زيلينسكي يلتقي الشرع في أول زيارة إلى دمشق.. ماذا دار بينهما؟

"تحاول أوكرانيا تحويل حربها مع روسيا إلى رصيد سياسي وأمني واقتصادي يمتد إلى الشرق الأوسط"
وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 5 أبريل/نيسان 2026 إلى سوريا في أول زيارة رسمية له إلى البلاد، حيث التقى في دمشق بالرئيس أحمد الشرع.
وكان الرئيسان قد التقيا للمرة الأولى في سبتمبر/أيلول 2025، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وقّع وزيرا خارجية البلدين آنذاك بيانًا مشتركًا بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وبالتوازي مع اللقاء الثنائي، عُقد اجتماع ثلاثي ضم أوكرانيا وسوريا وتركيا، بمشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، حيث ناقشت الأطراف سبل تطوير العلاقات في مختلف المجالات، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني والتجاري.
وفي السياق ذاته، شهدت دمشق اجتماعًا ثلاثيًا جمع الدول الثلاث بحضور هاكان فيدان، استعرضت خلاله الأطراف آفاق توسيع التعاون في شتى القطاعات، مع التركيز بشكل خاص على الجوانب الأمنية والتجارية المشتركة.
وفي هذا الإطار، أشارت مجلة "إيبوك" العبرية إلى أن زيارة زيلينسكي قُدمت رسميًا على أنها خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني واللوجستي.

فجوة رسمية
من جهته، شدد مكتب الرئاسة الأوكرانية على أهمية المباحثات المتعلقة بالتعاون الأمني، مبرزًا دور أوكرانيا بوصفها موردًا موثوقًا للغذاء، إلى جانب بحث فرص الشراكة في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
فيما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" تصريحات الشرع حول تعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع الشراكات الدولية لسوريا.
كما تناولت الوكالة الاجتماع الثلاثي مع تركيا بطابع فني وتقني، مع التركيز على ملفات الأمن والتجارة والخدمات اللوجستية والممرات البحرية.
واستدركت المجلة الإسرائيلية بالقول: "إلا أن الفجوة بين هذه اللغة الرسمية وبين التفسيرات التي قدمها الإعلام العربي هي ما قد يجعل الزيارة أكثر أهمية".
وتابعت: "فقد ذكرت صحيفة (المدن) اللبنانية، وهي من أبرز المنصات التي حللت الزيارة بعيدا عن البيانات الرسمية، أن أوكرانيا ترى في التصعيد الإقليمي الحالي فرصة لضرب شبكة علاقات روسيا في الشرق الأوسط".
وبحسب بعض المحللين، فإن "كييف تلمس فرصة لاستغلال الاضطرابات الإقليمية لتقليص مساحة الحركة الروسية، بينما تبحث دمشق عن بديل لروسيا في مجالات التسليح وإعادة تأهيل الترسانة العسكرية القديمة روسية الصنع".
مشيرين إلى أن سوريا بـ "حاجة إلى طائرات مسيرة وتقنيات منخفضة التكلفة وقدرات في الحرب الإلكترونية، وبالأخص الخبرة الأوكرانية في التعامل مع الطائرات المسيرة الإيرانية".
وفي ذات التقرير، أوردت "المدن" رؤية الأكاديمي والمستشار السياسي باسل الحاج جاسم، الذي رأى أن كييف "بحاجة لكسر عزلتها خارج الإطار الأوروبي، خاصة بعدما دخلت حربها مع روسيا مرحلة استنزاف طويلة الأمد".
ويرى جاسم أن أوكرانيا "تسعى لإثبات قدرتها على التحرك في مناطق كانت تعد حتى وقت قريب مناطق نفوذ روسية، وفي الوقت نفسه التأثير على مواقف الدول التي لم تتخذ بعد خطا واضحا".
ومع ذلك، شدد على أن "الأمر في هذه المرحلة يعد بمثابة (تبادل رسائل) ومصالح ظرفية أكثر من كونه اختراقا فوريا".

تقاطع مصالح
وتحت عنوان "ظل أردوغان الواضح على زيارة زيلينسكي لدمشق"، أبرزت "المدن" في تقرير آخر دور تركيا المحوري في اللقاء.
وأشارت الصحيفة إلى أن وصول زيلينسكي إلى دمشق برفقة وزير الخارجية التركي يؤكد أن الزيارة "تمثل امتدادا مباشرا لزيارته إلى أنقرة في اليوم السابق".
ومن جانبه، قال المحلل الأوكراني فيتالي بورتنيكوف: إن "حضور فيدان يعكس اهتماما مشتركا بين تركيا وأوكرانيا باستقرار الشرق الأوسط كجزء من الاستقرار العالمي الشامل".
وبحسب قوله، "تحمل الزيارة دلالات رمزية وعملية في آن واحد؛ فهي رمزية لأن أوكرانيا تهتم بمأسسة علاقات مع سوريا التي كانت حليفا وثيقا لموسكو".
وتابع: "سوريا تسعى لحماية استقرارها في ظل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران وحليفتها روسيا من جهة أخرى، خاصة أن روسيا لا تزال تمتلك قواعد عسكرية في سوريا".
وتقاطع هذا الطرح مع ما نشرته صحيفة "الحرية" السورية، التي أكدت أن الزيارة تعكس "نقطة التقاء مصالح" جديدة بين دمشق وأنقرة وكييف.
وصرح الدكتور ذو الفقار عبود، الخبير في العلاقات الدولية بجامعة اللاذقية، للصحيفة بأن "التقارب السوري الأوكراني يستند إلى مسار تراكمي بدأ بلقاء الرئيسين في نيويورك واستمر باستئناف العلاقات الدبلوماسية".
ووفقا لرؤيته، "تهدف الزيارة الحالية لترسيخ تحالفات سوريا الجديدة، حيث تلعب تركيا دور الوسيط والضامن للتوازن في عملية التقارب بين دمشق وكييف، مما يعكس تحولا أعمق يتمثل في بحث سوريا عن روابط أقوى مع الغرب وحلفائه الإقليميين".
وفي جانب آخر، قدمت صحيفة "الحرية" تحليلا اقتصاديا أكثر وضوحا مما عرضته "المدن"، حيث ذكر الخبير الاقتصادي سامر رحال أن سوريا تعمل حاليا وفق مبدأ (الاقتصاد أولا)".
وأردف: "وأن أوكرانيا تمثل شريكا منطقيا للغاية في مجال الأمن الغذائي بفضل مكانتها كواحدة من أبرز مصدري القمح في العالم".
مضيفا أن "التعاون مع كييف قد يمتد ليشمل الفوسفات والصناعة وإدارة أزمات الطاقة".
وفي مقال إضافي بذات الصحيفة، كتب الباحث باسل كويفي أننا أمام "نقطة تحول" في إعادة تموضع سوريا، مؤكدا أن الجمع بين الحضور التركي والانفتاح على أوكرانيا ودخول لاعبين اقتصاديين جدد قد يمنح دمشق غطاء سياسيا وإشارة إيجابية للمستثمرين.
وفي المحصلة، ترى المجلة العبرية أن "القراءات العربية لزيارة زيلينسكي إلى دمشق تتقاطع عند ثلاث رسائل رئيسة: أولا، تسعى سوريا الجديدة إلى توسيع هامش حركتها الدولية بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على روسيا".
واستطرد: "ثانيا، تحاول أوكرانيا تحويل حربها مع روسيا إلى رصيد سياسي وأمني واقتصادي يمتد إلى الشرق الأوسط؛ وثالثا، تضطلع تركيا بدور الراعي لهذا التقارب، مانحة إياه إطارا إقليميا واضحا".

















