مقاطعة "حزب بارزاني" للبرلمان العراقي.. مناورة أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟

منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

دخل المشهد السياسي العراقي مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى؛ حيث تتقاطع التفاعلات داخل بغداد مع التّنافس بين الفاعلين الأكراد في إقليم كردستان. 

وفي هذا السياق، فإن قرار الحزب الديمقراطي الكردستاني بمقاطعة البرلمان العراقي يبرز كأحد أهمّ التحركات السياسية التي تستدعي قراءة تحليلية معمقة؛ حيث تجاوز القرار التفسير السطحي بوصفه مجرد رد فعل على أزمة انتخابية.

وفي 18 أبريل/ نيسان 2026، أعلنت كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني بالعراق، مقاطعة جلسات البرلمان حتى إشعار آخر، بسبب ما عدته "خروقات واضحة للدستور والقوانين" بعد انتخاب نزار آميدي، رئيسا للبلاد.

وفي السياق، نشر مركز "أورسام" التركي مقالا للكاتب باران يَاغارجيك، تحدّث فيه عن أن "الظاهر، جاءت المقاطعة عقب انتخابات رئاسة الجمهورية، وما رافقها من خلافات حادة بين القوى الكردية". 

واستدرك: "غير أن التدقيق في السياق الأوسع يكشف أن القرار يعكس شعورا متزايدا لدى الحزب بالتهميش في معادلات السلطة داخل بغداد".

وأكد يَاغارجيك أن "هذا الشعور لم يتشكل في لحظة واحدة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية، شملت أيضا ملف كركوك وطبيعة الترتيبات الإدارية فيها، إضافة إلى مسار مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة".

واستطرد: “من هنا، يمكن فهم المقاطعة بصفتها أداة لإعادة التموضع الإستراتيجي؛ حيث يسعى من خلالها الحزب إلى استعادة زمام المبادرة وتعزيز موقعه التفاوضي، سواء على مستوى الحكومة الاتحادية أو داخل إقليم كردستان”. 

وشدد يَاغارجيك على أن "الحزب (يرأسه مسعود بارزاني) لا يبدو أنه ينسحب من العملية السياسية بقدر ما يحاول إعادة تعريف شروط مشاركته فيها".

انسحاب تكتيكي

وأشار الكاتب التركي إلى أن "قراءة قرار المقاطعة من زاوية رد الفعل الآني على انتخابات الرئاسة فقط، تُعد قراءة قاصرة". 

وأوضح أن "القرار يعكس في جوهره إدراكا لدى الحزب بوجود خلل في آلية تقاسم السلطة داخل بغداد، والذي يتمثل في تراجع قدرته على التأثير في القرارات الكبرى، رغم تفوقه النسبي داخل الساحة الكردية".

وأضاف الكاتب أن "انتخابات رئاسة الجمهورية شكّلت محطة مفصلية في هذا المسار، فقد نجح الاتحاد الوطني الكردستاني في حسم المنصب لصالحه بدعم قوى فاعلة في بغداد، وهو ما أظهر محدودية تأثير التفوق العددي للحزب الديمقراطي الكردستاني عندما لا يكون مدعوما بشبكة تحالفات فعّالة". 

وتابع: “نجد أن هذا الإقصاء قد تكرّر مرة أخرى في ملف كركوك، وهو ما عزز الانطباع بأن الحزب بات خارج دوائر القرار في قضايا إستراتيجية، لذلك فإن المقاطعة تبدو بمثابة انسحاب تكتيكي، يهدف إلى رفع كلفة تجاهل الحزب، ودفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها”. 

ولفت يَاغارجيك إلى أن “هذه الإستراتيجية، رغم ما تحمله من إمكانات ضغط، تنطوي على مخاطر حقيقية، إذ قد تؤدي في حال استمرارها إلى تكريس واقع سياسي جديد يُبنى دون مشاركة الحزب”.

وأردف بأن "تجربة الحزب الديمقراطي الكردستاني تكشف عن معضلة بنيوية في النظام السياسي العراقي، والتي تتمثل في أن التفوق الانتخابي لا يضمن بالضرورة نفوذا سياسيا موازيا". 

وذكر أنه "رغم حصول الحزب على كتلة انتخابية كبيرة، إلا أنه لم يتمكن من ترجمة هذا التفوق إلى حضور مؤثر في بغداد، في ظل نظام قائم على التحالفات المركبة".

في المقابل، استطاع الاتحاد الوطني الكردستاني تعويض ضعفه العددي من خلال تحالفات إستراتيجية مع قوى شيعية، وهو ما منحه قدرة أكبر على التأثير. 

وبهذا يبدو أن العامل الحاسم في السياسة العراقية ليس حجم التمثيل فقط، بل القدرة على بناء تحالفات عابرة للهويات الفرعية، يقول يَاغارجيك.

واستطرد: "وعليه، فإن قرار المقاطعة يعكس إدراكا متأخرا لهذه الحقيقة، ومحاولة لإعادة صياغة الإستراتيجية السياسية للحزب بما يتلاءم مع طبيعة النظام القائم".

تحديات متزايدة

وقال الكاتب: إن تداعيات المقاطعة لا تقتصر على مستوى بغداد فحسب، بل تمتد إلى الداخل الكردي؛ حيث ظهرت مؤشرات تدل على تحوّل في موازين القوى.

وأضاف أن التقارب بين قوى كردية منافسة، مثل الاتحاد الوطني وحركة الجيل الجديد، قد يفتح المجال أمام تحالفات جديدة تُضعف من هيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وأشار يَاغارجيك إلى أنه “رغم أن هذه التحالفات لا تمتلك بعد القدرة العددية لتشكيل بديل كامل، إلا أنها تشكل عنصر ضغط إضافي، وتُدخل الحزب في بيئة تفاوضية أكثر تعقيدا، فكونه لاعبا لا غنى عنه حسابيا لا يعني بالضرورة امتلاكه اليد العليا سياسيا، خاصة في ظل تغير قواعد اللعبة”.

ونبه إلى أن هذا الواقع يدفع الحزب إلى تبني نهج أكثر حدة في التفاوض؛ حيث تُستخدم المقاطعة لتمثّل رسالة مزدوجة؛ إلى بغداد بضرورة إشراكه كشريك أساسي، وإلى الداخل الكردي بأن تجاهله لن يكون خيارا مستداما.

ولفت الكاتب التركي النظر إلى أن المقاطعة، رغم ما توفره من أوراق ضغط، تحمل في طياتها مخاطر لا يمكن تجاهلها، فاستمرار الغياب عن المؤسسات التشريعية قد يؤدي إلى إضعاف تأثير الحزب في عملية صنع القرار، ويمنح خصومه فرصة لملء الفراغ. 

وتابع: "كما أن ذلك قد ينعكس سلبا على صورته لدى الناخبين، خاصة إذا ترسخ الانطباع بأنه غير قادر على تحويل انتصاراته الانتخابية إلى نتائج ملموسة".

واستطرد: “هنا يبرز السؤال الجوهري؛ إلى متى يمكن للحزب الاستمرار في هذه الإستراتيجية دون أن تتحول من ورقة قوة إلى نقطة ضعف؟”

وشدد يَاغارجيك على أن المعطيات الحالية تشير إلى أن المقاطعة ليست خيارا دائما، بل أداة مؤقتة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، ومن المرجح أن يعود الحزب إلى البرلمان عند تحقيق مكاسب ملموسة في عملية تشكيل الحكومة.

واسترسل: “غير أن التأخر في هذا القرار قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية بشكل يستبعده، وهو ما قد يكون أكثر كلفة على المدى الطويل”.

ورأى يَاغارجيك أن "مقاطعة الحزب الديمقراطي الكردستاني للبرلمان لا يمكن رؤيتها بوصفها خطوة احتجاجية بسيطة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بموقعه في معادلة السلطة، ومن المرجح أن تُستكمل هذه الإستراتيجية بعودة مدروسة للبرلمان عند تحقيق مكاسب معينة".

وختم مقاله قائلا: “وعليه، فإن المستجدات الراهنة توضح بشكل جلي أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يهدف إلى الانسحاب من النظام، بل يعمل على إعادة صياغته بما يتوافق مع مصالحه”.