أدنى مستوى في 25 عاما.. لماذا لم تعد الأنظمة المغربية تحتمل حرية الصحافة؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

مع إحياء العالم في الثالث من مايو/أيار من كل عام "اليوم العالمي لحرية الصحافة"، يتجدد الجدل بشأن واقع الصحافة في دول المغرب العربي التي شهدت تراجعات متفاوتة خلال السنوات الأخيرة، وفق ما أكده تقرير 2026.

ووفق مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" في 30 أبريل/نيسان 2026، سجلت الجزائر أكبر تراجع في المنطقة المغاربية بواقع 19 مرتبة، لتحتل المركز 145، وتُصنّف ضمن فئة "الوضع شديد الخطورة".

الجزائر

وفي التفاصيل، نجد أن هذا الترتيب يرجع إلى وجود "قوانين فضفاضة" تحكم المهنة؛ حيث يتم استخدام بعض التعديلات في قانون العقوبات بذرائع مثل "نشر أخبار كاذبة" أو "المساس بالأمن القومي" كوسيلة لتجريم العمل الصحفي ومحاكمة الصحفيين.

كما ما يزال التهديد بالسجن قائما بالجزائر، حيث شهد عام 2026 استمرارا لسياسة التوقيف والمتابعة القضائية، وسجلت تقارير دولية اعتقال صحفيين مستقلين (مثل عمر فرحات مدير موقع "ألجيري سكوب"، والصحفي المستقل عبد العالي مزغيش) بسبب ممارستهم لمهامهم.

كما يُعد الجانب الاقتصادي من أبرز وسائل التضييق في الجزائر. إذ تحتكر الوكالة الوطنية للنشر والإشهار (ANEP) الإعلانات الحكومية، وتستخدمها كأداة للمكافأة والعقاب؛ حيث تُمنح للمؤسسات الموالية للخطاب الرسمي وتُحجب عن تلك التي تتبنى خطا تحريريا مستقلا أو ناقدا.

من جانب آخر، تفرض السلطات هيمنة شبه كاملة على وسائل الإعلام العمومية (التلفزيون والإذاعة)، وتستخدمها كقنوات أحادية للترويج لخطاب السلطة وتجاهل الأصوات المعارضة.

وبسبب مناخ الخوف والمتابعات الأمنية والقضائية، يضطر الكثير من الصحفيين إلى ممارسة "الرقابة الذاتية"، مبتعدين عن التقصي في ملفات حساسة مثل الفساد المالي، شؤون الجيش، أو الحركات الاحتجاجية.

​وفي المجمل، يفتقر المشهد الإعلامي إلى التعددية الحقيقية التي تعكس أطياف وآراء المجتمع الجزائري كافة بحرية وشفافية.

موريتانيا

ذكر التقرير أن موريتانيا تراجعت بـ 11 مرتبة، واحتلت 61 عالميا. لتواصل بذلك مسار التراجع بعد أن خسرت العام الذي قبله 17 نقطة، متراجعة من الرتبة 33 إلى الرتبة 50.

وبالمناسبة، أكدت المنظمة أن الصحفيين في موريتانيا يتعرضون لضغوط كبيرة من السلطة السياسية، في ظل وضع اقتصادي هش.

وأشارت المنظمة إلى أن سوء استخدام القانون المتعلق بحماية الرموز الوطنية، والمعتمَد في 2021، قد يشكل عائقا أمام العمل الصحفي، مذكرة بأن تعقيد الإجراءات الإدارية ما يزال يعرقل عمل اللجنة الخاصة بالبطاقة الصحفية، والتي أُنشئت نهاية 2025.

ونبهت المنظمة إلى أنه رغم تعهد الحكومة بتحسين ظروف عمل الصحفيين، فإن وضعهم ما يزال يتسم بالهشاشة، مما يجعلهم عرضة لكتابة مقالات أو إنجاز تقارير صحفية مقابل تقاضي مبلغ مالي معين.

ولفتت إلى أنه رغم أن الحكومة الموريتانية حسّنت وضعية الصحفيين المتعاونين العاملين في وسائل الإعلام العامة بعد عقود من الانتظار، فإن كثيرين منهم يشتكون من ضعف الأجور.

وشددت المنظمة أن وسائل الإعلام المستقلة تطالب بالشفافية في توزيع الإعلانات العمومية وضمان توزيعها بشكل عادل. كما أن صندوق دعم الصحافة، رغم مضاعفة ميزانيته السنوية، ما يزال عاجزا عن ضمان استمرارية وسائل الإعلام.

وقالت المنظمة: إن من وصفتهم بـ"الموريين"، وعرفتهم بأنهم جماعة عرقية تتحدث العربية والحسانية، يسيطرون على جل وسائل الإعلام، مما يؤثر على المحتوى الذي يُنشر أو يُبث فيها، مذكرة بأن موريتانيا بلد متعدد الثقافات والأعراق.

ورأت المنظمة أن وسائل الإعلام نادرا ما تتطرق لقضايا الاغتصاب الزوجي أو الجنس أو العبودية، ناهيك عن الفساد والجيش والإسلام والفوارق بين المكونات المجتمعية.

تونس

"مراسلون بلا حدود" سجلت في تقريرها تراجع تونس بـ 8 درجات في 2026، حيث احتلت 137.

وبالمناسبة، أصدرت "النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين" تقريرها السنوي حول الحريات الصحفية في تونس، والذي جاء بحسبها في سياق مناخ سياسي داخلي يتسم بتضييق متزايد على المجال العام، وإعادة رسم حدوده بما يقلّص من أدوار الفاعلين المستقلين، ويضع الإعلام أمام اختبارات غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

وأشارت النقابة إلى أن خصوصية المرحلة في تونس لا تكمن فقط في هذا التداخل، بل في كونها تعكس أزمة مركّبة تمسّ في العمق أسس المجال العام، وتضع موضع تساؤل جدي مجمل الضمانات الديمقراطية التي أفرزتها ثورة الحرية والكرامة.

وذكرت أن "الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام اليوم لم تعد أزمة قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت تعبيرا مكثفا عن اختلالات أوسع تنال التوازن بين السلطة والمجتمع".

وأبرزت النقابة أن الاختلالات المسجلة تأتي في سياق سياسي يتجه بشكل متسارع نحو تجريف الحياة السياسية، وتحجيم دور المجتمع المدني، وإضعاف الأجسام الوسيطة، تحت مبررات متعددة من قبيل مكافحة الفساد أو حماية الدولة من التفتت، بما أفضى عمليا إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس أكثر انغلاقا وأقل تعددية.

ومهما تعددت العوامل التقنية والاقتصادية، يقول المصدر ذاته، "تبقى المسؤولية السياسية عنصرا حاسما في تفسير هذا التراجع، خاصة في ظل سياسات عمومية تميل إلى التحكم في مفاصل المجال الإعلامي".ذ

وأردف: "سواء عبر التشريع، أو عبر التضييق على النفاذ إلى المعلومة، أو عبر إضعاف الهيئات التعديلية، أو من خلال خلق مناخ من الخوف والضغط غير المباشر، يجعل من ممارسة العمل الصحفي فعلًا محفوفًا بالمخاطر".

ليبيا

ذكر التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود أن ليبيا، تراجعت بدرجة واحدة، حيث انتقلت من 137 إلى 138 عالميا، ورغم أن التقرير لم يورد تفاصيل موسّعة عن ليبيا، إلا أن المؤشرات العامة تعكس بيئة إعلامية صعبة.

غير أن "منظمة التضامن لحقوق الإنسان" الليبية، وفي بيان صدر بتاريخ 03 مايو 2026، قالت إن حرية الصحافة في ليبيا تواجه تحديات خطيرة ومتراكمة، تتفاقم بفعل الانقسام السياسي، وتعدد مراكز القوة، وغياب الإطار القانوني الحامي لحرية التعبير.

وسجلت المنظمة وجود انتهاكات ممنهجة ومتواصلة للصحفيين، تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتهديد والاعتداء الجسدي، والرقابة الأمنية المشددة، وإجبار الصحفيين على الحصول على موافقات مسبقة أو الكشف عن معلومات شخصية، ومنع التغطيات الإعلامية، ومصادرة المعدات، ومسح المواد الصحفية، والتضييق على دخول الصحفيين الأجانب، وفرض إجراءات تعسفية غير منصوص عليها قانونا.

وذكر البيان أن ليبيا تعاني من بيئة إعلامية مسيسة ومجزأة، حيث تستغل أطراف النزاع وسائل الإعلام كأدوات دعائية، وتفرض رقابة على المحتوى، بينما تجبر العديد من المؤسسات الإعلامية على العمل تحت حماية جماعات مسلحة أو سلطات أمر واقع.

وقالت المنظمة: إن قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2022 يعد أحد أبرز التحديات، لما يحتويه من نصوص فضفاضة تمنح جهات تنفيذية صلاحيات واسعة لحجب المواقع ومراقبة المحتوى دون رقابة قضائية فعالة.

وأشار إلى أن العديد من الصحفيين اضطر إلى مغادرة ليبيا أو ترك المهنة بسبب التهديدات المباشرة وغير المباشرة، بينما تستمر الاعتداءات على الصحفيات بنسبة مقلقة.

وشدد المصدر ذاته أن حرية الصحافة في ليبيا تمر بمرحلة حرجة، في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة، وتنامي التلاعب بالمعلومات، وتراجع الثقة العامة.

وأكدت المنظمة الحقوقية أن الصحافة الحرة والمستقلة ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية لضمان المساءلة، وحماية الحقوق، وتعزيز السلام، داعية جميع الأطراف إلى احترام حرية الصحافة، وضمان سلامة الصحفيين، وتمكين الإعلام من أداء دوره في خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.

المغرب

أما المغرب فقد احتل المرتبة 105 في تقرير 2026، حيث ارتقى بدرجة واحدة مقارنة مع سنة 2025، لكنه مع هذا التحسن لم يغيّر من التقييم العام الذي أبقى المملكة ضمن خانة "الوضع الصعب".

وسجلت المنظمة أن الصحفيين المستقلين في المغرب يواجهون "ضغوطا مستمرة"، مقدرة أن الحكومة الحالية عززت من مستوى التحكم في القطاع.

كما رأت أن تعددية الصحافة في المغرب "واجهة صورية"، لا تعكس فعليا تنوع الآراء السياسية، في ظل ما وصفته بتضييق على المنابر الناقدة وتقييد للحق في الوصول إلى المعلومات.

وأشار التقرير إلى تنامي دور ما وصفه بـ "آلة الدعاية"، مقابل تراجع الأدوار التقليدية للإعلام، مع تسجيل استخدام التضليل الإعلامي كأداة لخدمة أجندات سياسية.

كما أبرز لجوء مسؤولين حكوميين إلى المتابعات القضائية في مواجهة صحفيين ناقدين، إضافة إلى تأثير النفوذ المالي على الخطوط التحريرية لوسائل الإعلام الأكثر انتشارا.

"وضع صعب وخطير"

يرى الباحث المختص في الشأن الصحفي والإعلامي عبد الله أموش، أن ترتيب دول المنطقة ومنها المغرب، لا يصل إلى مستوى تطلعات ورضا المراقبين والمهتمين والحقوقيين، لأنه ليس بالمطمئِن.

وأضاف أموش لـ "الاستقلال"، أن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى هذا الوضع السلبي الذي تعيشه الصحافة المغاربية.

واسترسل، ومنها المتابعات القضائية في حق عدد من الصحفيين، ومحاولة الحكومة استمالة المقاولات الصحفية عبر الدعم أو غيره من الأشكال، وتركز العديد من المؤسسات الصحفية تحت قبضة شركات قابضة مقربة من دائرة صناعة القرار، علاوة على التراجعات التي تشهدها القوانين المؤطرة للعمل الصحفي.

وشدد الباحث الأكاديمي المختص في الصحافة والإعلام أن كل هذه العوامل وغيرها تهدد البناء الديمقراطي، وذلك لما تلعبه الصحافة من دور إخباري ورقابي ومتابعة للشأن العام.

وذكر أموش أن التضييق على الصحافة والعمل الصحفي ينتج عنه فقدان الثقة، والذي يضر بدوره بالسلم الاجتماعي ويؤدي إلى البحث عن منافذ وبدائل أخرى، وهذا هو الأمر الخطير في المسألة.

هذا الوضع السلبي لحريات الصحافة والإعلام في المغرب العربي لم يكن استثناء إقليميا، بل قال تقرير "مراسلون بلا حدود"، إنه وللمرة الأولى في تاريخ التصنيف، بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير".

وأوضح أنه لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية.

وذكر أن المؤشرات الخمسة التي تقيس حالة حرية الصحافة في العالم (الاقتصادية والقانونية والأمنية والسياسية والاجتماعية)، سجلت انخفاضا هذا العام.

إذ فقدت الولايات المتحدة (المرتبة 64) سبعة مراكز في حين تقهقرت بلدان أميركية أخرى، مثل الإكوادور وفنزويلا، إلى مستويات متدنية.

وللسنة العاشرة على التوالي، تحتل النرويج صدارة التصنيف العالمي، بينما تُراوح إريتريا مكانها في قاع الترتيب منذ ثلاث سنوات.

وفي تعليقها على التقرير، قالت مديرة التحرير بمنظمة مراسلون بلا حدود، آن بوكانديه، إنه يجب أن لا نبقى مكتوفي الأيدي أمام خنق الصحافة والتضييق الممنهج على الصحفيين والتدهور المتواصل لحرية الإعلام.

وسجلت بوكانديه أن الانتهاكات التي تنال الحق في الوصول إلى المعلومات تتخذ مع مرور الوقت أشكالا أكثر تنوعا وتعقيدا، مشيرة إلى أن الجهات التي تقف وراءها لم تعد تُكلِّف نفسها عناء التخفي.

وتابعت، سواء تعلق الأمر بدول استبدادية، أو بسلطات سياسية متواطئة أو متقاعسة، أو بفاعلين اقتصاديين متغوّلين، أو بمنصات تعيث فسادا من دون حسيب ولا رقيب.

فأمام كل ذلك، تتابع بوكانديه، "يصبح الصمت مرادفا للرضا بالأمر الواقع. والحال أن المسألة لم تعد تتوقف على مجرد التأكيد على المبادئ؛ فقد أضحت سياسات الحماية الفاعلة ضرورة لا غنى عنها، على أن تؤدي دورا محرِّكا في هذا المضمار".

وقالت: إن البداية ينبغي أن تكون بوضع حدّ لتجريم العمل الصحفي، سواء من خلال الالتفاف على قوانين الأمن القومي، أو عبر الإجراءات القضائية الكيدية، أو التضييق الممنهج على كل من يُحقِّقون ويكشفون الخبايا ويسمّون الأشياء بأسمائها.

وذكرت أنه بينما ما تزال آليات الحماية هشة إلى حد بعيد، يزداد القانون الدولي تآكلا ويتفاقم الإفلات من العقاب إلى درجة بات معها من الضروري إرساء ضمانات حازمة وفرض عقوبات فعلية.

وخلصت إلى أن الكرة الآن في ملعب الدول الديمقراطية وشعوبها، لأنهم وحدهم مطالبون بالوقوف في وجه من يحاولون إحكام جدار الصمت. ذلك أن عدوى الاستبداد ليست قدرا محتوما لا سبيل إلى دفعه.