من تشكيل العالم لإدارة الصراعات.. كيف تغير التفكير الإستراتيجي الأميركي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تحت عنوان "إعادة التوازن أم الانهيار؟ عندما يصبح الاحتواء فخاً"، سلّط موقع أفغاني الضوء على سياسة "إعادة التوازن" التي انتهجتها الولايات المتحدة في شرق آسيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا، بهدف تجنّب الصراع المباشر، لكنها وجدت نفسها تنزلق نحو "التدخل القسري".

ورأى موقع "8 صبح" المعارض لحركة طالبان أن ذلك يُعدّ دليلاً على "فشل الإستراتيجية الأميركية" و"تآكل النظام القائم"، وبداية مرحلة خطيرة من "الاضطراب الانتقالي".

تفويض مدروس

وأشار المقال إلى أن "المقامرة الجيوسياسية للولايات المتحدة في آسيا، المتمثلة في الانسحاب من أفغانستان، لم تنجح في تحقيق النتائج المرجوة، خلافا للتوقعات".

فبحسب وجهة نظره، "سعت واشنطن، من خلال تسليم أفغانستان إلى طالبان وإدارة حالة الفوضى، إلى تحويل هذا البلد إلى بؤرة لاستنزاف ثلاثة من أبرز منافسيها -الصين وروسيا وإيران- على أمل إبقائهم منشغلين في محيطهم الإقليمي قبل أن تصّعد روسيا تحركاتها في أوكرانيا، وإيران في الشرق الأوسط، والصين في شرق آسيا، غير أن هذه الخطة لم تعمل كما كان متصورا".

ووفق تقديره، "طُرحت هذه الخطوة -في الظاهر- باعتبارها "إعادة توازن"، لكنها في الواقع كانت اعترافا ضمنيا بنهاية مرحلة تاريخية؛ مرحلة كانت الولايات المتحدة قادرة فيها على بناء النظام الدولي، وخوض الحروب، والحفاظ على هيمنتها الليبرالية في آن واحد".

وتابع: "ولا يقتصر الاختلاف بين هذا النهج والإستراتيجيات السابقة على تغيير ساحة التحرك فحسب، بل يمتد إلى تحول في الذهنية الأميركية ذاتها: من (إعادة تشكيل العالم وفق رغبتها) إلى (إدارته من مسافة آمنة)".

وأوضح المقال الفرق بين المنهجين: "في الإستراتيجية السابقة، تمثل التهديد الرئيس في الفاعلين من غير الدول، مثل الإرهاب والتطرف والدول الهشة أو المنهارة".

وأردف: "أما في إطار "إعادة التوازن"، فقد عاد التهديد إلى طبيعته الكلاسيكية، متمثلا في القوى الكبرى، وهو ما يعني العودة إلى منطق المنافسة الصلبة".

ونتيجة لذلك، يرى أن "جغرافيا التهديد تغيرت أيضا؛ إذ تراجع التركيز على غرب آسيا لصالح شرق آسيا، حيث يتشكل مستقبل توازن القوى العالمي".

واستدرك: "غير أن هذا التحول لا يبدو مجرد إعادة توزيع محسوبة للموارد، بقدر ما يمثل مقامرة جيوسياسية محفوفة بالمخاطر".

وعزا ذلك إلى أنه "لا يمكن عد الانسحاب من أفغانستان مجرد تراجع، بل هو أقرب إلى "تفويض مدروس لعدم الاستقرار"، في محاولة لإغراق المنافسين في بيئاتهم الإقليمية".

وأضاف: "يقوم هذا المنطق على فرضية بسيطة: إذا انشغل المنافسين بصراعاتهم، تقل الحاجة إلى الوجود المباشر، لكن في هذه النقطة تحديدا، تنفصل النظرية عن الواقع".

إذ يرى المقال الأفغاني أن "عدم الاستقرار، على عكس ما يُتصور، ليس أداة يمكن التحكم بها بسهولة".

وتابع موضحا: "كان من المفترض أن تتحول أفغانستان إلى مصدر تهديد أمني للآخرين، لكنها عمليا أصبحت موجة من عدم الاستقرار الإقليمي عابرة للحدود".

واستطرد" "وبدلا من احتواء المنافسين، نشأت بيئة انخرط فيها جميع الفاعلين، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها".

بمعنى آخر، "استندت إستراتيجية "إعادة التوازن" إلى افتراض مفاده أن الولايات المتحدة قادرة على النأي بنفسها عن الصراعات المكلفة، والتركيز على احتواء الصين".

"غير أن تطورات الميدان سارت في اتجاه مختلف؛ إذ تحولت الحرب في أوكرانيا إلى نزاع استنزافي طويل الأمد، ما أدى إلى استنزاف الموارد العسكرية والسياسية الأميركية وإبقائها منخرطة في شرق أوروبا"، وفق المقال.

العقدة الثالثة

في هذا السياق، أبرز المقال "الشرق الأوسط، لا سيما إيران، بوصفه العقدة الثالثة في هذه المعادلة، ليكشف أن منطق "إعادة التوازن" يواجه اختلالا بنيويا في محاولة احتواء المنافسين بشكل متزامن".

وفسر حديثه: "فكما أدت الحرب في أوكرانيا إلى استنزاف الموارد وتركيز الاهتمام الأميركي، وكما يتطلب التوتر حول تايوان في شرق آسيا حضورا مستمرا ومكلفا، فإن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط -من تصاعد التوترات الإقليمية إلى تعزيز المحاور المتحالفة مع إيران- أعادت هذه المنطقة إلى واجهة الصراع كجبهة نشطة لا يمكن تجاهلها".

ونتيجة لذلك، يعتقد أنه "بدلا من أن تتمكن الولايات المتحدة من نقل أعباء الأزمات إلى منافسيها والحفاظ على تركيزها، وجدت نفسها منخرطة فعليا في ثلاث ساحات متزامنة، شرق أوروبا، والشرق الأوسط، وشرق آسيا

وهو تزامن أزمات يقدر المقال أنه "يقوض الأساس النظري لإستراتيجية (إعادة التوازن)".

وبالانتقال إلى شرق آسيا، قال المقال: "في قلب هذه المعادلة، تبرز تايوان بصفتها النقطة الأكثر حساسية".

وتابع: "فإذا كان شرق آسيا يمثل جوهر الإستراتيجية الجديدة، فإن تايوان تعد شريانها الحيوي".

وعزا ذلك إلى أن "اعتماد الولايات المتحدة التكنولوجي على هذه الجزيرة حوّلها من مجرد قضية جيوسياسية إلى عقدة حيوية في الاقتصاد العالمي، بحيث إن أي اضطراب فيها لن يمثل مجرد خسارة إقليمية، بل صدمة بنيوية تمس مكانة الولايات المتحدة وقدرتها".

انخراط مباشر

وبحسب تقديره، "تكمن المشكلة الأساسية في أن (إعادة التوازن) تقوم على مبدأ (تجنب الانخراط المباشر)، في حين تدفع التطورات الميدانية نحو (الاضطرار إلى التدخل)".

وهنا يلفت المقال إلى "تجلى التناقض الداخلي في هذه الإستراتيجية: فإذا امتنعت الولايات المتحدة عن التدخل، تخاطر بفقدان نفوذها؛ وإذا تدخلت، فإنها تقوض جوهر الاستراتيجية نفسها".

وعلى مستوى أعمق، يرى أن "ما يحدث لا يعكس مجرد إخفاق تكتيكي، بل يشير إلى تآكل نظام دولي بأكمله".

فوفا لها، "بات هذا النظام، الذي أسسته الولايات المتحدة، يتعرض اليوم لضغوط منطق القوة ذاته الذي سعت في السابق إلى احتوائه".

"ومن هنا وصلنا إلى حالة خطيرة من "الاضطرابات الانتقالية"، فلا النظام القديم انهار بالكامل، ولا نظام جديد تبلور ليحل محله"، قال المقال.

أما التحالفات التي كان يُفترض أن تشكل أعمدة هذه الاإستراتيجية، فيقدر المقال أنها "لا تزال تفتقر إلى النضج الكافي، ففي مواجهة منافسة متعددة الجبهات، لا يكفي التنسيق الجزئي أو غير المكتمل".

وأردف: "ومع كل أزمة جديدة -سواء في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا- يتحول العبء من كونه جزءا من خطة إستراتيجية شاملة إلى حمل إضافي يثقل كاهل هذه المنظومة".

في المحصلة، "تتجلى المفارقة الكبرى في "إعادة التوازن" في أنها استراتيجية صُممت لتقليص الالتزامات، لكنها أفضت إلى تعميق الانخراط الأميركي أكثر من أي وقت مضى، فبدلا من إدارة الفوضى، أصبحت الولايات المتحدة نفسها أحد مراكز إنتاجها".

وتوقع المقال أنه "إذا استمر هذا المسار، فإن السؤال الجوهري لن يكون ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على احتواء الصين، بل ما إذا كانت قادرة على تجنب الغرق في تزامن الأزمات".

واستطرد: "وربما عند هذه النقطة تحديدا، سيُعاد تعريف "إعادة التوازن" لا بصفتها حلا، بل كبداية لمرحلة من التراجع التدريجي في الهيمنة الأميركية".