صحيفة صينية: لهذه الأسباب قررت الإمارات استهداف إيران بعد وقف إطلاق النار

"الإمارات تتطابق مواقفها في كثير من الملفات مع الرؤى الأميركية والإسرائيلية"
حين اعتقد العالم أن التوتر في الشرق الأوسط قد يشهد هدوءا مؤقتا مع إعلان الهدنة في 8 أبريل/ نيسان 2026، تعرض في اليوم ذاته أحد أهم مرافق الطاقة في إيران، وهو مصفاة جزيرة لافان، لغارة جوية.
لتتبعها بعد ساعات فقط موجة من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي انطلقت باتجاه الضفة المقابلة من الخليج، مستهدفة الإمارات والكويت.
وما زاد المشهد تعقيدا، إعلان وزارة الدفاع الإماراتية لاحقا، أن أنظمة الدفاع الجوي لديها نجحت في اعتراض 17 صاروخا باليستيا و35 طائرة مسيرة قادمة من إيران.
وهنا أبرز موقع "سوهو" الصيني سؤالا محوريا، إذا كانت واشنطن وطهران، الطرفان الرئيسان في الصراع، قد اتفقتا على التهدئة المؤقتة، فلماذا تقدم الإمارات على خطوة من شأنها استفزاز إيران في هذا التوقيت الحرج؟ وما الحسابات والمخاطر الكامنة وراء هذا التصعيد الإماراتي المفاجئ؟
صورة قاتمة
وأشار الموقع إلى تفاصيل الهجوم على جزيرة لافان، فقد نقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، نقلا عن الشركة الوطنية لتكرير وتوزيع النفط، أنه "رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تعرضت منشآت مصفاة جزيرة لافان في 8 أبريل لما وصفته بـ(هجوم جبان)".
وأكدت الشركة أن فرق الإطفاء والإنقاذ سارعت للسيطرة على الحريق، مشيرة إلى عدم وقوع إصابات بفضل عمليات الإخلاء السريعة، فيما صنفت طهران الهجوم كعمل تخريبي يهدف لتقويض الاتفاق.
وتابع: "ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى جاء الرد الإيراني سريعا، إذ أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأنه (بعد ساعات من استهداف منشآت النفط في جزيرة لافان، نُفذت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد الإمارات والكويت)".
ويعتقد الموقع أن ذلك "يشير بوضوح إلى أن إيران حمّلت هاتين الدولتين مسؤولية الهجوم على المصفاة، وردت عليه بعمل عسكري مباشر".
في المقابل، وصف الموقع الرد الإماراتي بـ"السريع والحازم"، حيث أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية في بيان عن نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض 17 صاروخا باليستيا و35 طائرة مسيرة قادمة من جهة إيران.
وأوضح البيان أن عملية الاعتراض وقعت بعد نحو 11 ساعة من إعلان الهدنة، وتحديدا في حدود الساعة الواحدة وأربعين دقيقة ظهرا بالتوقيت المحلي.
وبحسب الموقع، "يهدف هذا الإعلان التفصيلي للأرقام إلى استعراض القوة والكفاءة الدفاعية والجاهزية للقوات الإماراتية".
واستدرك: "غير أن هذه العمليات الدفاعية المكثفة لم تخلُ من تداعيات غير متوقعة".
وأردف: "فقد أوضح البيان الإماراتي أن الشظايا الناتجة عن اعتراض الصواريخ تسببت في اندلاع حريق داخل منشأة حبشان للغاز الطبيعي، وهي ركيزة أساسية في قطاع الطاقة الإماراتي".
وهو ما عده الموقع "يعكس كلفة الدفاع المرتفعة، حيث يمكن أن تؤدي عمليات التصدي نفسها إلى أضرار جانبية في البنية التحتية الحيوية".
وأضاف أنه "في إحصائية تعكس حجم الضغوط العسكرية التي واجهتها البلاد منذ اندلاع النزاع بين أميركا وإسرائيل وإيران، كشفت وزارة الدفاع الإماراتية أن دفاعاتها الجوية اعترضت بشكل تراكمي 537 صاروخا باليستيا، و26 صاروخ كروز، و2256 طائرة مسيرة".
وبحسب أبوظبي، أدت هذه الهجمات إلى مقتل 13 شخصا وإصابة 224 آخرين، "مما يرسم صورة قاتمة لحجم المعاناة والتهديد المستمر الذي يواجه المنطقة رغم محاولات التهدئة الدبلوماسية"، على حد وصف الموقع.
![]()
تنسيق ضمني
في هذا السياق، ادعى الموقع الصيني أن أبوظبي هي من شنت الهجوم على مصفاة النفط بجزيرة لافان، وتساءل: “لماذا شنت الإمارات هجوما استباقيا على مصافي النفط الإيرانية بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ؟”
وفي معرض إجابته، نقل التقرير عن موقع "ديفنس آند سيكيوريتي آسيا" الأميركي، المتخصص في شؤون الدفاع والأمن والتكنولوجيا العسكرية في منطقة جنوب شرق آسيا قوله: "اتهمت مصادر عسكرية إيرانية الإمارات بتنفيذ هجوم على مصفاة النفط في جزيرة لافان".
أما إيران من جهتها، فقد ذكرت عبر وكالة تسنيم -المقربة من الحرس الثوري- أن الهجوم الذي استهدف مصفاة نفط في جزيرة لافان بالخليج العربي نُفذ بواسطة طائرات ميراج إماراتية من طراز ميراج-2000-9".
وفي سياق متصل، أكدت وكالة فارس المقربة كذلك من الحرس الثوري أن الإمارات تقف وراء الهجمات الأخيرة التي طالت أهدافا داخل إيران.
ونوه الموقع إلى أن "هذا الطراز من مقاتلات ميراج في المنطقة يعمل ضمن أسطول كل من قطر والإمارات، وتعد النسخة ميراج-2000-9 هي الأكثر تطورا ضمن هذه العائلة القتالية".
وبحسب التقرير الصيني، "يتفق مع هذا الطرح، بعض التقارير الإعلامية التي أفادت بتنفيذ القوات الجوية الإماراتية قصف للمصافي الواقعة على جزيرتي لافان وسيري الإيرانيتين".
إذ تشير تلك التقارير إلى أن "القوات الجوية الإماراتية، بدعم استخباراتي من إسرائيل، استخدمت طائرات مسيرة مسلحة من طراز وينغ لونغ-2 وطائرات مقاتلة من طراز ميراج-2000-9 لتنفيذ غارة جوية واسعة النطاق على منشآت النفط والبتروكيماويات الإيرانية".
واستطردت التقارير الإعلامية: "شملت العملية أيضا تحليق طائرات حربية إماراتية فوق جنوب إيران".
وعقب الموقع الصيني: "إذا صحت هذه التقارير، فهذا يعني أن الإمارات قد تحولت من مشارك غير بارز نسبيا إلى (مقاتل رسمي) يشن هجمات مباشرة على أهداف داخل الأراضي الإيرانية".
بصورة أوسع، لفت إلى أن “هذه التطورات أثارت جملة من التساؤلات الأعمق، فهل كانت التحركات العسكرية للإمارات قرارا مستقلا، أم أنها جاءت في إطار تنسيق ضمني أو حتى تباين خفي مع إستراتيجية التهدئة التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل؟”
وفي هذا الإطار، يرى الموقع أن "الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران كشفت منذ ساعاتها الأولى عن ثغرات واضحة".
وأوضح هذه الثغرات: "فإلى جانب تأكيد إسرائيل استثناء لبنان من نطاق وقف إطلاق النار، استمرت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد دول خليجية مثل الإمارات قبل وبعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ".
وتابع: "كما صرح مسؤولون إيرانيون كبار آنذاك بأن الهدنة لا تزال هشة، محذرين من أن طهران لن تتردد في العودة إلى الحرب إذا أقدمت الولايات المتحدة على استئناف العمليات العسكرية".
وأردف: "وفي المقابل، شددت واشنطن على أن القوات الأميركية ستبقى في حالة تأهب قصوى خلال فترة الهدنة، مع الاستعداد الكامل لاستئناف القتال في أي لحظة".

رسالة مزدوجة
ضمن هذا المناخ الذي "يغيب فيه الحد الأدنى من الثقة، وتبقى فيه الجاهزية العسكرية في أعلى مستوياتها"، أبرز الموقع تساؤلا آخر: “هل كانت تحركات الإمارات محاولة محسوبة لاختبار حدود الرد الإيراني ضمن (منطقة رمادية) لا ترقى إلى كسر الاتفاق رسميا، لكنها تضغط على توازناته الهشة؟”
وأجاب: "يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار أتاح فرصة غير متوقعة لإعادة تموضع الفاعلين الإقليميين".
وأوضح أنه "مع إعلان إسرائيل وقف غاراتها الجوية على إيران، واستعداد واشنطن وطهران لعقد محادثات في إسلام آباد، نشأ ما يمكن وصفه بـ(فراغ عملياتي مؤقت)".
هذا الفراغ أتاح للإمارات -بحسب التقرير- هامشا أوسع للتحرك بشكل منفرد، في ظل غياب الضربات المباشرة من القوى الكبرى.
وبحسب ما ورد بالتقرير، "يرى بعض المحللين أن الإمارات سعت من خلال هذه الخطوة إلى استعادة هيبتها وتعزيز قدرتها الردعية".
وأردف: "فقد ألقت الضربات الإيرانية المتواصلة بظلال ثقيلة على ركائز الاقتصاد الإماراتي، من صادرات النفط إلى الملاحة البحرية، وصولا إلى القطاعين المالي والسياحي".
وتابع: "فخلال هذا الصراع الذي استمر لأكثر من شهر وجهت إيران أكثر من 70 بالمئة من صواريخها وطائراتها المسيرة نحو الضفة المقابلة من الخليج، مستهدفة دولا عربية لم تشارك مباشرة في الحرب، وقد أدى ذلك إلى تكبد دول مثل الإمارات خسائر كبيرة".
وهو ما يتنافى مع الصورة التي سعت أبوظبي على ترسيخها خلال عقود، إذ لطالما "حرصت الإمارات على ترسيخ صورتها كـ(ملاذ آمن) في الخليج، إلا أن هذه الصورة تعرضت لاهتزاز واضح مع تكرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة"، بحسب التقرير.
ومن هذا المنظور، يفسر الموقع "الضربة التي استهدفت مصفاة لاوان على أنها رد فعل وصل إلى حد (نفاد الصبر) بعد تعرضها المتكرر للهجمات، ورسالة حازمة إلى طهران بأن جرّها إلى أتون الصراع لن يمر دون رد".
ومن هنا، خلص التقرير إلى أنه "يمكن فهم استهداف جزيرتي لافان وسيري كرسالة إستراتيجية مزدوجة".
"فمن جهة، هو تأكيد على أن الإمارات لن تواصل امتصاص الضربات دون رد، ومن جهة أخرى، هو تحرك مدروس بالقرب من مضيق هرمز، يستهدف منشآت الطاقة الإيرانية ويبعث بإشارة مباشرة إلى شريان صادرات النفط الإيراني".
وفي الوقت ذاته، "تسعى أبوظبي إلى إظهار قدراتها العسكرية، وتأكيد أنها تمتلك أدوات الردع اللازمة لحماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة التقلب"، وفق الموقع.
جرأة غير مبررة
علاوة على ذلك، لفت التقرير إلى أنه "لا يمكن إغفال الأبعاد الاقتصادية والمتعلقة بقطاع الطاقة في هذا الصراع؛ فمصفاة جزيرة لافان تعد منشأة حيوية لإيران، بينما تضررت منشأة حبشان الإماراتية للغاز جراء سقوط شظايا الاعتراض".
ووفق تقديره، فإن "هذا الاستهداف المتبادل لشرايين الطاقة يؤكد أن المواجهة تحولت إلى (حرب استنزاف اقتصادية) بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
وقد سبقت هذه الأحداث أضرار جسيمة في المنطقة، حيث أدت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات في وقت سابق إلى توقف 17 بالمئة من إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، وهي منشآت قد يتطلب إصلاحها الشامل مدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.
وتابع: "كما تشير التقديرات إلى أن مجمع صهر الألومنيوم التابع لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم في أبوظبي سيحتاج إلى نحو 12 شهرا للعودة إلى كامل طاقته الإنتاجية".
وعلق الموقع: "إن مثل هذه الضربات التي تستهدف البنية التحتية الحساسة تسبب خسائر مالية فادحة، وتجعل عمليات التعافي طويلة وشاقة".
من زاوية أخرى، يرى التقرير أن "السلوك العسكري للإمارات يرتبط أيضا بتقييماتها الخاصة للأمن القومي".
ويقصد الموقع البيانات الدقيقة التي تنشرها أبوظبي حول عمليات الاعتراض، إذ يقدر أن الإمارات تسعى من خلال ذلك إلى طمأنة الداخل وإقناع الخارج بفعالية منظوماتها الدفاعية المتطورة التي استثمرت فيها بشكل كبير".
واستطرد: "إذ إن الإعلان عن اعتراض أكثر من 500 صاروخ باليستي وأكثر من 2000 طائرة مسيرة يهدف إلى إبراز قدرتها على مواجهة هجمات إيرانية كثيفة".
ومع ذلك، شدد التقرير على أن "الواقع الميداني يكشف حدود هذه القدرات، مهما بلغت من تطور، فحادثة سقوط شظايا الصواريخ داخل منشأة غازية حيوية وما نتج عنها من حريق، تبرز بوضوح أنه حتى أنجح عمليات الدفاع لا تضمن أمنا مطلقا".
وأردف: "وفي نهاية المطاف، تظل مخاطر الحرب وتكاليفها حقيقة قائمة، ملموسة وقريبة، لا يمكن احتواؤها بالكامل مهما بلغت كفاءة أنظمة الدفاع".
على الصعيد السياسي، وصف الموقع تصريحات الإمارات، في الثامن من أبريل 2026، بـ"التصعيد الواضح".
فقد طالبت السلطات الإماراتية إيران بتحمل المسؤولية عن الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية في منطقة الخليج، بما في ذلك منشآت الطاقة والأهداف المدنية، وتقديم تعويضات عنها.
كما دعت طهران إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة، والعمل على ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة فتحه بشكل كامل وغير مشروط.
هذا الموقف العلني يعكس، بحسب التقرير، "درجة عالية من الثقة بالنفس، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول خلفياته وحدوده".
وبحسب تقديره، فإن مطالبة إيران بالتعويضات، تمثل "جرأة غير مبررة في مثل هذه الظروف المعقدة".
وتابع منتقدا أبوظبي: "يبدو أن الإمارات قد نسيت أن الجيش الأميركي استخدم قواعدها العسكرية ومطاراتها بشكل مباشر، بل واستخدمت راجمات الصواريخ (هيمارس) من سواحل الإمارات لضرب العمق الإيراني مباشرة".
ومن هنا، تساءل الموقع: “من سيعوض إيران عن تلك الخسائر؟ وهل تتحمل الإمارات جزءا من المسؤولية نتيجة السماح للقوات الأميركية باستخدام أجوائها وأراضيها ومياهها الإقليمية لشن هجمات عسكرية؟”
وخلص الموقع إلى أنه "يبدو جليا في الوقت الراهن أن الإمارات تتبنى الموقف الأكثر تشددا وعدائية تجاه إيران بين دول الخليج، حيث تتطابق مواقفها في كثير من الملفات مع الرؤى الأميركية والإسرائيلية في المحصلة".
وبحسب وجهة نظره، "ربما يفسر هذا الاندفاع الإماراتي لتبني دور (رأس الحربة) في التحالف الأميركي الإسرائيلي ضد طهران، تركيز الهجمات الإيرانية الأخيرة عليها بشكل أساسي".
















