من اليمن إلى أوكرانيا.. شبكة تجنيد عابرة للحدود في خدمة الحرب الروسية

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بينما كانت نيران الحرب المستعرة في المدن اليمنية تمضي عقدها الثاني، لم يكن في حسبان الجندي «سعيد» أو المهندس «محمد حسين»، المنتميين للجيش اليمني، أن ينتهي بهما المطاف في خنادق متجمدة على بعد آلاف الكيلومترات، ليخوضا حرباً لا ناقة لهما فيها ولا جمل.

لا تمثل هذه القصص مآسي فردية معزولة، بل تُشكّل نموذجاً مصغّراً لشبكة تجنيد منظّمة وعابرة للحدود، تستغل هشاشة الواقع اليمني لتغذية آلة الحرب الروسية في أوكرانيا.

وتُقدَّم هذه الشبكة تحت غطاء «فرص عمل مدنية» ووعود مالية ومزايا قانونية، لتتحول في النهاية إلى مسار قسري يحوّل الشباب اليمني إلى وقود في صراع لا ينتمي إليه.

آليات التجنيد

تكشف التحقيقات الصحفية الدولية، بما فيها ما نشرته "فايننشال تايمز"، وشهادات ميدانية من أسرى حرب، عن نمط استدراج منهجي يستهدف الشباب اليمني، بمن فيهم جنود سابقون في الجيش اليمني، ومتخصصون في تشغيل الطائرات المسيّرة.

تُقدَّم العروض عبر وعود بوظائف مدنية في شركات أمنية، أو منشآت طبية، أو مصانع طائرات، أو حتى مناجم فحم، برواتب تتراوح بين 2000 و3000 دولار شهرياً، مع مكافآت فورية تصل إلى 10 آلاف دولار، وإغراء بالحصول على الجنسية الروسية في فترة زمنية قصيرة.

بيد أن الواقع يتغير جذرياً فور الهبوط في مطارات موسكو. تُصادر جوازات السفر، ويُجبر المجندون تحت تهديد السلاح على توقيع عقود مكتوبة باللغة الروسية دون فهم مضمونها، لتتحول «الوظيفة المدنية» المزعومة إلى التزام عسكري قسري.

يخضع هؤلاء لتدريب عسكري سريع يُنقلون على إثره مباشرة إلى جبهات القتال في دونباس وكورسك، حيث يواجهون ظروفاً لوجستية وطبية شديدة التقشف، وتنخفض مخصصاتهم المالية إلى نحو 260 دولاراً شهرياً.

يصف أسرى محرّرون من معسكرات الاحتجاز الأوكرانية التجربة بـ«الكابوس العسكري»، في ظل خوض معارك معقدة دون إلمام باللغة أو الجغرافيا أو طبيعة الحرب الحديثة القائمة على الاستهداف الدقيق والطائرات المسيّرة.

وتُظهر هذه الآلية تحولاً في نمط التعبئة العسكرية الحديثة، حيث لم تعد الدول تعتمد حصراً على التجنيد الداخلي أو المتطوعين الأيديولوجيين، بل تلجأ إلى «التجنيد الاقتصادي القسري» كآلية تعويض سريع للخسائر البشرية، مستغلةً الفجوة بين العرض الوظيفي المغري والواقع الميداني القاسي، في نموذج يُصنّف قانونياً وإنسانياً ضمن ممارسات "الاتجار بالبشر" ذات الطابع شبه العسكري.

شركة الجابري

تُشير المعطيات المتوفرة إلى أن شركة «الجابري للتجارة العامة والاستثمار»، المملوكة للبرلماني والقيادي الحوثي عبد الولي الجابري، تُشكّل المحور التنفيذي لهذه الشبكة.

سُجّلت الشركة في مدينة صلالة العُمانية بوصفها كياناً يعمل في السياحة والسفر، وتوريد المعدات الطبية والأدوية، في خطوة منهجية لإضفاء الشرعية الشكلية على نشاطها وإخفاء طبيعتها الحقيقية.

واستُخدمت هذه الواجهة لاستدراج الشباب عبر عقود توهمهم بتوظيفهم كـ «حراس أمن» أو «فنيين» في منشآت روسية، قبل تحويلهم قسراً إلى الخدمة العسكرية.

تؤكد تقارير وزارة الخزانة الأميركية أن هذه العمليات لا تقتصر على التجنيد فحسب، بل تُشكّل أيضاً قناة تمويلية حيوية للحوثيين، حيث يتقاضى السماسرة ما بين 10 و15 ألف دولار عن كل مجند.

كما تعتمد الشبكة على وسطاء ميدانيين داخل اليمن، بعضهم من الجنود السابقين الذين يستغلون علاقات الثقة والشبكات الاجتماعية لإقناع زملائهم بالانخراط في المسار.

ويعكس استخدام الواجهات التجارية المسجلة في دولة ثالثة نموذجاً متقدماً من «الاقتصاد الحربي غير الرسمي»، حيث تدمج الجماعات المسلحة بين النشاط التجاري المشروع، والوساطة العابرة للحدود، والتمويل العسكري، في شبكة مرنة يصعب تتبعها أو تفكيكها عبر الآليات الرقابية التقليدية.

المحطة العُمانية

رغم عدم وجود دلائل على تورط رسمي للحكومة العُمانية، تكشف المصادر الصحفية والحقوقية عن دور لوجستي محوري لعبته السلطنة في تسهيل انتقال المجندين.

استُخدمت أراضيها وبنيتها الدبلوماسية كنقطة عبور رئيسة، حيث اتخذت شركة الجابري من صلالة ومسقط مقراً لإدارة عمليات الاستقطاب وتوقيع العقود. وفي الإطار ذاته، لعبت السفارة الروسية في مسقط دوراً حاسماً في منح تأشيرات العمل بناءً على مستندات ومذكرات مقدمة عبر الشركة، مما أتاح نقل الشباب بشكل قانوني ظاهرياً.

تحولت عُمان إلى محطة ترانزيت أساسية، يُنقل المجندون براً من اليمن إلى الأراضي العُمانية، ثم يُرحّلون جواً إلى موسكو. وتشير تقارير حقوقية، منها تقرير منظمة «سام»، إلى تنسيق مباشر بين مكتب الجابري والجانب الروسي، بمشاركة موظف في القنصلية الروسية يُدعى «دميتري»، أسهم في تسهيل الإجراءات وضمان انسيابية النقل.

لاحقاً، ومع تصاعد الضغوط الحقوقية، برزت عُمان كقناة شبه وحيدة لإعادة عدد محدود من اليمنيين الذين سُمح لهم بمغادرة روسيا، مما يؤكد استمرار الاعتماد على هذا المسار الجغرافي في مرحلتي التجنيد والإجلاء على حدٍ سواء.

ويُجسّد هذا الدور نموذج «الدول المحايدة كممرات وظيفية» في الصراعات غير المتماثلة؛ حيث لا يتطلب التورط المباشر تدخلاً سياسياً، بل يكفي توفير البنية اللوجستية والقنصلية لتمكين شبكات غير رسمية من العمل.

وهو ما يسلط الضوء على تحدي «الإفلات من المساءلة غير المباشرة» في ظل غياب أطر دولية تلزم الدول المضيفة للترانزيت بمراقبة الاستخدام الفعلي للتأشيرات والعقود الموقعة على أراضيها.

المعادلة الجيوسياسية

تجاوزت ظاهرة تجنيد اليمنيين الإطار الإنساني لتُصبح مؤشراً على تحول جيوسياسي أعمق. فالتقارب الروسي-الحوثي، الذي كان يبدو مستحيلاً قبل 2022، يعكس إستراتيجية موسكو المزدوجة: تعويض العجز البشري في أوكرانيا، وفتح جبهات نفوذ جديدة في الشرق الأوسط عبر جماعات معادية للغرب.

وفي المقابل، يستخدم الحوثيون هذه العلاقة كرافعة لتعزيز قدراتهم البحرية والصاروخية، وتحويل تهديد الملاحة في البحر الأحمر إلى ورقة مساومة دولية.

تكشف الوقائع عن مقايضة إستراتيجية واضحة: يسعى الحوثيون عبر «تصدير» المقاتلين إلى بناء روابط أعمق مع الكرملين، والحصول على أسلحة متطورة، وصواريخ مضادة للسفن، والاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية الروسية لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر.

وفي المقابل، تجد روسيا في اليمن «سوقاً رخيصاً» للمقاتلين ذوي الخبرة العسكرية الجاهزة، مما يجنبها كلفة التدريب الطويل ويخفف من وطأة التعبئة العامة التي تثير سخط الداخل الروسي، محوّلةً هؤلاء الشباب إلى «وقود للمدافع» في حرب استنزاف طويلة.

تُجسّد هذه العلاقة نموذجاً للتحالفات غير المتكافئة؛ حيث تقدّم الجماعات المسلحة (الحوثيون) مقاتلين يمنيين بأقل تكلفة، مقابل حصولها على دعم عسكري وتقني واستخباراتي من روسيا، ويتم تبادل هذه المصالح عبر قنوات غير رسمية بعيدة عن العلن.

وفي الوقت نفسه، يُظهر تحويل اليمن إلى ما يشبه «الخزان البشري» تغيّراً في منطق الحروب الحديثة، فلم تعد السيادة الوطنية تعني حماية المواطنين، بل أصبحت حدوداً جغرافية تتيح للقوى الخارجية استنزاف طاقات الشعب بسهولة. وهكذا، تتحول هشاشة اليمن الداخلية وضعف مؤسساته إلى ورقة رابحة تستغلها القوى الإقليمية والدولية لتحقيق مصالحها، في حين يدفع المواطن اليمني الثمن بدمائه.

لماذا اليمن؟

لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق اليمني. فبعد سنوات من الحرب، يعاني البلد من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية عالمياً. رواتب الجنود متدنية أو متوقفة، والبطالة مرتفعة، والعملة المحلية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها.

في هذا الواقع، يصبح الشاب اليمني، خاصة من لديه خلفية عسكرية، هدفاً مثالياً، فهو يمتلك مهارات قتالية جاهزة، ولا يحتاج إلى تدريب طويل، وفي الوقت نفسه يعاني من ضغوط معيشية تدفعه إلى قبول مخاطر كبيرة. كما أن الهدن المؤقتة في بعض الجبهات تقلل من فرص القتال المحلي، ما يدفع بعض المقاتلين للبحث عن «فرص» خارجية.

أشارت مصادر صحفية إلى أن تدني الرواتب وغياب الحوافز شكّلا عاملاً حاسماً في انتشار الظاهرة، حيث أصبح عرض القتال في الخارج، رغم مخاطره، أكثر جاذبية من البقاء دون دخل مستقر. وثمة عامل بنيوي آخر: لم تكن لهذه الشبكات أن تنجح لولا «سلاح الجوع» فالحرب خلفت انهياراً اقتصادياً شاملاً وبطالة مستشرية.

عندما يتقاضى الجندي اليمني راتباً لا يتجاوز 30 دولاراً (في حال صُرف أصلاً)، يصبح العرض الروسي «فرصة لا تُرفض» حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. لقد استغلت شبكات التجنيد هذه الهشاشة الاقتصادية، وحولت الحاجة الإنسانية إلى أداة تجنيد سياسي وعسكري دولي.

تُظهر هذه الديناميكية كيف تتحول «الأزمات الهيكلية» إلى موارد قابلة للتعبئة خارجياً. فغياب العقد الاجتماعي، وتآكل قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من العيش، يخلقان فراغاً أمنياً وسياسياً تستثمره شبكات عابرة للحدود في نموذج يُعرف أكاديمياً بـ«العسكرة الاقتصادية للهجرة القسرية»، حيث يُجبر الفرد على الاختيار بين البقاء في فقر مدقع أو المخاطرة بحياته مقابل وعود غير مضمونة.

الإطار الحقوقي والقانوني

لعبت المنظمات الحقوقية دوراً محورياً في توثيق الظاهرة وكشف أبعادها:

-منظمة «سام» للحقوق والحريات (جنيف): أجرت تحقيقات استقصائية أكدت أن العمليات تندرج ضمن «الاتجار بالبشر» وتستغل حاجة الشباب الماسة.

-الاتحاد الدولي للمهاجرين اليمنيين (هولندا): قاد جهوداً حقوقية لتتبع رحلات المجندين وتلقي نداءات الاستغاثة، ومارس ضغوطاً على الحكومة اليمنية أثمرت عن تسهيل عودة 11 مجنداً من روسيا عبر عُمان.

-منظمة «حماية» للحقوق والحريات: وصفت التجنيد بأنه انتهاك صارخ للحقوق الأساسية والحق في الحياة، وأكد أنه يمثل نمطاً من أنماط الاستغلال الاقتصادي القهري.

قانونياً، تُصنف هذه الممارسات ضمن انتهاكات صريحة لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة استخدام المرتزقة (1989)، وبروتوكولات منع الاتجار بالبشر، والقانون الدولي الإنساني الذي يحظر التجنيد القسري واستغلال المدنيين في نزاعات مسلحة.

على المستوى المؤسسي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية في مارس 2025 عقوبات على عبد الولي الجابري وثماني شخصيات حوثية أخرى، متهمة إياهم باستخدام شركة تجارية كواجهة لتسهيل نقل مدنيين يمنيين إلى وحدات عسكرية روسية مقابل تمويل العمليات الحوثية.

وحضّت منظمات مثل «سام» و«حماية» والحكومة اليمنية على تعزيز الرقابة الحدودية، وإطلاق حملات توعية، والتعاون مع الإنتربول والمحكمة الجنائية الدولية لملاحقة الشبكات.

بيد أن هذا الملف يحظى بحضور محدود في أجندة الهيئات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة. وهذا الغياب لا يعني بالضرورة تواطؤاً مباشراً، لكنه يعكس قصوراً في الاستجابة أو تردداً في فتح ملفات حساسة تتقاطع مع توازنات سياسية معقدة. وقد يُفسَّر الصمت أو ضعف التفاعل على أنه تغاضٍ، خصوصاً من قبل الأطراف المتضررة.

وفي حين يعاني اليمن من انقسام مؤسسي، ترفض موسكو الاعتراف بـ«التجنيد القسري» وتصنفه ضمن «المتطوعين الأجانب»، بينما تكتفي الدول الغربية بالمراقبة وإصدار عقوبات فردية دون مقاربة شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والأمنية للظاهرة.

يكشف هذا الواقع عن قصور في القوانين الدولية الحالية، التي صُممت في عقود سابقة ولم تستوعب أساليب التجنيد الحديثة. فالشبكات والدول تستغل ثغرات هذه الاتفاقيات، خاصة أنها لم تتنبأ بطرق الجذب المعاصرة التي تعتمد على العروض المالية عبر الإنترنت، أو استخدام القنوات الدبلوماسية والقنصلية كغطاء رسمي لنقل المقاتلين.

وفي المقابل، يعجز المجتمع الدولي والأمم المتحدة عن التحرك بحزم، ليس فقط بسبب غموض النصوص القانونية، بل لأن النظام الدولي نفسه يعاني من عيب جوهري: فمن الصعب تفعيل آليات دولية مشتركة أو فرض عقوبات عندما تتعارض القضية مع مصالح دولة عظمى تتمتع بحق النقض (مثل روسيا)، أو عندما يهدد التحرك تحالفات إقليمية حساسة.

وهكذا، تظل هذه الممارسات مستمرة في ظل فراغ قانوني وسياسي يستغله المتورطون، بينما يفتقد الضحايا الحماية الدولية الفعلية.

مقاربة سياسية للحد من الظاهرة

تجنيد اليمنيين للقتال في أوكرانيا لصالح روسيا ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على هشاشة الدولة واستثمار الفاعلين في الفراغ الجيوسياسي، حيث يُختزل الأفراد إلى موارد في صراعات خارجية. والحد من هذه الظاهرة يتطلب معالجة متعددة المستويات:

-داخلياً: انتظام صرف الرواتب، توسيع فرص التأهيل والعمل للشباب، تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية والمطارات، وملاحقة شبكات التجنيد قضائياً ضمن أطر قانونية واضحة.

-إقليمياً ودولياً: تنسيق تبادل المعلومات الاستخباراتية والجمركية، فرض عقوبات مستهدفة على الشركات والوسطاء، ودعم برامج إعادة الإدماج النفسي والمهني للعائدين.

-قانونياً وإنسانياً: التوصيف الرسمي للممارسات كاتجار بالبشر وتجنيد قسري، تمكين الملاحقات القضائية وطنياً ودولياً، وتأمين مسارات إنسانية آمنة لإجلاء العالقين، مع تفعيل آليات الرقابة القنصلية على عقود العمل الموجهة لدول النزاع.

لم تكن الحرب الأوكرانية الروسية مجرد تجربة قاسية لليمنيين، بل تحولت إلى مقبرة مجهولة الهوية. تشير وثائق وزارة الدفاع اليمنية وشهادات العائلات إلى مقتل العشرات، وإصابة المئات بإعاقات دائمة، بينما لا يزال آخرون في عداد المفقودين أو محتجزين في معسكرات أسرى الحرب غربي أوكرانيا.

إن قضية تجنيد اليمنيين للقتال في أوكرانيا ليست مجرد تدويل للصراع اليمني، بل هي صرخة تحذير من تحول اليمن إلى خزان بشري للحروب العابرة للقارات. إنها «تجارة دماء» تدار بعقلية جيوسياسية باردة، يدفع ثمنها شباب يبحثون عن كرامة العيش، ليجدوا أنفسهم وقوداً في صراع عالمي غريب عنهم وعن جراح وطنهم النازف.

في المحصلة، تكشف هذه القضية عن معادلة مختلة: حرب دولية تبحث عن مقاتلين، وبيئة محلية تدفع أبناءها إلى الهجرة القسرية نحو القتال، وشبكات تستثمر في الفجوة بين الطرفين. وبين هذه العناصر، يظل الإنسان في صورته الأضعف هو الخاسر الأكبر، فيما تستمر المصالح في إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال مختلفة.