مشروع البحار الأربعة.. تحالف تركي-سوري يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

التطورات الأخيرة في النظام الدولي، خاصة ما يتعلق بأمن الطاقة، لم تعد مجرد انعكاس لتقلبات الأسواق أو الأزمات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت جزءاً من تحولات أعمق تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي. 

إذ يرى معهد التفكير الإستراتيجي التركي، أن التصعيد في الخليج، وما تبعه من استهداف منشآت الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، قد مثّل نقطة تحول كبرى، دفعت العالم إلى إعادة التفكير في مسارات الطاقة التقليدية، التي أصبحت تعدّ هشّة ومعرّضة للاختراق في أي لحظة.

وأشار المعهد في مقال للكاتب التركي "سنان تافوكتشو"، إلى أن إعلان وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، ضمن زيارته لأنقرة في 9 أبريل/ نيسان 2026، عن “مشروع البحار الأربعة” يعكس تحولاً مهماً في التفكير الإقليمي تجاه الطاقة والجغرافيا السياسية، خاصة في ظل تصاعد الأزمات في ممرات النقل البحري التقليدية. 

وأوضح الشيباني، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي هاكان فيدان، أن المشروع يهدف إلى جعل سوريا وتركيا محوراً رئيساً في توزيع الطاقة بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، مقدرا أن هذا التوجه أصبح ضرورة إستراتيجية في ظل عدم الاستقرار العالمي.

“البحار الأربعة”

ويرى الكاتب أن هذا الإعلان يعكس مستوى متقدماً من التفاهم بين أنقرة ودمشق، خصوصاً في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يشير إلى انتقال العلاقات بينهما نحو شراكة ذات بعد اقتصادي إستراتيجي.

كما لفت النظر إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد وسّع لاحقاً هذا التصور تحت عنوان "أربعة بحار – تسعة ممرات" خلال قمة إقليمية في جنوب قبرص، وقدّم المشروع كإطار أوسع لإعادة ربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا عبر سوريا؛ حيث أشار إلى أن اضطراب مضيق هرمز يعزز الحاجة لمثل هذه البدائل.

وأضاف أنّ الرئيس السوري شدّد على أن تنفيذ هذا المشروع يتطلب أولًا ضمان الأمن والاستقرار داخل سوريا، وقد دعا في الوقت ذاته الجانب الأوروبي إلى اتخاذ موقف واضح وحازم، يضغط باتجاه وقف الهجمات الإسرائيلية بشكل فوري. 

وأشار الكاتب في هذا السياق إلى أنّ إسرائيل، رغم علاقاتها الوثيقة مع اليونان وقبرص الرومية، لم تتم دعوتها إلى القمة في قبرص، ما يعني عملياً استبعادها من هذا الإطار الإقليمي.

واستدرك أن "مشروع البحار الأربعة" لم يظهر فجأة، بل يعود إلى عام 2009 حين طُرحت لأول مرة فكرة تحويل المنطقة الممتدة بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود إلى فضاء مترابط عبر شبكة طاقة ولوجستيات عابرة للحدود. 

وأضاف أن تلك المرحلة كانت تعكس مناخاً من الانفتاح الإقليمي بين أنقرة ودمشق؛ حيث جرى تصور سوريا كجسر جغرافي يمكن أن يربط بين أهم ممرات الطاقة في العالم. 

غير أن هذا المسار توقف بالكامل مع اندلاع الحرب السورية عام 2011؛ حيث أدى انهيار الاستقرار السياسي إلى تفكك أي إمكانية لِتفعيل هذا المشروع، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة صراع دولي وإقليمي معقد.

وأشار الكاتب إلى أن عودة طرح المشروع اليوم لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، خاصة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية التي أدت إلى إعادة هيكلة سوق الطاقة العالمي. 

فَأوروبا التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، وجدت نفسها في موقع هش، وهو ما دفعها إلى البحث عن بدائل عاجلة، حتى وإن كانت أكثر تكلفة أو أقل استقراراً. 

وتابع: إن أزمة مضيق هرمز جاءت لتزيد من حدة هذا الضغط، وتجعل من فكرة تنويع مسارات الطاقة خياراً إستراتيجياً لا يمكن تجاهله؛ فالموقع الجغرافي لسوريا يمثل أحد أهم عناصر القوة الكامنة في المشروع، إذ إنّها تقع في نقطة تقاطع إستراتيجية تربط بين أربع مناطق مائية حيوية. 

وأضاف أن هذا الموقع لا يمنحها فقط وظيفة العبور، بل يؤهلها نظرياً لتصبح مركزاً لوجستياً وإقليمياً لإعادة توزيع الطاقة بين آسيا وأوروبا. 

كما أشار إلى أن المشروع لا يقتصر على البنية التحتية التقليدية مثل خطوط الأنابيب، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية شاملة تشمل شبكات سكك حديدية وممرات تجارية ومراكز لوجستية متكاملة. 

وإنّ هذا التصور، إذا ما تم تنفيذه، سيؤدي إلى تغيير طبيعة الربط بين القارات، بحيث تتحول المنطقة إلى عقدة رئيسة في شبكة التجارة العالمية، وليس مجرد ممر عبور ثانوي.

وأردف الكاتب التركي أن البعد السياسي للمشروع لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، بل ربما يتفوق عليه في بعض الجوانب. 

فالدولة السورية الجديدة، تربط مشاركتها في هذا المشروع بشروط تتعلق بالاستقرار الداخلي ووقف التهديدات الخارجية، وهو ما يضع الأطراف الدولية أمام معادلة معقدة تجمع بين الاعتبارات الأمنية ومصالح الطاقة. 

وهذا الشرط يعكس محاولة لإعادة تعريف دور سوريا من دولة أزمة إلى دولة محورية في التوازنات الإقليمية.

وذكر أن المواقف الدولية تجاه المشروع تعكس تبايناً في الحسابات؛ حيث يبدو أن هناك توجّهاً متزايداً نحو التعامل البراغماتي مع الواقع الجديد في سوريا، خاصة مع تزايد الحاجة إلى بدائل طاقوية مستقرة. 

لكنّ هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة توافقاً سياسياً كاملاً، بل هو أقرب إلى إعادة تموضع تدريجي في ضوء المتغيرات الجيوسياسية.

محور مركزي

وتُعد سوريا في هذا التصور الجغرافي بمثابة الجسر البري الطبيعي الوحيد، القادر على الربط بين أربعة أحواض مائية إستراتيجية في غرب أوراسيا وهي؛ الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر المتوسط، والبحر الأسود.

وإنّ "مشروع ربط البحار الأربعة" يقوم على فكرة تحويل هذا الموقع الجغرافي إلى عقدة وصل مركزية، تربط هذه الأحواض عبر منظومة متكاملة تشمل الطرق البرية، وشبكات السكك الحديدية، وخطوط نقل الطاقة.

واستدرك الكاتب بأن الهدف الأساسي من هذا المشروع لا يقتصر على البنية التحتية بحد ذاتها، بل يتجاوزها إلى إعادة تنظيم حركة التجارة والطاقة بين قارتي آسيا وأوروبا، وذلك بشكل يتيح تدفقاً أكثر انسيابية وأماناً لِلسلع والموارد، ويقلل من الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية التي تتعرض لتقلبات أمنية وسياسية متكررة. 

من هذا المنظور، فإنّ هذا المشروع يعد ركيزة محتملة في تصور إعادة الإعمار الاقتصادي والإستراتيجي لسوريا، بل أحد أعمدته الأساسية. 

وفي حال تمّ تنفيذه، فسَيتضمن إعادة دمج مسارات الطاقة الإقليمية ضمن شبكة واحدة. 

حيث يُتوقع ربط نفط دول الخليج العربي، بما في ذلك السعودية والإمارات والكويت، إلى جانب النفط العراقي القادم عبر خط كركوك–بانياس، بالأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط، وذلك من خلال تفعيل وتطوير خط الأنابيب العربي المعروف بـ"تابلاين". 

ولفت الكاتب التركي النظر إلى أن مشروع خط الغاز بين قطر وتركيا يمثل أحد المكونات الأساسية في هذه الرؤية؛ حيث يتمّ التخطيط لنقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية تجاه تركيا ومنها إلى أوروبا، مع إمكانية إنشاء فرع إضافي تجاه ميناء بانياس، وهذا بهدف تصدير الغاز الطبيعي المسال عبر المتوسط. 

وأضاف أيضاً أن هذا التكامل في خطوط الغاز يعكس توجهاً نحو بناء شبكة طاقة متعددة المصادر والممرات، بشكلٍ يعزز مرونة الإمدادات واستقرارها. 

وإنّ نقل الغاز الطبيعي التركماني عبر بحر قزوين إلى تركيا، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية، يُعد جزءاً مكمّلاً لهذا التصور الشامل. 

هنا تظهر أهمية تركمانستان التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، تُقدّر بنحو 50 تريليون متر مكعب. وهو ما يجعلها لاعباً محتملاً في معادلة الطاقة الإقليمية والدولية إذا ما تم دمجها ضمن هذه الشبكة.

في موازاة ذلك، فإن المشروع يتضمن أيضاً بعداً لوجستياً برياً، يتمثل في تطوير "سكة حديد الحجاز الحديثة"، التي يُخطّط لها أن تمتد بشكل متصل وعالي الكفاءة، لِتربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية وصولاً إلى سلطنة عُمان. 

إنّ هذا المسار يُوصَف بأنّه نواة لشبكة نقل إقليمية متكاملة للركاب والبضائع، بحيث تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط وجنوب أوروبا، مع إمكانية التمدد نحو آسيا الوسطى أيضاً.

في المحصلة، يعكس هذا التصور الشامل لمشروع ربط البحار الأربعة رؤية تقوم على إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، بحيث تتحول سوريا من ساحة عبور هامشية إلى محور مركزي في شبكة الطاقة والتجارة العالمية. 

وهو ما سَينعكس على إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في مرحلة لاحقة.

وأشار إلى أن نجاح المشروع يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات السياسية والأمنية، إضافة إلى مدى استعداد القوى الكبرى للتكيف مع إعادة توزيع النفوذ في قطاع الطاقة. 

فهذا النوع من المشاريع لا يُقاس فقط بجدواه الاقتصادية، بل أيضاً بقدرته على الصمود أمام التعقيدات الجيوسياسية المتغيرة باستمرار.

وختم الكاتب مقاله قائلاً: إنّ "مشروع البحار الأربعة" يعكس تحوّلاً أعمق من مجرد مبادرة للبنية التحتية، إذ يمثل محاولة لإعادة صياغة دور الجغرافيا في السياسة الدولية. 

وإنّ نجاحه يعني ولادة نموذج جديد من التكامل الإقليمي القائم على الطاقة واللوجستيات، بينما سَيؤكد فشله، في حال حصل ذلك، استمرار تعقيدات النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.