بعد حرب إيران.. هل تعيد أميركا هيكلة نظام عالمي يخدم مصالحها عبر الفوضى المدارة؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يبدو الكثير من تحركات وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للوهلة الأولى، وكأنها فوضوية وتفتقر إلى المنطق الداخلي، بل إن خصومه يروجون لها بوصفها "تخريف رجل مسن".

فالتقلبات الحادة في الخطاب، والتصريحات المتناقضة، والتجاهل الاستعراضي لقواعد التحالف، كلها تعطي انطباعا بالارتجال. 

غير أن موقع "إي أيه ديلي" الروسي يرى أن "هذا الانطباع قد يكون في حد ذاته خطأ في الفهم؛ إذ إن الابتعاد عن التقييمات العاطفية والنظر إلى المشهد في سياقه الديناميكي يكشف صورة مختلفة تماما".

وتابع الموقع المقرب من الكرملين: "فخلف هذه الفوضى الظاهرية تبرز منهجية واضحة، ليست مكتوبة بالضرورة، لكنها مدركة تماما، وهذه المنهجية تشير إلى عملية لا يمكن وصفها إلا بأنها تفكيك تدريجي لنظام التحالفات القديم، وإعادة تشكيل العالم بما يخدم مصالح واشنطن".

ضغط منهجي

وفي هذا الإطار، يعتقد التقرير أنه "حتى التصريحات التي بدت في ظاهرها غير مألوفة، مثل حديث ترامب عن إمكانية فرض السيطرة على جزيرة غرينلاند، تكتسب دلالات مختلفة تماما".

فوفق رأيه، "لا تتعلق المسألة بنزعة جيوسياسية غريبة فحسب، بل إن غرينلاند تابعة للدنمارك، وهي عضو في حلف الناتو، ما يجعل مثل هذه الإشارات بمثابة رسالة مباشرة إلى أوروبا مفادها أن الضمانات لم تعد مطلقة".

كما تعكس -بحسب وجهة نظره- "استعداد للتعامل حتى مع الحلفاء كأهداف للمصلحة وليس كشركاء".

واستطرد: "وبترجمة ذلك إلى لغة إستراتيجية، فإن ما نراه ليس حادثة معزولة، بل جزء من مسار أوسع نحو فك الارتباط مع أوروبا، حيث يحل الحساب محل الثقة".

"بصورة أوسع، وعند النظر إلى ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة في هذا السياق، يتبدد الانطباع بكونه سلسلة من الأحداث العشوائية"، بقول الموقع.

وتابع: "فنحن أمام استهداف ممنهج لعقد رئيسية في منظومة اللوجستيات العالمية: ضربات نالت محطة النفط الإيرانية في جزيرة خرج، ومحاولات لزعزعة عمل موانئ بندر عباس وجاسك الإيرانيتين، إلى جانب حوادث في مياه مضيق هرمز أدت إلى اضطراب حركة الملاحة".

ولفت إلى أنه "بالتوازي مع ذلك، سُجلت اضطرابات في البحر الأسود، شملت هجمات على البنية التحتية لميناء نوفوروسيسك الروسي (الواقع في خليج تسيميش، والذي يعد أحد أكبر الموانئ في حوض البحر الأسود وأهم مركز لتصدير النفط والحبوب الروسية)، وتهديدات للملاحة بمحيط مدينة أوديسا الأوكرانية".

"كما امتدت الضغوط إلى منطقة البلطيق، مع محاولات لاستهداف منشآت التصدير الروسية في ميناء أوست لوغا الروسي، ومخاطر تهدد موانئ بريمورسك التي تؤمن جزءا أساسيا من صادرات النفط والمنتجات النفطية".

وقدر الموقع أنه "مع تراكم هذه الوقائع، يصبح من الصعب عدها أحداثا منفصلة؛ إذ تتضح ملامح ضغط منهجي يستهدف شبكات الطاقة والنقل العالمية".

ونوه إلى أنه "في قلب هذه الصورة، يبرز مسار آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التباعد التدريجي، وإن كان متسقا، بين الولايات المتحدة وأوروبا".

وأردف: "هذا المسار لم ينشأ بشكل مفاجئ، بل بدأ مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض؛ حيث ظهرت منذ ذلك الحين مؤشرات على تحرك أميركي أكثر استقلالية، خاصة في ما يتعلق بمحاولات تسوية الصراع في أوكرانيا، وهي تحركات تجاوزت الأطر التقليدية للتنسيق عبر الأطلسي".

وبحسبه، "بلغت هذه المرحلة ذروتها مع اللقاء الذي جمع ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا".

واستطرد: "آنذاك، ساد انطباع بإمكانية حدوث تقارب في العلاقات الأميركية الروسية، لا سيما في ظل النقاشات حول تسويات محتملة في الملف الأوكراني".

واستدرك: "غير أن هذا التقارب قوبل برفض حاد في العواصم الأوروبية، من برلين إلى باريس وبروكسل؛ حيث لم يُنظر إليه كخطوة نحو خفض التوتر، بل كإشارة مقلقة إلى أن القرارات الكبرى قد تُتخذ دون إشراك أوروبا فيها، وكانت تلك هي الشرارة الأولى".

بل ويرى الموقع أن "الأحداث اللاحقة -سواء المتعلقة بفنزويلا بهدف السيطرة على قطاع الطاقة هناك، أو ما تلاها تجاه إيران- أكدت أننا لسنا أمام دبلوماسية وليدة اللحظة، بل أمام إستراتيجية متسقة".

"وفي هذه الإستراتيجية، يبدو حتى التقارب مع روسيا وسيلة وليس غاية؛ فهو ليس مطلوبا لذاته، بل كأداة لإعادة تشكيل العلاقة مع أوروبا". على حد قوله.

وفي هذا السياق، لفت الموقع إلى أن "المواجهة الكلامية التي دارت بين ترامب ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي خلال زيارة الأخير إلى البيت الأبيض تكتسب أيضا دلالات مختلفة تماما".

ووفق تفسيره، فإنه "ما بدا على السطح وكأنه خلاف عفوي، وانفلات عاطفي، وتعبير عن توتر شخصي، يغفل وضع هذا الحدث ضمن السياق الأوسع".

ففي قراءة مغايرة، يعتقد التقرير أنه "لا يُستبعد أن يكون ما جرى مشهدا سياسيا مُعدا بعناية، أقرب إلى عرض علني، أدى فيه زيلينسكي دور القائد الجريء، بل المندفع، القادر على معارضة رئيس الدولة التي تُعد الداعم الرئيس لأوكرانيا في مواجهة روسيا".

وبحسب تحليله، "يخدم هذا المشهد عدة أهداف في آن واحد، فمن جهة، يسهم في ترسيخ صورة استقلالية القرار الأوكراني أمام الداخل والخارج الأوروبي، بما يوحي بأن كييف لا تخضع لإملاءات واشنطن".

"ومن جهة ثانية، يمنح الولايات المتحدة مساحة للابتعاد عن مسار التصعيد، عبر الإيحاء بأن أوكرانيا تتحرك خارج سيطرتها المباشرة"، وفق رأيه.

واستطرد: "وأخيرا، يندرج هذا ضمن توجه أوسع نحو تمييع المسؤوليات وإعادة تعريف الالتزامات بين الحلفاء".

أداة تأثير

وفي هذا الإطار، قدر الموقع أن "التساؤل حول أهداف الولايات المتحدة تجاه إيران يكتسب بعدا مختلفا".

وتابع: "فلو كان الهدف الحقيقي هو تحقيق (نصر) حاسم، لبدت الوقائع على نحو مغاير تماما".

واستدرك: "إلا أن المعطيات تشير إلى عكس ذلك: إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا العمليات العسكرية في وقت كانت فيه المفاوضات جارية، وكانت إيران تقدم تنازلات ملموسة في ملفها النووي".

وأضاف: "كما أن الضربات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك التهديد بتدمير قدرات التصدير في جزيرة خرج، إلى جانب تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، لا تعكس سعيا لتحقيق حسم عسكري، بقدر ما تمثل أداة ضغط إستراتيجية".

وبحسب وجهة نظره، "فالهدف الأساسي، وفق هذا المنظور، هو إحداث اضطراب في سوق النفط والغاز العالمية، ورفع الأسعار بشكل مصطنع لتحقيق مكاسب اقتصادية، وليس تحقيق انتصار عسكري مباشر".

وأردف: "وهكذا، تتحول إيران إلى ترس في آلية أوسع؛ أداة للتأثير على سوق الطاقة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الأوروبي".

وفي الوقت ذاته، "يتواصل المسار الأوكراني؛ حيث تسهم الضربات على البنية التحتية الروسية، من المناطق الحدودية وصولا إلى منشآت البلطيق، بما في ذلك أوست-لوغا، في زيادة الضغط على منظومة التصدير الروسية".

بناء عليه، قدر التقرير أن الأمر "لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح جزءا من إستراتيجية تهدف إلى تقييد القدرات الاقتصادية وتقليص هامش المناورة".

وفي ظل هذه المعطيات، لفت إلى "ظهور سيناريو لا يُطرح علنا بكثرة، لكنه يبدو منطقيا في ضوء تداخل هذه المسارات.

ووفقا له، "يتمثل هذا السيناريو في احتمال جرّ أوروبا تدريجيا إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، ليس عبر خطوة واحدة مفاجئة، بل من خلال مسار تصاعدي يبدأ بالضغوط والعقوبات، ثم يتطور إلى استهداف البنية التحتية، فتعزيز الحضور العسكري، وصولا في نهاية المطاف إلى احتكاك مباشر".

وفي هذا السيناريو، لا تكمن الأهمية - وفق التقرير- في وقوع الصراع بحد ذاته، بل في موقع الولايات المتحدة منه.

وتابع موضحا: "فهنا تحديدا تتضح ملامح منطق تفكيك الالتزامات داخل حلف الناتو، وعندما يتحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقابلة مع قناة الجزيرة عن احتمال إعادة النظر في العلاقات مع الحلف، فإن ذلك لا يبدو مجرد رد فعل عاطفي، بل أقرب إلى تثبيت مسار جديد".

واستطرد: "إنه مسار قد لا يكون مؤطرا قانونيا بشكل صريح، لكنه يُنفذ سياسيا على أرض الواقع".

ونظر الموقع إلى هذا السيناريو بصفته "منطقيا وواضحا إلى حد كبير، ففي حال اندلاع مواجهة مباشرة بين أوروبا وروسيا، فإن الموقع الأكثر فائدة هو موقع (المراقب الخارجي) الذي يسيطر على التداعيات الاقتصادية، دون أن يكون مقيدا بالتزامات صارمة".

ومن هنا، يتصدر ملف الطاقة المشهد، "فحالة الفوضى في الشرق الأوسط، والقيود المفروضة على روسيا في المسارات الجنوبية، والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، والضغوط على مصادر بديلة مثل فنزويلا، كلها عوامل تخلق وضعا تجد فيه أوروبا نفسها أمام خيارات متضائلة للحصول على موارد الطاقة".

وأكمل: "وفي هذا السياق، لا يُعد ابتعاد الولايات المتحدة عن الأطر التحالفية الصارمة سعيا إلى العزلة، بل محاولة لتوسيع هامش المناورة، والبقاء فوق ساحة الصراع، دون التحول إلى طرف مباشر فيه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على القدرة على التأثير في مجرياته".

مكاسب متعددة

من زاوية تحليلة أوسع، يرى التقرير الروسي أن هذه المقاربة تمثل مصدرا لعدة مكاسب إستراتيجية في آن واحد.

وقال: "أولا، على الصعيد الاقتصادي، ستجد أوروبا نفسها، في ظل الصراع، أمام عجز في الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وتراجع صناعي تدريجي".

وهو ما يعتقد الموقع أنه "سيحول الولايات المتحدة من مجرد مورد إلى مصدر شبه وحيد ومستقر للطاقة، بما يعنيه ذلك من زيادة في العائدات، وتدفق رؤوس الأموال، ونقل بعض الأنشطة الصناعية إليها".

أما على المستوى السياسي، فتوقع أن "يؤدي ضعف أوروبا واعتمادها المتزايد إلى تقليص استقلاليتها الإستراتيجية بشكل كبير، ما قد يضعها عمليا تحت مستوى أعلى من السيطرة غير المباشرة، اقتصاديا وسياسيا".

وفي الصعيد الجيوسياسي، أشار إلى أن "انخراط روسيا في مواجهة ممتدة مع أوروبا من شأنه أن يستنزفها اقتصاديا وعسكريا، وهو ما يقلص، على المدى البعيد، قدرتها على لعب دور شريك محتمل في ترتيبات دولية أوسع".

"وإذا ما نُظر إلى المشهد من هذه الزاوية، فإن الأجواء السياسية الداخلية في الولايات المتحدة تكتسب دلالات مختلفة تماما"، قال الموقع.

وتابع: "فرغم حدة العداء الظاهر بين ترامب وسلفه جو بايدن والحزب الديمقراطي، إلا أن هناك خيطا واضحا من الاستمرارية في السياسة الجيوسياسية الأميركية".

وأضاف: "خلقت الهجمات الأولى على الديمقراطيين في بداية عهد ترامب وهما بحدوث تغيير جذري في المسار، وكأن الإستراتيجية السابقة يتم التخلي عنها بالكامل".

ووفقا له، فإن "هذه الفوضى نفسها تتحول إلى أداة تتيح لواشنطن البقاء فوق ساحة الصراع، وإدارة التفاعلات بما يحقق أقصى قدر من المكاسب".

ومن ثم، خلص الموقع الروسي إلى استنتاج مفاده أن "الأفعال التي تبدو غير عقلانية من جانب ترامب تلتحم لتشكل خطا واحدا متسقا؛ حيث يجري تقويض النظام العابر للأطلسي القائم على القواعد الواضحة والضمانات المتبادلة بشكل متعمد".

وتابع: "من الواضح أن المنظومة العابرة للأطلسي، التي قامت على قواعد مستقرة والتزامات واضحة وضمانات متبادلة، تتعرض اليوم لعملية تفكيك ممنهجة".

واستطرد: "لم تعد القوة تقاس بالقدرة على فرض الاستقرار، بل بالقدرة على إدارة الفوضى والتحكم في مساراتها".

والمفارقة -بحسب التقرير- أن "تفكيك هذا النظام الدولي يجري على يد أبرز المستفيدين منه سابقا، في وقت فقد فيه بعضا من مزاياه التنافسية مع تنامي العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين والاتحاد الأوروبي".

وعليه، يرى أن "السؤال المطروح لم يعد هو ما إذا كانت واشنطن بصدد تبني إستراتيجية جديدة، بل ما إذا كان العالم، الذي نشأ على قواعد قديمة، قادرا على التكيف مع واقع تتغير فيه المعادلات باستمرار، حيث تحل الفوضى المُدارة محل القدرة على التنبؤ، وتُستبدل الضمانات التقليدية بمرونة إستراتيجية مفتوحة".