حرب غير مباشرة.. إستراتيجية استنزاف تركيا عبر ملفات شرق المتوسط المعقدة

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تصاعد ملحوظ في التوترات السياسية والعسكرية شهدته منطقة شرق البحر المتوسط وبحر إيجه في السنوات الأخيرة، سواء بين تركيا واليونان، أو في ملف قبرص وقضايا الطاقة والتحالفات الأمنية المتنامية في المنطقة. 

ورغم أن هذه الملفات تبدو منفصلة ظاهريا، إلا أن بعض التحليلات الإستراتيجية ترى أنها ترتبط بسياق أوسع، يتمثل في محاولة الحد من صعود تركيا كقوة إقليمية مؤثرة، بحسب ما جاء في مقال للكاتب خليل إبراهيم بويوكباش، نشره معهد "التفكير الإستراتيجي" التركي.

حرب غير مباشرة

وقال بويوكباش: إن "هذه الرؤية تستند إلى التحولات الكبيرة التي شهدها الدور التركي خلال العقد الأخير". 

وشدد على أن "أنقرة لم تعد دولة إقليمية تقليدية، بل قوة تمتلك حضورا متزايدا في ملفات معقدة، تمتد من سوريا وليبيا إلى قره باغ وشرق المتوسط، إضافة إلى توسع صناعاتها الدفاعية ومواقفها السياسية في قضايا مثل غزة والعالم الإسلامي". 

واستدرك الكاتب بأن "توسع النفوذ التركي قد أدّى إلى تحويل أنقرة لخصم صعب في المعادلات الإقليمية والدولية، وهو ما أثار قلق أطراف ترى في هذا الصعود تهديدا لمصالحها وتوازناتها القديمة". 

ولفت إلى أن "إسرائيل تبرز كأكثر الأطراف إدراكا لهذه الحقيقة؛ فهي تدرك تماما أنها لا تستطيع المجازفة بصدام عسكري مباشر مع دولة تمتلك ثقل تركيا السكاني، وعمقها الجغرافي، وقدرات جيشها واستخباراتها، فضلا عن صناعاتها الدفاعية وصلابة مجتمعها المرتبط بذاكرة تاريخية عريقة".

وبسبب هذه القوة الشاملة التي تجعل المواجهة المباشرة خيارا خاسرا، تتجه الإستراتيجية الإسرائيلية نحو “الحرب غير المباشرة”. 

وتعتمد، وفق الكاتب، على محاصرة تركيا وإضعافها من الداخل والخارج؛ وذلك عبر تشتيت انتباهها، واستنزاف طاقتها في أزمات متلاحقة، وتقسيم مجهودها بين جبهات مختلفة لإبقائها في حالة انشغال دائم بعيدا عن ملفات النفوذ الكبرى.

وأضاف بأن "فكرة المواجهة المباشرة مع تركيا بشكل عام لا تبدو خيارا واقعيا أو منخفض التكلفة بالنسبة لخصومها المحتملين، خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار حجم الجيش التركي، وقدراته العسكرية، وموقع تركيا الجغرافي، وقوتها البشرية والاقتصادية، إضافة إلى خبرتها المتراكمة في إدارة الصراعات الإقليمية". 

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا لا يقوم على حرب تقليدية مباشرة، بل على إستراتيجية استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إبقاء تركيا منشغلة بأزمات متواصلة في محيطها الإقليمي.

احتكاكات مستمرة

ولشرح هذه الفكرة، قال بويوكباش: "يمكننا أن ننظر إلى نموذج الحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث لم تدخل واشنطن والدول الغربية في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، لكنها قدمت دعما واسعا لأوكرانيا سياسيا وعسكريا واستخباراتيا واقتصاديا، وهو ما أدى إلى تحويل الحرب إلى معركة استنزاف ممتدة". 

ويرى أن نموذج "الحرب بالوكالة" قد يُستخدم بصورة مشابهة في شرق المتوسط؛ حيث يتم خلق بؤر توتر دائمة حول تركيا دون الوصول إلى حرب شاملة ومباشرة معها.

في هذا السياق، تعد اليونان الطرف الأكثر قابلية للعب دور "الجبهة الأمامية" في أي تصعيد محتمل مع تركيا، خصوصا في ظل الخلافات التاريخية المتعلقة ببحر إيجه، والجزر، والحدود البحرية، والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. 

وفقا لهذا التصور، فإن الهدف ليس تمكين اليونان من مواجهة تركيا عسكريا بصورة حاسمة، بل استخدام حالة التوتر المستمرة لإبقاء أنقرة في حالة استنفار سياسي وعسكري دائم.

وقال بويوكباش: "لا يمكننا أن ننسى أحداث عامي 2015 و2016 عندما وصلت العلاقات التركية الروسية إلى مستوى خطير من التوتر بعد إسقاط الطائرة الروسية قرب الحدود السورية واغتيال السفير الروسي في أنقرة". 

ويرى أن "تلك المرحلة كانت تمثل محاولة لدفع تركيا وروسيا إلى مواجهة مباشرة تخدم حسابات أطراف أخرى، إلا أن الطرفين نجحا لاحقا في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صدام واسع". 

واستطرد: “من هنا، يمكننا أن نرى أن السيناريو نفسه قد يُعاد اليوم لكن بأدوات مختلفة، بحيث يجرى استخدام اليونان بدل روسيا لخلق احتكاكات مستمرة تستنزف تركيا سياسيا وعسكريا".

العلم المزيف

وقال الكاتب: إن "منطقة شرق المتوسط تعد مهمة جدا، فهي واحدة من أكثر المناطق حساسية في المرحلة الحالية، وهذا ليس فقط بسبب الخلافات السياسية القديمة، بل أيضا نتيجة التنافس على مصادر الطاقة وخطوط الملاحة والمناطق البحرية والقواعد العسكرية، وشبكات الرادار والاستخبارات". 

وأشار إلى أنه “في ظل هذه البيئة المعقدة، قد يتحول أي حادث محدود إلى أزمة كبيرة، سواء كان ذلك من خلال مناوشة بحرية، أو أزمة مرتبطة بالتنقيب عن الغاز، أو تحركات عسكرية قرب الجزر، أو حتى هجمات سيبرانية تستهدف منشآت حساسة”.

وأردف الكاتب بأنه “من أخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجهها تركيا هي احتمال استخدام ما يُعرف بعمليات (العلم المزيف)، وهي عمليات تُنفذ بطريقة توحي بأن طرفا معينا هو المسؤول عنها بينما يكون الفاعل الحقيقي جهة أخرى تسعى لإشعال الصراع”. 

ورأى أن "خطورة هذه العمليات لا تكمن فقط في الحدث ذاته، بل في سرعة توجيه الاتهامات واستخدام الإعلام والرأي العام لدفع الدول نحو قرارات متسرعة قد تؤدي إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه لاحقا".

وبحسب هذه الرؤية، فإن الهدف الأساسي من هذه الإستراتيجية ليس تدمير تركيا عبر حرب مباشرة، بل إبقاؤها في حالة إنهاك مستمر من خلال تعدد الجبهات والضغوط، سواء عبر التوتر مع اليونان، أو الأزمات في سوريا والعراق، أو الضغوط الاقتصادية والإعلامية، أو الهجمات السيبرانية، أو الأزمات الدبلوماسية المتكررة. 

وذكر بويوكباش أن "استنزاف القدرات السياسية والعسكرية والأمنية قد يكون، في نظر بعض القوى، أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الدخول في مواجهة عسكرية شاملة".

ونبّه إلى أن "التحدي الأكبر أمام تركيا لا يتمثل فقط في امتلاك القوة العسكرية، بل في القدرة على إدارة الأزمات بحذر، وتجنب الوقوع في فخ الاستفزازات والحروب غير المباشرة". 

وأوضح أن “الصراعات الحديثة لم تعد تُدار فقط بالسلاح التقليدي، بل أصبحت تشمل الإعلام والحرب النفسية والتأثير السياسي والاقتصادي، إضافة إلى الصراع على تشكيل الرأي العام وتوجيهه”. 

وختم بويوكباش مقاله بالقول: “من هنا، فإن قدرة تركيا على قراءة التوازنات الإقليمية بدقة، والحفاظ على الردع العسكري مع الاستمرار في المسارات الدبلوماسية، ستكون العامل الحاسم في تجنب الانجرار إلى صراعات استنزاف طويلة قد تخدم مصالح أطراف أخرى أكثر مما تخدم استقرار المنطقة وشعوبها”.