في ظل إعادة تشكيل الحكومة العراقية.. إلى أين يتجه مستقبل كركوك؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

محافظة كركوك التي تعد مركزا هشا ذا أهمية إستراتيجية في خريطة الطاقة في العراق، تقع في نقطة تلتقي فيها التوازنات العرقية والمذهبية والسياسية في البلاد بشكل مكثف. 

ولهذا، نشر مركز "أورسام" التركي مقالا للكاتب سلجوق باجالان، ذكر فيه أن "كل تغيير إداري يحدث في كركوك يحمل في طياته مؤشرات مهمة تتجاوز الإطار المحلي، لتقدم دلائل على بنية العراق السياسية العامة وعلى التوازنات الإقليمية"".

مسار التنمية 

وقال الكاتب التركي: إن تعيين محافظ تركماني في كركوك (محمد سمعان آغا)، ضمن نموذج التناوب على المناصب، قد جاء في توقيت بالغ الأهمية، ففي 16 أبريل 2026، تم هذا التغيير في فترة تتزامن مع انتخاب رئيس الجمهورية في العراق. 

وبحسب الدستور، يجب أن يتم تكليف مرشح رئاسة الوزراء من قبل أكبر كتلة برلمانية خلال 15 يوما من انتخاب الرئيس، مما يجعل هذه الفترة منعطفا حاسما في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

بناء على ذلك، لا يمكن رؤية منصب المحافظ في كركوك كاتفاق محلي فقط، بل هو جزء من تحولات أوسع في المشهد السياسي العراقي؛ حيث تتقدم بالتوازي مع إعادة بناء الحكومة المركزية.

ويرى باجالان أن هذه الخطوة قد تفتح فرصا حقيقية لتحسين الوضع الاقتصادي والخدمي في المحافظة".

وشدد على أنه “بعد سنوات من التراجع في التنمية، تعاني كركوك من اختلالات بنيوية في البنية التحتية، وضعف في الخدمات العامة، وارتفاع في معدلات البطالة، خصوصا بين الشباب”.

وأضاف أن "هذا التحول قد يسهم في تعزيز حضور المكون التركماني في مواقع القرار المحلي، وهذا الحضور قد يؤثر على ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار، بحيث تُعاد توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إلحاحا، ومن هنا، يصبح هذا التغيير جزءا من ديناميكية سياسية واقتصادية أوسع".

ولفت باجالان إلى أن نجاح كركوك في استثمار هذه الفرصة يعتمد على التنسيق السياسي والإداري، وعلى قدرة المكوّنات على تحقيق تعاون ملموس، وفي حال استثمار هذه الديناميكيات بالشكل الصحيح، يمكن أن تتحول كركوك إلى نموذج تنموي متكامل.

وأردف الكاتب التركي بأن "مسار تشكيل الحكومة العراقية وانتخاب رئيس الوزراء يمثّل محطة مفصلية، تمتد آثارها لتشمل البنية الاقتصادية والإدارية للدولة بأكملها".

وفي 27 أبريل/ نيسان 2026، كلّف الرئيس العراقي نزار آميدي، علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب توافق "الإطار التنسيقي"، الكتلة النيابية الأكثر عددا، على ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء.

امتداد تاريخي

وفي هذا السياق، تبرز محافظة كركوك كنقطة اختبار مركزية لقياس قدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية؛ خصوصا في ظل تداخل العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمتها الدوران العراقي والتركي في هذه المعادلة.

واستدرك الكاتب أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق يتمثل في التعثر المزمن في إقرار وتنفيذ الموازنة الاتحادية، وهو تعثر لم يعد مجرد إشكال تقني، بل تحول إلى أزمة بنيوية تؤثر على فعالية الدولة. 

ورأى أن عدم القدرة على إقرار موازنة مستقرة خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من تعطّل في موازنة 2025 وعدم وضوح مسار موازنة 2026، أدى إلى حالة من الجمود الاقتصادي انعكست بشكل مباشر على المحافظات، وعلى رأسها كركوك.

وفي هذا الإطار، فإن تشكيل حكومة جديدة في بغداد لا يعدّ تغييرا سياسيا فقط، بل هو شرط أساسي لإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية للدولة.

وذكر باجالان أن “إعادة طرح الموازنة الاتحادية وإقرارها ستكون من أولويات الحكومة القادمة؛ لأنها تمثل الأداة الرئيسة لإعادة توزيع الموارد المالية بين المركز والمحافظات”. 

واستدرك: “من دون هذا الإجراء، تبقى الحكومات المحلية مقيدة بقدرات مالية محدودة تعيق تنفيذ أي مشاريع تنموية حقيقية”.

وأشار الكاتب إلى أن “فهم مستقبل التنمية في كركوك لا يكتمل دون إدراج العامل التركي كعنصر إقليمي فاعل في المعادلة العراقية، لا سيما فيما يتعلق بملف التركمان”. 

وأوضح أن المكوّن التركماني في العراق من منظور أنقرة يعد امتدادا تاريخيا وثقافيا، وهو ما ترجم خلال العقود الماضية إلى دعم سياسي وثقافي مستمر، وإن كان في الغالب ضمن أطر تقليدية وغير مؤسسية بالكامل.

الدور التركي

ولفت باجالان إلى أن "التحول الأكثر أهمية يتمثل في ارتفاع مستوى التمثيل التركماني داخل إدارة كركوك، وأن هذا الازدياد قد يفتح الباب أمام انتقال الدور التركي من الدعم السياسي العام إلى شراكة أكثر تنظيما ومأسسة في المجال التنموي والاقتصادي”. 

وتابع: “أي أن العلاقة لم تعد محصورة في البعد الرمزي أو السياسي، بل مرشحة للتوسع نحو مشاريع ملموسة على الأرض”.

وقال باجالان: “وبذلك، يمكن أن يشمل الدور التركي المحتمل في المرحلة المقبلة مشاركة أوسع من قبل البلديات التركية، ومنظمات المجتمع المدني، وبعض المؤسسات الحكومية؛ حيث سيكون ضمن إطار تنفيذ مشاريع داخل كركوك، خصوصا في قطاعات البنية التحتية والتعليم والصحة”. 

وذكر أن “هذا يعني عمليا توسيع دائرة التأثير من مستوى الدعم غير المباشر إلى مستوى التنفيذ والمساهمة الفعلية في التنمية المحلية”.

ولفت الكاتب النظر إلى “السيناريو الدائر حول تبلور هذا المسار بشكل منظم ومستقر، ففي حال نجاح هذا الأمر، فإن العلاقة بين العراق وتركيا سيُعاد صياغتها، وستنتقل من مجرد تعاون سياسي تقليدي إلى نموذج شراكة تنموية عملية أكثر عمقا وتأثيرا”. 

وأوضح أنه “بدل أن تبقى العلاقة محصورة في الأطر الدبلوماسية أو التنسيقية العامة، يمكن أن تتجه نحو تعاون قائم على المشاريع والنتائج الملموسة على الأرض”. 

ومن شأن هذا التحول أن يعزز مستويات الاندماج الاقتصادي بين البلدين، عبر فتح المجال أمام استثمارات ومشاريع مشتركة طويلة الأمد في قطاعات حيوية. 

كما أن انعكاساته قد تكون أوضح في مناطق حساسة مثل كركوك؛ حيث يمكن أن يسهم هذا النوع من الشراكات في دعم الاستقرار المحلي وتسريع وتيرة التنمية، يقول باجالان.

وأضاف “قد لا يقتصر أثر هذا المسار على البعد المحلي فقط، بل قد يمتد ليُؤثر على طبيعة العلاقات الإقليمية ككل، من خلال إعادة تعريف دور تركيا الاقتصادي والتنموي داخل العراق، وتحويله إلى عامل استقرار وتنمية بدل أن يبقى محصورا في البعد السياسي التقليدي”.

وأشار الكاتب إلى أن “التغيير الجاري في كركوك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل الدولة العراقية، فالمحافظة تمثل نموذجا مصغرا للتعددية العراقية بكل تعقيداتها، حيث تتداخل الهويات القومية والمذهبية مع المصالح الاقتصادية والسياسية”.

وتابع: “من هذا المنطلق، فإن نجاح أي نموذج إداري أو تنموي في كركوك قد يشكل مرجعا يمكن تعميمه على محافظات عراقية أخرى”.