الهدنة "المخترقة" مع لبنان.. كيف تنعكس على الداخل في إسرائيل؟

“عندما تقرر واشنطن فإن هامش المناورة المتاح لإسرائيل يتقلص بسرعة”
انتهى الضغط الدبلوماسي الأميركي على إسرائيل ولبنان بإعلان مفاجئ من الرئيس دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام بين البلدين يبدأ من 16 أبريل/ نيسان 2026، وذلك قبل انتهاء المناقشات في المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي وإجراء التصويت على القرار.
وبحسب صحيفة "معاريف" العبرية، ساد غضب عارم بين الوزراء الذين تلقوا اتصالا هاتفيا عاجلا، ليكتشفوا أن القرار اتخذ بالفعل وأن ترامب نفسه قد أعلنه.
وفي 17 أبريل/ نيسان 2026، بدأت هدنة لمدة 10 أيام، ثم جرى تمديدها حتى 17 مايو/ أيار، غير أن إسرائيل تواصل خرقها يوميا عبر قصف يخلف قتلى وجرحى، فضلا عن تفجير واسع لمنازل في عشرات القرى جنوب لبنان.

تغيير جوهري
وذكرت "معاريف" أن "هذه الخطوة بدأت بضغوط أميركية مكثفة على إسرائيل للترويج لوقف مؤقت لإطلاق النار، في محاولة لخلق نافذة دبلوماسية تسمح بتحقيق تقدم أوسع على الساحة الإقليمية".
في هذا الإطار، ترى الصحيفة أن "القراءة المتأنية لفحوى بيان وزارة الخارجية الأميركية حول وقف إطلاق النار تكشف عن أبعاد أوسع نطاقا بكثير، سواء في رسالته المركزية، أو في نواياه، أو حتى في الروح العامة التي صيغ بها".
فهو، بحسبها، يمثل "محاولة أميركية لدفع عملية سياسية بين إسرائيل ولبنان، تحت غطاء ترتيب أمني مؤقت".
من هنا، تعتقد الصحيفة أن "وقف إطلاق النار لمدة محددة يعد الإطار الذي من المفترض أن تتم هذه العملية في إطاره، وليس الهدف بحد ذاته".
ووفق هذا التحليل، فإن واشنطن "تسعى بوضوح إلى إحداث تغيير جوهري في المسار، فبدلا من الاستمرار في سياسة إدارة جولات التصعيد المتكررة، يهدف الحراك الحالي إلى تدشين مسار يتضمن مفاوضات مباشرة، وإعادة تعريف العلاقات بين الطرفين، وربما وضع حجر الأساس لتسوية دائمة".
ولفتت إلى أنه "في هذا الإطار يبرز تفصيل جوهري يتمثل في التأكيد على أن إسرائيل ولبنان ليستا في حالة حرب، وهي مقولة سياسية تهدف بالدرجة الأولى إلى تهيئة الأرضية السياسية والشعبية لانطلاق اتصالات مباشرة، وذلك رغم العداء التاريخي المتجذر ورغم التعقيدات الميدانية الراهنة على الأرض".
من جانب آخر، أفردت الصحيفة الحديث عن ردود فعل حكومة الاحتلال الإسرائيلي حول طريقة إعلان الهدنة مع لبنان.
وقالت: "عقب تغريدة ترامب، عُقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء عبر الهاتف، وقد أُشرك الوزراء في النقاش وهم يدركون مسبقا أن الحادثة قد تجاوزت مرحلة المداولات، وأن القيادة السياسية كانت في خضم عملية كشف عنها الرئيس الأميركي علنا".
ووفقا لها، "أعرب عدد من الوزراء عن استيائهم الشديد من طريقة إدارة العملية، وشعورهم بأن القرار فُرض عليهم من الخارج، ومن إبلاغ مجلس الوزراء بالأمر بأثر رجعي، أي بعد وقوعه مباشرة".
وقدرت أن "الغضب لم ينبع من المحتوى فحسب، بل من الأسلوب أيضا، فبالنسبة لبعض أعضاء مجلس الوزراء، فإن حقيقة قيام الرئيس الأميركي باستباق مجلس الوزراء الإسرائيلي وخلق أمر واقع قد قوضت عملية صنع القرار وعمقت الشعور بأن إسرائيل كانت تتفاعل مع الخطوة بدلا من إدارتها".
وتابعت: "خلال المحادثة، أبلغ نتنياهو الوزراء أن قوات الجيش ستبقى في مواقعها الحالية طوال فترة وقف إطلاق النار".
وعقّبت الصحيفة: "هذه تفصيلة جوهرية، لأنها تُظهر، وفقا للرؤية الإسرائيلية، أن هذا ليس انسحابا فوريا أو تغييرا في الانتشار، بل هو هدنة مؤقتة مع الحفاظ على الواقع القائم".
ومن خلال الرسالة المصورة التي بثها رئيس الوزراء، ترى "معاريف" أن نتنياهو "سعى إلى طمأنة الوزراء المعارضين، وإيصال رسالة مفادها أن إسرائيل لن تتخلى عن إنجازاتها العملياتية في جنوب لبنان".
ونوهت إلى أن "هذه الرسالة موجهة أيضا إلى لبنان وحزب الله، فمن وجهة نظر إسرائيل، لا يمحو هذا التوقف الواقع القائم على الأرض، ولا يؤدي تلقائيا إلى العودة للوضع السابق".
قراءات متباينة
أما على الصعيد السياسي، فيبدو، بحسب وجهة نظر الصحيفة، أن هذا الحراك يحمل قراءات متباينة للأطراف المعنية؛ فبالنسبة لنتنياهو، "تمثل هذه الخطوة محاولة لكسب وقت سياسي دون التنازل عن القبضة العسكرية على الأرض".
وأردفت: "في المقابل، يرى عون في هذا التطور إنجازا يضع لبنان في موقف الطرف الذي فرض وقف إطلاق النار أولا قبل الانخراط في أي حوار، إذ كانت رسالة بيروت واضحة لا لبس فيها: وقف إطلاق النار أولا، وبعد ذلك فقط يمكن النظر في الانتقال إلى مسار سياسي أكثر مباشرة".
واستطردت: "وبين هذا وذاك، كان هذا القرار بمنزلة اختبار لوزراء الكابينت؛ إذ عكس بوضوح كيف انتقل ثقل صنع القرار -ولو للحظة- من الغرف المغلقة في إسرائيل إلى التغريدات الصادرة من واشنطن".
وبالنظر إلى الموقف الإسرائيلي، ترى الصحيفة أن "البند الحاسم في البيان هو ذلك الذي يمنحها حرية عمل واسعة، إذ إن الحق في الدفاع عن النفس (في أي وقت) لا يلغيه اتفاق وقف إطلاق النار".
ووفق تفسيرها، "يعني ذلك عمليا أن إسرائيل لا تلتزم بضبط نفس مطلق، بل بتعهد أكثر محدودية يتمثل في الامتناع عن المبادرة بعمليات هجومية".
في ظل هذه الظروف الراهنة، أشارت إلى أن "ورقة الضغط الرئيسة لإسرائيل في بقاء جيشها جنوب لبنان، في عمق الأراضي، وليس فقط على طول خط الدفاع، هذا بالإضافة إلى منع السكان من العودة إلى القرى الواقعة على خط التماس الأول والثاني، بل وحتى الثالث، كما يرى البعض".
من جهة أخرى، "يؤكد لبنان أن وقف إطلاق النار شرط أساسي لفتح قناة سياسية، وأن أي نقاش مستقبلي يجب أن يشمل أيضا قضايا الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان"، قالت الصحيفة.
وتابعت: "أما من وجهة نظر الإدارة الأميركية، فتعد الأيام العشرة الأولى بمثابة فترة اختبار، ليس فقط لوقف إطلاق النار نفسه، بل أيضا لاختبار إمكانية تحويل وقف النار إلى عملية استقرار أوسع على طول الحدود".
وأردفت: "ومن هنا تبرز أهمية مسألة الإنفاذ: فإذا اختار حزب الله اختبار حدود التفاهمات، فسيتعين على إسرائيل أن تُقرر في غضون فترة وجيزة ما إذا كان هذا انتهاكا محددا أم انهيارا للعملية برمتها".
بعبارة أخرى، "تضع الولايات المتحدة أمام الحكومة اللبنانية هدفا طموحا كادت أن تفشل في تحقيقه سابقا: إرساء سيادة أمنية كاملة على أراضيها وتقليص فعلي لأنشطة المنظمات المسلحة غير الحكومية، بقيادة حزب الله".
واستطردت: "هذه المرة، على الأقل نظريا، لا يبدو الأمر مجرد دعوة عامة أخرى لضبط النفس، بل مطلبا صريحا بأن تكون القوة المسلحة الوحيدة في لبنان هي قوة الدولة، أما عمليا، يُمثل هذا تحديا مباشرا لمكانة حزب الله".
"وهنا تكمن المشكلة الرئيسة لهذه الخطوة، فقدرة الحكومة اللبنانية على تلبية هذا المطلب ليست مضمونة على الإطلاق"، بحسب تقدير الصحيفة.
وعزت ذلك إلى أن "حزب الله ليس مجرد منظمة عسكرية، بل هو أيضا فاعل سياسي واجتماعي واقتصادي، وله نفوذ عميق على النظام اللبناني".
وخلصت إلى أن "نزع سلاحه، أو حتى الحدّ بشكل كبير من حرية تحركه، يتطلب تغييرا هيكليا جذريا في لبنان، ومن المشكوك فيه إمكانية تحقيق مثل هذه الخطوة خلال فترة وجيزة من وقف إطلاق نار مؤقت".
بالنسبة لترامب، ترى الصحيفة أن "هذه الخطوة مُصممة لتحقيق إنجاز فوري وإعادة ترسيخ القيادة الأميركية في المنطقة".
وبحسب تقديرها، "لا يُعد هذا الحدث معزولا، فمن وجهة نظر واشنطن، يُمثل الهدوء في لبنان جزءا من جهد إقليمي أوسع نطاقا لتحقيق الاستقرار في الساحة الدولية، في ظل محاولة لوقف المزيد من التدهور مع إيران، وخلق سلسلة من التحركات الدبلوماسية بدلا من توسيع نطاق الحرب".
وهو ما يعني أنه "إذا صمد وقف إطلاق النار، سيحاول ترامب تصويره كبداية لتحرك إقليمي أوسع، أما إذا انهار سريعا، فستقول إسرائيل إن مخاوفها كانت في محلها، وأن حزب الله لم يلتزم بالقواعد فعليا".
لكن حتى وإن استأنفت إسرائيل الحرب على الحزب، فإن الصحيفة لفتت إلى أن هذا الحدث "كشف حقيقة سياسية صعبة لإسرائيل، فعندما تقرر واشنطن الانتقال من ممارسة الضغط إلى فرض واقع، فإن هامش المناورة المتاح لها يتقلص بسرعة".
واستطردت: "على أي حال، سيُذكر هذا اليوم بصفته اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي واقعا جديدا، واضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى التكيف معه".
![]()
جائزة إلى حزب الله
من المنظور العسكري، انتقد المحلل العسكري المتطرف آفي أشكنازي وقف إطلاق النار موضحا أن "إنهاء المعركة قبل (تطهير) جنوب لبنان، من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، لن يؤدي إلا إلى تعزيز قوة حزب الله في المستقبل".
وقال: "تحدثت مع قادة ميدانيين عاديين في لبنان، وأخبروني أنه إذا توقفت المعارك الآن، فإن ذلك يعني إيقافنا في منتصف الطريق، سنضطر للعودة إلى هنا بعد عدة أشهر لإكمال المهمة، وهم يقولون: (دعونا نُنْهِها، وافعلوا ما ترونه مناسبا، أنتم في الواقع تمنحون حزب الله جائزة)".
ويرى أشكنازي أن هذا النمط يتكرر مرة تلو الأخرى، مضيفا: "التاريخ يعيد نفسه، عام 2006 كنا في الوضع ذاته وانتهينا إلى تعادل، بقي حزب الله صامدا، ثم أسسوا عقيدة (محرري الجليل) و(المسجد الأقصى)، والأمر نفسه حدث لنا في غزة خلال عمليات أخرى".
وتابع: "أما الرسالة من منظور حزب الله فهي مقلقة: (نحن نجعله يدرك أنه إذا صمد في القتال، فإنه سيكون أقوى بكثير مما كان عليه قبل 28 فبراير/ شباط 2026)".
من جانبه، تحدث المؤرخ المتخصص في السياسة الأميركية، كوبي باردا، عن تأثير الضربات الإسرائيلية في لبنان على موقف ترامب، مشيرا إلى أن "هجوم بيروت الضخم الذي وقع عقب ساعات من إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، ألحق ضررا هائلا".
وأوضح أن "عددا كبيرا من المسيحيين تضرروا، وفي محيط ترامب هناك عدة أطراف مؤثرة، بينما لدينا نحن طرف واحد أساسي، ويمكنني تسميتهم (مجموعة المسيحيين الصهاينة)".
وأردف: "وعندما يرون مثل هذه الصور، فإن الدافع الطبيعي للدفاع (عن نتنياهو) يتراجع، وعندما وقع هذا الحدث، أدركت أن الرئيس سيجبرنا على وقف الحرب".
وفي رؤية مغايرة، يرى الكاتب الإسرائيلي تيري نيومان أن "التوصل إلى اتفاق ناجح بين إسرائيل ولبنان لن يعني فقط إنهاء نزاع، بل سيكون بداية لنظام إقليمي جديد".
وأوضح فكرته قائلا: "لا يُعد اتفاق محتمل بين إسرائيل ولبنان مسألة أمنية فحسب، بل اختبارا عميقا للفكرة المركزية في كتابي (القرن اليهودي): الانتقال من دولة يهودية بوصفها مجرد حقيقة سيادية، إلى كيان يسهم في تشكيل نظام إقليمي جديد، يربط بين الهوية والدولة والمنطقة".
من هذا المنظور، يرى نيومان في مقاله بصحيفة "معاريف" أن الاتفاق مع لبنان "قد يشكل امتدادا مباشرا لـ (اتفاقيات إبراهيم)، ولكن في ظروف أكثر تعقيدا، تتطلب تغييرا جذريا داخل لبنان نفسه".
وعليه، يعتقد أن "نزع سلاح حزب الله لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل هو عملية بناء للسيادة اللبنانية: "دولة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد".
"ومن ثم، فإن عملية تفكيك حزب الله تمثل محاولة لصياغة هوية مدنية لبنانية جديدة، أو بلغة أخرى، لا يمكن إلا للدولة اللبنانية أن تضع نفسها فوق المليشيا، إنها عملية إزالة للتطرف على المستوى الثقافي"، على حد تعبيره.
أما من المنظور الإسرائيلي، فيقدر أن "مثل هذا الاتفاق يتطلب الانتقال من عقلية الردع فحسب إلى عقلية خلق مساحة".
وبالتالي، شدد نيومان على أنه "يجب على إسرائيل تقديم أفق يشمل الاقتصاد وإعادة الإعمار والسيادة اللبنانية الفعلية مقابل السلام والاندماج الإقليمي، وقبل كل ذلك تفكيك حزب الله".

















