تحولات النظام العالمي.. إلى أي مدى تقترب تركيا من السلاح النووي؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لا شك أن مسألة امتلاك تركيا للسلاح النووي لم تعد مجرد نقاش نظري أو قضية هامشية ضمن أوساط النخب، بل غدت انعكاساً مباشراً للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، بحسب ما أوردته صحيفة “يني شفق” التركية.

وأشارت الصحيفة، في مقال للكاتب التركي ندرت أرسينال، إلى أن أنقرة فضّلت لعقود البقاء تحت مظلة الردع النووي الغربية، مستفيدة من عضويتها في حلف الناتو، ومن الوجود الفعلي للأسلحة النووية الأميركية على أراضيها، كما هو الحال في قاعدة إنجرليك.

وكان هذا الترتيب يعني عملياً تمتع تركيا بالحماية النووية من دون تحمّل كلفة القرار أو تبعاته السياسية والإستراتيجية. 

غير أن هذه المعادلة، التي بدت مستقرة لعقود طويلة، أصبحت اليوم محل تساؤل جدي، في ظل عالم تغيّرت موازينه، وتحالفات لم تعد بالصلابة نفسها، بل باتت تواجه تصدعات متزايدة.

تفكك التوازنات

وذكر الكاتب التركي أن أحد أبرز التحولات يتمثل في تآكل بنية النظام الغربي نفسه. 

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد قائمة على التناغم الكامل كما في السابق، بل باتت تتسم بالتباعد، وربما التنافس في بعض الملفات. 

فَأوروبا، التي اعتمدت طويلاً على الحماية الأميركية، بدأت تعيد التفكير في أمنها الإستراتيجي. 

حيث نجد ألمانيا تعلن عن خطط لزيادة عدد جيشها بشكل غير مسبوق، وتخصص ميزانيات ضخمة للدفاع، في حين تتحرك فرنسا تجاه بناء منظومة دفاع أوروبي مستقل، بل وتتبنى سياسات خارجية أكثر جرأة، حتى وإن تعارضت مع المصالح الأميركية أو التركية.

أما بريطانيا، فقد اختارت موقعاً أكثر هجومية، وذلك عبر قيادة المواجهة مع روسيا، وتكثيف دعمها العسكري لحلفائها، مع انخراط متزايد في مناطق خارج أوروبا، بما فيها الشرق الأوسط.

في المقابل، تلعب الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة تضغط على حلفائها الأوروبيين، ومن جهة أخرى تساهم في تسريع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، وهذا عبر سياساتها تجاه روسيا والصين، ودخولها في صراعات متتالية تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي. 

غير أنّ هذه الديناميكيات لا تنتج استقراراً، بل تزيد من حالة السيولة وعدم اليقين.

وأردف الكاتب بأنّ هذا التآكل لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية للنظام العالمي. 

والمؤشرات على تراجع النظام الليبرالي في تزايد؛ وذلك مع صعود العملات الرقمية، وتوجّه بعض الدول إلى تقليل الاعتماد على الدولار، إضافة إلى الأزمات البنيوية في الاقتصادات الغربية. 

كل ذلك يعيد إلى الأذهان سيناريوهات أزمات مالية كبرى شبيهة بأزمة سنة 2008. إنّ هذا يعني أن "الوقود" الذي كان يغذي النظام الدولي لم يعد مستقراً.

أزمة الشرعية

بالتوازي مع هذا التحول، تتعرض المؤسسات الدولية لتآكل غير مسبوق في شرعيتها وفعاليتها. 

فالأمم المتحدة، التي كانت تُعد الإطار الأعلى لتنظيم العلاقات الدولية، لم تعد قادرة على فرض قراراتها أو حتى حماية المبادئ التي قامت عليها. 

وكذلك الحال بالنسبة لحلف الناتو، الذي يواجه تحديات داخلية وخارجية تضعف من تماسكه.

إنّ الأمثلة العملية على هذا التراجع كثيرة، لكنّ أبرزها العجز عن وقف الانتهاكات الكبرى، كما في الحالة الفلسطينية. 

حيث بدا واضحاً أن القانون الدولي لم يعد أداة ردع حقيقية. ومع غياب آليات تنفيذ فعالة، تحولت هذه المؤسسات إلى هياكل شكلية، تفتقر إلى القدرة على التأثير في سلوك الدول.

هذا الواقع لا يشير فقط إلى مرحلة تراجع، بل إلى أزمة بنيوية أعمق. 

حيث تطرح تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي نفسه. وإذا كانت الدول تعيد صياغة إستراتيجياتها الأمنية بشكل منفرد، فإن ذلك يعني عملياً نهاية مرحلة "الأمن الجماعي" بصيغته التقليدية.

وأردف الكاتب التركي بأنّ اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية كانت تُعد خلال فترة الحرب الباردة إحدى الدعائم الأساسية لتنظيم النظام الدولي وضبط تَوازناته، غير أنها فقدت الكثير من معناها مع مرور الوقت، بعدما قوضتها القوى التي أنشأتها أساساً. 

فقد انسحبت الدول الكبرى من عدد من هذه الاتفاقيات، وتعاملت معها بانتقائية، معتمدةً معايير مزدوجة تجاه الدول الساعية لامتلاك القدرات النووية.

فعلى سبيل المثال، ورغم إعلان إيران مراراً عدم نيتها تطوير سلاح نووي، تعرضت لضغوط وعقوبات بل وهجمات، حتى فيما يتعلّق بممارسات تدخل ضمن سيادتها. 

في المقابل، لم يُبدِ المجتمع الدولي موقفاً حازماً تجاه إسرائيل، التي يُعتقد أنها تمتلك قدرات نووية خارج أي إطار رقابي، وتواصل نفي ذلك دون مساءلة تُذكر.

إنّ هذا الواقع يعكس تراجع فاعلية الاتفاقيات الدولية ذات الطابع الإلزامي، وفقدانها لهيبتها وقدرتها على الردع، إذ لم يعد هناك آلية حقيقية لمحاسبة من ينتهكها. 

في الوقت نفسه، تبدو الدول التي تمكنت من امتلاك السلاح النووي، مثل كوريا الشمالية وباكستان، وكأنها استفادت من هذا الواقع، حيث عززت مواقعها دون أن تواجه قيوداً فعالة.

معضلة القرار  

وأشار الكاتب التركي إلى أنّ تركيا تجد نفسها أمام هذه التحولات في موقع جغرافي وسياسي شديد الحساسية. فهي محاطة بمناطق صراع، ولها علاقات متشابكة مع قوى كبرى وإقليمية، وهو ما يجعل بيئتها الأمنية معقدة ومتغيرة باستمرار. 

وقد استجابت أنقرة لهذه التحديات عبر تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية، والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الدفاعية.

غير أن هذه الإستراتيجية، رغم أهميتها، تواجه حدوداً واضحة. فالتفوق في القوة التقليدية لا يكفي دائماً في مواجهة تهديدات غير متكافئة، خاصة في عالم تتزايد فيه أهمية الردع النووي كضامن نهائي للأمن. 

كما أن الاعتماد على تحالفات خارجية لم يعد خياراً مضموناً، وهذا في ظل تقلب مواقف القوى الكبرى وتغيّر أولوياتها. 

فَالتحالف مع الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا يضمن الحماية في جميع السيناريوهات، خاصة إذا تعلق الأمر بصدام مع دولة تمتلك سلاحاً نووياً مثل إسرائيل. 

وكذلك العلاقة مع روسيا، رغم أهميتها، لا توفر ضمانات طويلة الأمد، في ظل التغيرات المستمرة في موازين القوى الإقليمية.

هنا تبرز المعضلة الأساسية؛ هل ينبغي لتركيا أن تسعى لامتلاك سلاح نووي؟ غير أن الإجابة ليست بسيطة، لأن هذا القرار ينطوي على مرحلتين مختلفتين تماماً: 

المرحلة الأولى هي مرحلة السعي إلى الامتلاك، والتي قد تترافق مع ضغوط دولية، وعقوبات اقتصادية، وربما مواجهات سياسية وأمنية. 

أما المرحلة الثانية فهي ما بعد الامتلاك، حيث يتحول السلاح النووي إلى أداة ردع قد توفر حماية إستراتيجية طويلة الأمد.

هذا التباين بين المرحلتين يجعل القرار معقداً، إذ يتطلب موازنة دقيقة بين المخاطر الآنية والمكاسب المستقبلية. 

مع ذلك، فإن التجارب الدولية تشير إلى أن الدول التي نجحت في امتلاك هذه القدرة، تمكنت من تعزيز أمنها بشكل ملحوظ.

واستدرك الكاتب التركي بأنّ تجربة باكستان تقدّم مثالاً لافتاً في هذا السياق، حيث لعب العالم النووي عبد القدير خان دوراً محورياً في تطوير البرنامج النووي للبلاد، رغم الضغوط الدولية الهائلة. 

ورغم الجدل الذي أحاط بمسيرته، إلّا أنّ النتيجة النهائية كانت امتلاك باكستان قدرة نووية شكلت رادعاً حقيقياً.

وتعكس المقولة الشهيرة لخان "بأن الدول التي تمتلك سلاحاً نووياً لا تتعرض للاحتلال أو إعادة رسم حدودها" جوهر فلسفة الردع النووي. 

فبغض النظر عن الجدل الأخلاقي والسياسي، يبقى هذا السلاح أحد أقوى أدوات الضمان الأمني في النظام الدولي الحالي.

في ضوء ما سبق، يبدو أن تركيا تواجه لحظة إستراتيجية حاسمة. فَالنظام الدولي الذي اعتمدت عليه لعقود يتغير بسرعة، والتحالفات التقليدية لم تعد توفر نفس مستوى الأمان. 

وفي ظل تصاعد منطق القوة، وتراجع فعالية القانون الدولي، يصبح البحث عن أدوات ردع أكثر استقلالية أمراً منطقياً، وإن كان محفوفاً بالمخاطر.