلى تحول سياسي واقتصادي شامل في الجزيرة"
تفيد تقارير بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون بصدد التمهيد لعدوان عسكري ضد كوبا، في ضوء تصريحاته الأخيرة التي قال فيها: إنه “قد يزور الجزيرة بعد الانتهاء من ملف إيران”.
وفي هذا السياق، رصدت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن إدارة ترامب، رغم انخراطها في حرب مكلفة في إيران لا تحظى بتأييد واسع، تبدو وكأنها تكثّف استعداداتها لعمل عسكري محتمل ضد كوبا، وذلك بعد أسابيع من الهدوء النسبي في العلاقات بين البلدين.
من جهته، ذكر موقع "زيتيو" أن مسؤولين في البنتاغون وجهات حكومية أخرى تلقّوا، بهدوء، توجيهاً جديداً صادراً مباشرة من البيت الأبيض خلال عهد ترامب، يقضي بتسريع التحضيرات لعمليات عسكرية محتملة ضد كوبا.
ونقلاً عن مصدرين مطّلعين وآخر أُحيط علماً بالملف، أشار الموقع إلى أن تصاعد استياء ترامب من تحدّي الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل للتهديدات الأميركية، في ظل حصار نفطي شبه كامل، دفعه إلى التفكير في سيناريوهات أكثر تصعيداً، من بينها تنفيذ عمليات خاصة تستهدف بعض قيادات النظام الكوبي.
وبحسب "زيتيو"، يتقاطع هذا التوجّه مع تحقيق واسع النطاق تقوده وزارة العدل الأميركية بحق مسؤولين كوبيين، بتهم تتعلق بالمخدرات والهجرة والجرائم الاقتصادية والعنف، بهدف تسريع توجيه الاتهامات. وفق ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز".
ويأتي هذا التقرير بعد تصريحات أدلى بها ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، قال فيها: "قد نزور كوبا بعد الانتهاء من هذا"، في إشارة إلى الحرب الأميركية مع إيران.
وذلك رغم نفي مسؤول بارز في البنتاغون، في مارس/آذار 2026، أن تكون الإدارة بصدد إجراء تدريبات لغزو كوبا أو تستعد فعلياً لعمل عسكري للسيطرة على الجزيرة.

تفويض ضروري
وبعد وقت قصير من نشر تقرير "زيتيو"، أعلن السيناتور تيم كين (ديمقراطي- فرجينيا) عزمه طرح مشروع قرار يتعلق بصلاحيات الحرب للتصويت في مجلس الشيوخ، بهدف منع الإدارة من الإقدام على أي عمل عسكري ضد كوبا دون تفويض صريح من الكونغرس.
وكان كين،الذي شدد على أن "تغيير النظام في كوبا لا ينبغي أن يكون أولوية للولايات المتحدة"، قد وجّه في وقت سابق من الشهر الجاري رسالة موقعة من 51 عضوا آخر في الكونغرس إلى ترامب، انتقدوا فيها استمرار الحصار الأميركي على إمدادات الوقود إلى كوبا.
وجاء في الرسالة أن هذه السياسات "نقلت -عبر تسريع انهيار قطاع الطاقة- مسؤولية معاناة كوبا من حكومتها إلى الولايات المتحدة بشكل مباشر".
في المقابل، كثّف الرئيس الكوبي حضوره الإعلامي داخل الولايات المتحدة مؤخرا، مجددا تأكيده تفضيل الحوار والتعاون مع واشنطن، لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن كوبا ستدافع عن نفسها في حال التعرض لهجوم عسكري.
وقال في مقابلة مع شبكة (NBC) الأميركية: "إذا كان علينا أن نموت، فسنموت".
وفي غضون ذلك، تتزايد الذرائع التي تُستخدم لتبرير استمرار التصعيد الأميركي ضد الجزيرة -وفق التقرير- فقد أفاد موقع "أكسيوس" بأن إدارة ترامب أبلغت الكونغرس باعتقادها تورّط الحكومة الكوبية في إرسال ما يصل إلى 5 آلاف جندي لدعم روسيا في حربها بأوكرانيا، وهو اتهام تنفيه هافانا بشدة.
وأوضح تقرير من خمس صفحات غير مخصص للنشر العام أن "السجلات العامة لا تثبت أن هافانا أرسلت رسميا جميع المقاتلين الكوبيين، غير أن هناك مؤشرات قوية على أن النظام كان على علم بتدفقهم، أو تغاضى عنه، أو سهّله بصورة انتقائية".
وكان دبلوماسيون أميركيون قد روّجوا، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لرواية تفيد بأن كوبيين سعوا، في ظل أزمة إنسانية مستمرة، إلى فرص اقتصادية في الخارج، بما في ذلك السفر إلى روسيا دون تأشيرة.
وأضافت تلك الرواية أن هؤلاء الكوبيين يقاتلون في أوكرانيا، وذلك في سياق حشد المعارضة لقرار الأمم المتحدة السنوي الذي يدين الحظر التجاري الأميركي المستمر منذ 66 عاما.

انفراجة مؤقتة
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع ما تردد عن استعدادات لعمليات عسكرية محتملة ضد كوبا، رغم مؤشرات على تخفيف نسبي للتوتر في أواخر مارس/آذار.
ففي ذلك الوقت، سمحت الولايات المتحدة لناقلة نفط روسية بالرسو في ميناء ماتانزاس محمّلة بنحو 730 ألف برميل من الخام، ما منح الجزيرة متنفسا مؤقتا في أزمة الطاقة. كما أفرجت كوبا لاحقا عن 2010 سجناء، في أكبر عملية عفو جماعي منذ أكثر من عقد.
وفي سياق متصل، وبعد سماح هافانا لمسؤولي السفارة الأميركية باستيراد الوقود اللازم لعملياتهم، أبحرت ناقلة نفط روسية أخرى -"يونيفرسال"، التابعة لشركة "سوفكومفلوت" الحكومية والخاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية- باتجاه البحر الكاريبي، بعد عبورها القناة الإنجليزية، على أن تصل إلى كوبا في 29 أبريل/نيسان.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال وجوده في الصين أخيرا التزام بلاده بمواصلة تزويد كوبا بالنفط في إطار ما وصفه بالمساعدات الإنسانية.
ويُستخدم هذا الوقود حاليا لإعادة تشغيل توليد الكهرباء عبر سفينتي طاقة عائمتين تركيتين قبالة السواحل الكوبية، كانتا قد غادرتا الجزيرة العام الماضي بسبب ارتفاع التكاليف ونقص الوقود، وفقا لما ذكرته شركة "كارادينيز القابضة" المشغّلة لهما.
وبحسب "ريسبونسبل ستيتكرافت"، فقد جاءت الموافقة على شحنات الوقود الروسي في أعقاب خطوات أميركية هدفت إلى السماح ببيع الوقود للقطاع الخاص الكوبي وتعزيز المساعدات الإنسانية للمناطق الشرقية المتضررة من الأعاصير.
وفي المقابل، أفرجت كوبا عن سجناء سياسيين بوساطة الفاتيكان، وخففت القيود على المشاريع الخاصة، وسمحت للأميركيين من أصل كوبي بامتلاك الشركات والاستثمار فيها داخل الجزيرة دون اشتراط الإقامة.
في الوقت ذاته، جدّد مسؤولون كوبيون دعوتهم الولايات المتحدة إلى الانخراط في التحول الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
وفي هذا السياق، أعلنت هافانا تحرير النظام الزراعي الحكومي، وتوسيع اللامركزية في الإدارة العامة، وإتاحة فرص أوسع للحصول على العملات الأجنبية عبر المؤسسات المالية المملوكة للدولة، رغم أن تفاصيل التنفيذ ونطاق هذه الإجراءات لا تزال غير واضحة.

معضلة روبيو
ونقلا عن مسؤولين في إدارة ترامب، أفادت وكالة "مارتي نوتيسياس" التابعة للحكومة الأميركية هذا الأسبوع بأن حفيد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو وحارسه الشخصي -اللذَين التقيا بمبعوثي وزارة الخارجية الأميركية في فبراير/شباط- حاولا إيصال رسالة رسمية تحمل شعار الحكومة الكوبية إلى الرئيس ترامب عبر وسيط من القطاع الخاص.
وأضافت الوكالة أن هذا الوسيط قيل إنه أُعيد إلى الجزيرة لأنه غير معتمد رسميا.
وتشير المعطيات إلى أن هذه المحاولة التي لم تحظ بتغطية في وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية، هدفت إلى الوصول المباشر إلى ترامب متجاوزة وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه الداعمة منذ فترة طويلة لتغيير النظام في هافانا.
ويُذكر أن روبيو كان قد اعتبر أن الإصلاحات التي أعلنتها كوبا غير كافية، داعيا إلى تحول سياسي واقتصادي شامل في الجزيرة.
وفي ظل تعثر المسار الدبلوماسي بين البلدين، قد تمثل التهديدات المتجددة بعمل عسكري أميركي ضد جزيرة صغيرة قبالة السواحل الأميركية محاولة لصرف الانتباه عن تداعيات الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط.
هذا الانخراط الذي أسفر عن مقتل أكثر من 12 جنديا أميركيا، وارتفاع ملحوظ في أسعار الوقود خلال عام انتخابي، إلى جانب تراجع توقعات النمو الاقتصادي بما قد يقود إلى ركود عالمي. وفق المجلة.
وفيما لم يحسم ترامب بعد قراره بشأن اللجوء إلى عمل عسكري ضد كوبا -ولا تزال الإستراتيجية طويلة الأمد لإدارته تجاه الجزيرة غير واضحة- فإن بعض أعضاء الكونغرس لا يعتزمون الانتظار إلى حين وقوع أي ضربة.
وقال كين: "لو كانت دولة أخرى تعرقل وصول الولايات المتحدة إلى النفط، كما تفعل إدارة ترامب مع كوبا، لاعتبر الأميركيون ذلك عملا حربيا. هذه الحروب -بما في ذلك أي هجوم جديد على كوبا- غير قانونية من دون تصويت الكونغرس".

















