من خلف الكواليس إلى رئاسة وزراء العراق.. قصة صعود رجل الأعمال علي الزيدي

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بشكل مفاجئ ومن دون مقدمات، رشّحت قوى "الإطار التنسيقي" الشيعي، في 28 أبريل/نيسان 2026، رجل الأعمال العراقي علي الزيدي لتولي منصب رئاسة الوزراء، وهو أعلى منصب تنفيذي في البلاد.

وفي اليوم ذاته، كُلّف الزيدي رسميا بتشكيل الحكومة من قبل رئيس جمهورية العراق نزار آميدي، وذلك بحضور رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، إلى جانب غالبية قادة "الإطار التنسيقي"، على أن يُنجز تشكيل حكومته خلال مدة أقصاها 30 يوما.

أصغر رئيس

لم يكن اختياره المفاجئ وحده ما أثار دهشة الأوساط السياسية والشعبية، بل إن صغر سنه شكّل عاملا لافتا، مقارنة بمن سبقوه في تولي رئاسة الوزراء منذ قيام النظام الجمهوري في العراق عام 1958، عقب الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم.

وُلد علي الزيدي (علي فالح كاظم الزيدي) عام 1986 في محافظة ذي قار جنوبي العراق، حيث نشأ في عائلة ذات حضور اجتماعي، وفقا لما ذكرته وكالة الأنباء العراقية.

وعلى الصعيد الأكاديمي، يحمل الزيدي درجة الماجستير في المالية والمصرفية، بعد أن حصل على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب تخصصه في القانون، ما يعكس خلفية تعليمية متعددة التخصصات.

وفي المجال المهني، يترأس الزيدي مجالس إدارة عدد من المؤسسات، من بينها "الشركة الوطنية القابضة"، و"جامعة الشعب"، و"معهد عشتار الطبي"، و"مصرف الجنوب الإسلامي"، كما يمتلك قناة "دجلة" الفضائية، فضلا عن عضويته في نقابة المحامين العراقيين.

كما عُرف بامتلاكه شركة "الأويس" المتخصصة في توريد مواد "السلة الغذائية" ضمن البرنامج الحكومي الذي يستفيد منه ملايين العراقيين، غير أن الشركة واجهت انتقادات من بعض النواب، واتهامات تتعلق بشبهات فساد.

وتركز توجهات الزيدي، بحسب المصادر الرسمية، على الدفع نحو إصلاح مؤسسي شامل، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، إضافة إلى تمكين الشباب وتعزيز مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.

ورغم تكليفه برئاسة الحكومة، لا يُعرف عن الزيدي انخراطه السابق في العمل السياسي المباشر، أو توليه مناصب حكومية خلال المراحل التي أعقبت مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، ما يضفي على صعوده طابعا استثنائيا في المشهد السياسي العراقي.

مدعوم أميركيا

منذ تكليفه رسميا، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعما واضحا لـ علي الزيدي، إذ وجّه إليه خلال اتصال هاتفي دعوة رسمية لزيارة واشنطن عقب استكمال تشكيل الحكومة العراقية.

وكان ترامب قد استخدم، في وقت سابق، حق “الفيتو” السياسي غير الرسمي برفض ترشيح نوري المالكي، مرشح "الإطار التنسيقي"، ملوّحا بإجراءات عقابية بحق العراق في حال عودته إلى السلطة، على خلفية ما اعتبره تقاربا مع إيران، وذلك وفق ما نشره عبر منصته "تروث" في 27 يناير/كانون الثاني 2026.

وخلال مؤتمر صحفي في 1 مايو/أيار، قال ترامب: “أهنئ رئيس الوزراء العراقي، لقد دعمته. دعمنا شخصا لم يكن معروفا لدى كثيرين وفاز باكتساح، وتحدثت معه بالأمس”. كما أكد، ردا على أسئلة الصحفيين، أنه أجرى اتصالا مع الزيدي وعبّر له عن دعمه القوي، مضيفا: “بمساعدتنا فاز، ونتمنى له كل التوفيق”.

وأضاف ترامب: “أكدت له أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبه، وهذا نصر كبير، ورئيس الوزراء العراقي الجديد شخص ندعمه بقوة”، في رسالة تعكس حجم الرهان الأميركي على المرحلة المقبلة في العراق، بحسب ما أوردته رويترز.

وفي اتصال هاتفي جرى في 30 أبريل/نيسان، هنّأ ترامب الزيدي بتكليفه تشكيل الحكومة، معربا عن تطلعه إلى “علاقة قوية ونابضة بالحياة وعالية الإنتاجية” بين الولايات المتحدة والعراق. كما رأى أن تكليف الزيدي يمثل “بداية فصل جديد” في العلاقات الثنائية، يقوم على “الازدهار والاستقرار والنجاح”، متمنيا له التوفيق في تشكيل حكومة “خالية من الإرهاب” وقادرة على تحقيق مستقبل أفضل للبلاد.

وفي السياق ذاته، تلقى الزيدي اتصالا من المبعوث الأميركي وسفير واشنطن لدى أنقرة توم باراك الذي قدم له التهاني الرسمية بمناسبة تكليفه، في خطوة تعكس دعما دبلوماسيا متواصلا.

كما أعربت بعثة الولايات المتحدة في العراق عن تمنياتها للزيدي بالتوفيق في تشكيل حكومة تلبي تطلعات العراقيين، مؤكدة دعمها لمساعي تعزيز السيادة والأمن ومكافحة الإرهاب، وبناء مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا يخدم مصالح الجانبين.

وبعد يوم واحد من التكليف، كشف مستشار رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، عبد الأمير تعيبان، أن الزيدي التقى القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس، عادل هو هذا اللقاء بمثابة “ضوء أخضر” ومؤشرا على وجود موافقة ومباركة أميركية لتكليفه، في مقابل نفي وجود أي “فيتو” ضده.

واجهة متعددة

أثار الصعود المفاجئ لـ علي الزيدي إلى رأس السلطة التنفيذية في العراق موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والشعبية، حول أسباب تفضيله على شخصيات سياسية بارزة داخل "الإطار التنسيقي" والقوى الشيعية المنخرطة تقليديا في العمل الحزبي والبرلماني.

وكشف مصدر سياسي عراقي، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن الزيدي جاء بدفع من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، مشيرا إلى قربه من رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

وأوضح المصدر أن زيدان، إلى جانب السوداني، وزعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، ورئيس تيار "الحكمة" عمار الحكيم، يشكلون جبهة شيعية مناوئة لـ نوري المالكي، وتعمل على منع عودته إلى السلطة مجددا.

وأضاف أن الزيدي يُنظر إليه كواجهة مالية للسوداني، لافتا إلى أنه تولى شراء قناة "دجلة" الفضائية من مالكها السابق جمال الكربولي مقابل نحو 10 ملايين دولار، في إطار ترتيبات مالية يُعتقد أنها مرتبطة بالسوداني، رغم بقاء القناة رسميا باسم الزيدي.

وأشار المصدر إلى وجود علاقة بين الزيدي وزعيم تحالف "السيادة" السني خميس الخنجر، مرجحا أن تكون هذه العلاقة ذات طابع تجاري، خاصة في ظل ارتباط وزارة التجارة التي تُعد من حصة الخنجر، بملف توريد مفردات "السلة الغذائية" التي تتولاها شركات مرتبطة بالزيدي.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع إيران، أكد المصدر أن أي شخصية شيعية تصل إلى هذا المنصب لا بد أن تكون لها صلات مع طهران أو تحظى بموافقتها الضمنية، حتى وإن تراجع نفوذها نسبيا في المنطقة. ولم يستبعد أن تكون إيران قد دعمت وصول الزيدي عبر قنوات غير مباشرة، لتجنب ظهوره كمرشح محسوب عليها بشكل واضح.

ورجّح المصدر أن تأخر التهنئة الإيرانية للزيدي لمدة أربعة أيام بعد تكليفه كان خطوة مقصودة لإبعاد الشبهات حول علاقته بطهران، خصوصا في ظل حساسية الموقف الأميركي.

ولم تصدر التهنئة إلا لاحقا على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد دعم بلاده لاستقرار العراق وتعزيز التعاون بين البلدين.

من جانب آخر، كشفت النائبة العراقية عالية نصيف أن الزيدي كان أحد أربعة مرشحين طرحهم المالكي على السوداني كأسماء توافقية، إلى جانب أسعد العيداني، وصالح الحسناوي، وحميد الشطري.

وأضافت، خلال مقابلة تلفزيونية في 2 مايو/أيار، أن السوداني اختار الزيدي فور طرح اسمه، الأمر الذي أثار انزعاج المالكي، وندم لاحقا على إدراجه ضمن قائمة المرشحين.

كما أوضحت أن اسم الزيدي طُرح قبل نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر كمرشح تسوية، مشيرة إلى أنه بدأ جولة على قادة "الإطار التنسيقي" بزيارة المالكي، الذي أبلغه حينها بأنه سيكون المرشح لرئاسة الوزراء.

وفي سياق متصل، نقلت نصيف عن الزيدي قوله إنه لم يكن يسعى إلى هذا المنصب، مقدرا أنه ليس بحاجة إليه، خاصة في ظل امتلاكه شبكة واسعة من الاستثمارات في قطاعات متعددة، من بينها التعليم والصحة والأمن والتجارة، وهو ما جعله يشعر، بحسب تعبيره، بأنه “رئيس وزراء مصغّر” ضمن منظومته الاقتصادية الخاصة.