العالم ينتظر صدمة جديدة بعد هرمز.. ماذا لو أغلقت الصين مضيق تايوان؟

"كثفت الصين ضغوطها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية على تايوان"
مع تصعيد الصين ضغوطها على تايوان، أكد معهد بريطاني أهمية أن يشكل إغلاق مضيق هرمز جرس إنذار لصناع القرار الأوروبيين.
وأوضح معهد "تشاتام هاوس"، في تقرير له، أن أزمة تايوان -إن وقعت- ستُلحق ضررا اقتصاديا عالميا يفوق بكثير تداعيات اضطراب مضيق هرمز.
وقال: "كان لإغلاق مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب مع إيران عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي؛ إذ أدى إلى قطع خطوط الإمداد الأساسية للنفط والغاز والأسمدة والمواد الكيميائية الصناعية، ما دفع صندوق النقد الدولي إلى التحذير من ركود عالمي محتمل إذا لم تتوقف الحرب".
وأضاف: "وبينما تسارع الحكومات للاستجابة، ينبغي أن يدفعها الصراع في الخليج أيضا إلى تكثيف استعداداتها لأزمة محتملة بشأن تايوان، والتي سيكون لها تأثير مدمر على أوروبا والاقتصاد العالمي".
وشدد التقرير على أن "هذه ليست مسألة نظرية، فقد كثفت الصين ضغوطها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية على تايوان، سعيا لضم الجزيرة المستقلة بحكم الأمر الواقع، والتي تعدها جزءا من أراضيها السيادية".
وفي السنوات الأخيرة، بدأت بكين استخدام مناورات عسكرية لاختبار إمكانية فرض حصار على تايوان، فيما يرفض القادة الصينيون التخلي عن خيار استخدام القوة لتحقيق هدفهم المعلن المتمثل في التوحيد، والذي يصفونه بأنه "مهمة تاريخية يجب إنجازها".

صدمة أكبر
وتلعب تايوان دورا محوريا في الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد، بصفتها المنتج الرائد لأشباه الموصلات المتقدمة التي تُشغّل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات المتطورة.
ويُعدّ مضيق تايوان الذي يبلغ عرضه 180 كيلومترا ويفصل الجزيرة عن البر الرئيس الصيني، أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاما في العالم.
ومثل مضيق هرمز، يُعد أيضا نقطة اختناق بحرية رئيسة يمكن تقييدها أو قطعها في سيناريوهات متعددة، تبدأ بفرض الصين قيودا جمركية أو حصارا، وقد تصل إلى نزاع عسكري شامل.
ونظرا للدور الذي تؤديه أشباه الموصلات التايوانية في دفع عجلة الاقتصاد العالمي، فإن أي اضطرابات كبيرة في هذه التجارة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية ومتتالية على الاقتصاد العالمي، وفق "تشاتام هاوس".
وتختلف أشباه الموصلات اختلافا جوهريا عن المواد الهيدروكربونية كالنفط والغاز؛ إذ لا تُعد سلعا يسهل تخزينها أو استبدالها، وإذا اضطرت الشركات إلى البحث عن مصادر بديلة للرقائق الإلكترونية، فإنها ستحتاج إلى تعديل تصميم برامجها واعتمادها، وهي عمليات قد تستغرق وقتا طويلا.
ووفقا لتوقعات وكالة "بلومبيرغ"، فإن فرض الصين حصارا جويا وبحريا على تايوان سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5 بالمئة، على غرار الانكماشات التي شهدتها الأزمة المالية العالمية 2008-2009 وجائحة كورونا.
وإذا تصاعد الوضع وتطور إلى حرب بين الولايات المتحدة والصين، فقد ينكمش الاقتصاد العالمي بنحو 10 بالمئة، وسيكون الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا من بين أكثر المناطق تضررا، بعد تايوان نفسها.
استعداد أوروبا
وبحسب التقرير، بدأت الحكومات والشركات في أوروبا بالفعل مناقشة خطط الطوارئ، وقد تصاعدت وتيرة هذه المناقشات في أعقاب الهجمات الأميركية على إيران.
واستدرك: "لكن تكمن المشكلة في أن بناء مصادر بديلة لإمدادات أشباه الموصلات سيستغرق عقودا، وسيتطلب موارد سياسية ومالية ضخمة، في وقت تعاني فيه أوروبا نقصا في كليهما".
وكان قانون الرقائق الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر/أيلول 2023 لدعم منظومة أشباه الموصلات في المنطقة، خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل غير كافٍ على الإطلاق، وفق المعهد.
ولتسريع وتيرة التقدم في الجهود طويلة الأمد لتنويع سلاسل إمداد الإلكترونيات، تحتاج الحكومات الأوروبية إلى توسيع تعاونها مع تايوان.
وقال المعهد: "ينبغي عليها الاستفادة من خبرات المسؤولين والخبراء التايوانيين، ورواد الصناعة مثل شركة (TSMC)، التي تعمل مع شركات (Bosch) و(Infineon) و(NXP) الأوروبية على بناء مصنع متطور لأشباه الموصلات، بتكلفة 10 مليارات يورو، في مدينة دريسدن الألمانية".
وأضاف: "ينبغي على الحكومات الأوروبية وشركائها النظر في أفضل السبل لمنع الصين من اتخاذ خطوات تصعيدية تجاه تايوان".
وتابع: "فبينما تمتلك الولايات المتحدة وحدها القدرة على ردع بكين عسكريا، فإن بإمكان أوروبا القيام بالكثير لدعم جهود تايوان لجعل نفسها هدفا أكثر صعوبة أمام الصين".
وأردف: "ومن خلال علاقاتها الواسعة -وإن كانت غير رسمية من الناحية الفنية- ينبغي على الحكومات الأوروبية بذل مزيد من الجهود لتعزيز روابط تايوان الدولية وحضورها".
وقال المعهد: "كما ينبغي عليها تعميق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون مع تايبيه في مواجهة التحدي المشترك المتمثل في إدارة التهديدات في المنطقة الرمادية، بدءا من الإكراه الاقتصادي وحرب المعلومات، وصولا إلى التدخل الديمقراطي وتعطيل الكابلات البحرية".
وأضاف "كذلك، على أوروبا تكثيف جهودها لتوضيح التكاليف العالمية لأي تصعيد أمام الصين ودول الجنوب العالمي التي ترتبط بعلاقات قوية مع بكين".

مستويات المقاومة
وشدد التقرير على أنه "رغم أن الرئيس شي جين بينغ وغيره من القادة الصينيين يتصرفون بحزم متزايد، فإنهم ليسوا مقامرين جيوسياسيين على غرار نظرائهم في روسيا وكوريا الشمالية".
ورأى أن "القيادة الصينية لا تزال تولي أهمية لصورتها على الساحة الدولية -خاصة في دول الجنوب العالمي- وهو ما يفسر شنها حملة منسقة لحشد دعم الدول الأخرى لموقفها من تايوان".
وقال التقرير: "ينبغي أن يكون الحوار مع دول جنوب شرق آسيا من أولويات أوروبا؛ إذ تضم هذه الدول مئات الآلاف من المواطنين المقيمين والعاملين في تايوان المجاورة، والذين سيتأثرون بشدة بتداعيات أي اضطرابات تجارية أو توترات عسكرية".
ولفت إلى أن “حكومات جنوب شرق آسيا تحرص على تجنب إغضاب بكين، خشية أن يُنظر إليها على أنها تدعم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وهو الإطار الذي تُقدِّم من خلاله الصين علاقتها مع تايوان”.
إلا أن جنوب شرق آسيا وأوروبا "تتشاركان مصالح وطنية في الحفاظ على انفتاح اقتصاد تايوان على العالم وردع أي عدوان عسكري صيني، ومن خلال دبلوماسية هادئة، يتعين على المسؤولين في الجانبين مناقشة أفضل السبل لتوظيف قدراتهم في التأثير على بكين”، وفق التقرير.
ويرى أن “استخدام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقوة ضد فنزويلا وإيران دون مبرر قانوني كاف، إلى جانب محدودية ردود الفعل الدولية، قد دفع العديد من المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت التكاليف التي تتحملها الصين على مستوى السمعة جراء أي عمل عسكري ضد تايوان قد بدأت تتراجع”.
وأضاف “كما ينبغي أن تُذكّر التداعيات العالمية للحرب في إيران صانعي السياسات بمدى اتساع نطاق تأثير أي تصعيد إضافي بشأن تايوان”.
وختم المعهد بالقول: إن "الوقت عامل حاسم، فكلما تراجعت مستويات المقاومة التي تواجهها بكين حاليا، تصاعدت ضغوطها".
















