نيجيريا تتعاون عسكريا مع تركيا.. "بوكو حرام" و"تنظيم الدولة" إلى أين؟

عالي عبداتي | منذ ٨ أيام

12

طباعة

مشاركة

تسعى نيجيريا إلى فتح مسارات جديدة لمواجهة التهديدات الإرهابية ووقف أعمال العنف التي تنفذها جماعة "بوكو حرام"، من خلال تعزيز تعاونها العسكري مع عدد من الدول، من بينها تركيا.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الدفاع النيجيري، كريستوفر موسى، عن توقيع اتفاقية عسكرية مع تركيا تهدف إلى دعم قدرات بلاده في التصدي للتمرد المستمر منذ أكثر من 17 عامًا.

وجاء هذا الإعلان في تصريحات أدلى بها على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، الذي انعقد جنوب تركيا خلال الفترة من 17 إلى 19 أبريل/نيسان 2026.

وأوضح موسى، في حديثه لوسائل إعلام تركية، أن الاتفاق يشمل الانتقال إلى مراحل متقدمة من التعاون، من بينها التدريب المشترك وتطوير الإنتاج في قطاع الصناعات الدفاعية، بما يعزز الشراكة العسكرية بين البلدين.

وأضاف أن نحو 200 عنصر من القوات الخاصة في الجيش النيجيري سيتم إرسالهم إلى تركيا لتلقي تدريبات متخصصة، ضمن جهود رفع كفاءة القوات المسلحة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

ويتضمن الاتفاق أيضًا تزويد نيجيريا بحزمة من الأنظمة المتطورة، تشمل تقنيات المراقبة، والطائرات المسيرة، والمراقبة عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة مكافحة العبوات الناسفة، إلى جانب مركبات قتال مشاة، مع التخطيط لإجراء مناورات مشتركة في وقت لاحق من عام 2026.

وكانت نيجيريا قد تسلمت أولى طائراتها المسيرة المسلحة من طراز "بيرقدار TB2" في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما تشغل مروحيات هجومية من طراز "T129 ATAK".

سياق ضاغط

في سياق هذا المستجد، ذكر موقع "أفريكا نيوز" في 20 أبريل 2026، أن نيجيريا تعاني من المتطرفين الإسلاميين من جماعة بوكو حرام وجماعتها المنشقة المنافسة، وكذا تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، إضافة إلى عصابات من المجرمين المسلحين المعروفين باسم قطاع الطرق الذين ينهبون ويقتلون ويختطفون في الشمال الغربي.

وفي ظل هذا الوضع، يقول المصدر ذاته، يتعين على البلاد التعامل مع الأزمة الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل - المنطقة الشاسعة المتاخمة للصحراء الكبرى الجنوبية - والتي سمحت للجهاديين بالتوسع في جميع أنحاء غرب إفريقيا.

وشدد أن المشاكل الأمنية المزمنة في نيجيريا أثارت غضب الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة؛ حيث زعم الرئيس دونالد ترامب أن مسيحيي البلاد يواجهون "اضطهادا"، وفق تعبيره.

وقال الموقع: إن رحلة موسى إلى تركيا تأتي في محاولة لتقليل اعتماد نيجيريا على الولايات المتحدة، حيث سعت إلى تنويع شركائها الأمنيين.

وتأتي زيارة وزير الدفاع النيجيري إلى تركيا بعد زيارة الرئيس بولا تينوبو لأنقرة في أواخر يناير/كانون الثاني 2026، والتي شكلت أول زيارة لرئيس نيجيري منذ تسع سنوات.

شريك إستراتيجي

في حديثه للصحفيين في مؤتمر صحفي مشترك بعد لقائه بالرئيس تينوبو في المجمع الرئاسي، وصف أردوغان نيجيريا بأنها شريك إستراتيجي تحافظ تركيا معه على تنسيق وثيق بشأن القضايا الرئيسة التي تؤثر على العالم الإسلامي.

وأكد أردوغان أن الزعيمين استعرضا التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والطاقة والصناعات الدفاعية، مشيرا إلى أن زيارته لنيجيريا عام 2021 مهدت الطريق لتوسيع العلاقات.

وشدد على "الإرادة السياسية القوية" لدى الجانبين، مشيرا إلى وجود مسؤولين نيجيريين رفيعي المستوى ضمن وفد تينوبو كدليل على هذا الالتزام.

وعقب محادثات ثنائية وعلى مستوى الوفود، وقع البلدان تسع اتفاقيات تغطي مجالات الدبلوماسية والتعليم والإعلام وشؤون المرأة واعتماد "المنتجات الحلال" والتعاون مع المغتربين والتعاون العسكري.

وتشمل الاتفاقيات بروتوكول التعاون العسكري، ومذكرة بشأن الإعلام والاتصال، واتفاقية إنشاء اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة (JETCO)، ومذكرات بين أكاديميات الدبلوماسية التابعة لوزارتي الخارجية، من بين أمور أخرى.

وتُعد تركيا من أبرز الفاعلين في الصناعات الدفاعية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة؛ حيث أكد موسى أن أنقرة حققت تقدما ملحوظًا في هذا المجال، مشيرا إلى اتفاق الجانبين على التعاون في إنتاج بعض المكونات العسكرية بشكل مشترك.

ضرورة واقعية

في مقال رأي نشره عبر موقع "thecable" النيجيري، مطلع مايو 2026، أكد الجنرال المتقاعد كريستوفر غوابين موسى، أهمية تكوين 200 عسكري نيجيري في تركيا، بشكل متقدم، لمكافحة التمرد.

وشدد أن لو كان الأمر بيده لأرسل عددا أكبر إلى تركيا، مشيرا إلى أن التعاون الدفاعي أمر ضروري، والذي يندرج في إطار الدبلوماسية الدفاعية الدولية.

وقال غوابين موسى: إن هناك فئة في البلاد تعتقد أن القوة العسكرية كافية لمواجهة التحديات الأمنية، وهم يعبّرون ​​عن هذا الرأي بصوت عالٍ، مردفا، في الحرب، إطلاق النار شيء، والتصويب على الهدف شيء آخر، حيث تتداخل عوامل عديدة لتحديد نجاح المهمة أو فشلها.

وبخصوص النقاش الدائر حول إنشاء قاعدة عسكرية تركية في نيجيريا، فقال العسكري النيجيري إنه مثالٌ واضح على تعارض التكهنات مع الواقع. مشيرا إلى أن أي اتفاقية دفاعية مع دولة أجنبية تتضمن عدة بنود، منها على سبيل المثال، ضرورة السفر إلى قاعدة الشريك الدفاعي أو قدوم الشريك الدفاعي إلى قاعدتك، فهذه بروتوكولات معيارية لا تنتهك السيادة.

وشدد أن الاتفاقية الدفاعية مع تركيا ليست مصممة لانتهاك سيادتنا، فلنتوقف عن التكهن بما ليس كذلك، مقدرا أن توقيع اتفاقية دفاعية مع تركيا يُعد إنجازا هاما؛ إذ تُصنف قدراتها الدفاعية ضمن أعلى المستويات في مؤشر القوة النارية العالمي، وهي من أكبر مصدري الأسلحة والذخائر في العالم.

وشدد أن البلاد تواجه تهديدات أمنية متعددة المستويات؛ حيث تبذل نيجيريا جهودا متواصلة للتصدي لها، مقدرا أن الاتفاق مع تركيا ليس أمرا دفاعيا فحسب، بل إن نيجيريا حصلت على شريك قوي في جهودها الرامية إلى تحسين الوضع الأمني ​​في البلاد.

وتصاعدت المخاوف الأمنية في نيجيريا عقب مقتل 20 مدنيا على الأقل في هجوم شنّه مسلحون من جماعة "بوكو حرام" على قرى في ولاية بورنو (شمال شرق)، في 21 أبريل 2026.

وتعكس هذه العمليات عودة قوية لنشاط الجماعة المتشددة بالتزامن مع ضغوط سياسية متزايدة لمراجعة الإستراتيجية العسكرية، وإعادة تقييم برامج إعادة إدماج المقاتلين السابقين، وعلى رأسها عملية "الممر الآمن" التي تواجه انتقادات متصاعدة بشأن فعاليتها ومحدودية الدعم الشعبي لها.

وبحسب تقارير محلية، فإن المهاجمين اقتحموا القرى قبيل صلاة المغرب ذلك اليوم، واستمر الهجوم حتى فجر الأربعاء، بعد أن تمكنوا من التغلب على عناصر الأمن المحليين قبل تنفيذ عمليات قتل بحق السكان.

وتقع هذه القرى على الطرف الجنوبي لغابة سامبيسا، وهي منطقة تُعد تقليديا أحد أهم معاقل "بوكو حرام"، كما تشهد مواجهات متكررة بين الجماعة وتنظيم "داعش في غرب إفريقيا" في إطار صراع على النفوذ والسيطرة.

ويأتي هذا الهجوم ضمن تصاعد في وتيرة العمليات التي تنفذها "بوكو حرام" وتنظيم "داعش في غرب إفريقيا"، مع تحول ملحوظ نحو استهداف مواقع الجيش والشرطة.

ويشير هذا التحول إلى محاولة جماعة بوكو حرام المتشددة استعادة المبادرة العسكرية بعد سنوات من الضربات الأمنية التي حدّت من تحركاتها.

وتواجه القوات النيجيرية تحديات متزايدة في مناطق شمال شرق البلاد، حيث تعتمد الجماعات المسلحة على تكتيكات حرب العصابات والانتشار في مناطق وعرة، خصوصًا غابة سامبيسا والمناطق المحيطة ببحيرة تشاد.

مراجعة شاملة

في أعقاب الهجوم، عقد مجلس الشيوخ النيجيري جلسة طارئة أدان خلالها الهجمات الإرهابية لبوكو حرام، ودعا إلى "مراجعة شاملة" لعمليات الجيش في شمال شرق البلاد.

ووفق ما نقل موقع "قراءات إفريقية" في 23 أبريل، فقد طلب المجلس من قائد الأركان العامة للجيش، أولوفيمي أولوييدي، إجراء تدقيق عملياتي ولوجستي شامل للحوادث الأخيرة، وفحص الظروف المحيطة بها، وتقييم كفاية المعدات العسكرية، ومراجعة قواعد الاشتباك.

كما شدد المجلس على ضرورة تعزيز التدريب على حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسقوط ضحايا مدنيين خلال العمليات العسكرية، في إشارة إلى حادثة قصف جوي استهدف سوقا تستخدمه الجماعة المسلحة، واتُّهم الجيش بقتل عشرات المدنيين خلاله.

وخلال الجلسة، أكد رئيس مجلس الشيوخ غودسويل أكبابيو أن التمرد الإرهابي سيُهزم في نهاية المطاف، لكنه شدد على ضرورة تكثيف الجهود لتعزيز الأمن القومي، في ظل تصاعد الهجمات على التشكيلات العسكرية.

بالتوازي مع الهجوم الأخير، دعا مجلس الشيوخ الحكومة إلى تكثيف الجهود لإنقاذ 416 رهينة تحتجزهم "بوكو حرام" منذ نهاية مارس/آذار 2026؛ حيث هدد المسلحون بتصفية الرهائن إذا لم تُلبَّ مطالبهم بدفع فدية مالية تبلغ 3.7 مليون دولار.

ويرى مراقبون، وفق المصدر ذاته، أن الاعتماد على الحل العسكري وحده لم يعد كافيا، ما دفع السلطات إلى تبني برامج بديلة مثل عملية “الممر الآمن” التي تُعد أحد أبرز البرامج غير العسكرية التي أطلقتها نيجيريا لإعادة إدماج المقاتلين السابقين في المجتمع.

ويهدف البرنامج إلى نزع التطرف وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج، خصوصًا للمقاتلين منخفضي الخطورة الذين يسلمون أنفسهم للسلطات.

ووفق بيانات منشورة في فبراير/شباط 2025، فقد أُعيد إدماج 2190 مستفيدا بنجاح، بينما استسلم أكثر من 130 ألف شخص للسلطات منذ إطلاق البرنامج عام 2015.

مع ذلك، لا يزال البرنامج يواجه انتقادات واسعة بسبب تركيزه على الجناة وإهمال الضحايا، إضافة إلى انتشار معلومات مضللة بشأن نتائجه.

يرى منتقدون أن البرنامج يمنح المقاتلين السابقين فرصة للعودة إلى مجتمعات لم تُستشر أو تُهيأ لاستقبالهم، ما يخلق توترات اجتماعية ويضع الضحايا أمام واقع التعايش مع من ألحقوا بهم الأذى. ويؤكد هؤلاء أن إعادة الإدماج دون مصالحة حقيقية قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

قال موقع "truthnigeria" في تحليل في 29 أبريل: إن الشروط التركية للتعاون العسكري مع نيجيريا تبدو جذابة؛ حيث إن تكلفة طائرات بيرقدار TB2 المسيّرة تُقارب ربع تكلفة الطائرات المسيّرة الغربية المماثلة، فضلا أن أنقرة تقبل بالإنتاج المشترك.

وأضاف الموقع، وبالنسبة لقيادة نيجيريا، فإن تجميد واشنطن لمبيعات الأسلحة بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، يجعل النموذج التركي نموذجا سلسا.

ومع ذلك، يقول المصدر ذاته، وعلى الرغم من التحول نحو تركيا، ما تزال الولايات المتحدة  أكبر مورد منفرد للأسلحة إلى نيجيريا  من حيث حجم الدولار.

وسجل البنتاغون ما يقرب من  مليار دولار في عقود المبيعات العسكرية الأجنبية المعتمدة مع نيجيريا بين عامي 2020 و2024. ويُعد حجر الزاوية في ذلك حزمة طائرات A-29 سوبر توكانو - 12 طائرة هجومية خفيفة تم تسليمها مقابل ما يقرب من 500 مليون دولار، وهو أكبر برنامج للمبيعات العسكرية الأجنبية في أفريقيا جنوب الصحراء.

وفي أغسطس/آب 2025، وافقت واشنطن على صفقة بيع ذخائر إضافية بقيمة 346 مليون دولار. ومن المقرر تسليم مروحيات الهجوم من طراز بيل AH-1Z كوبرا في وقت لاحق من 2026.

وتعمقت العلاقات بين الولايات المتحدة ونيجيريا بعد الغارات الجوية المنسقة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وفي فبراير/شباط 2026، وصل 200 جندي أميركي إلى مطار باوتشي مع طائرات بدون طيار من طراز MQ-9 Reaper، وقاموا بإنشاء خلية استخبارات مشتركة.

وذكر المصدر ذاته أن أنقرة تُقدّم طائرات مسيّرة تنافسية، بينما تُقدم واشنطن نقلا جويا استراتيجيا، وذخائر دقيقة، واستخبارات عبر الأقمار الصناعية، ومروحيات هجومية، والأسطول الوحيد القادر على توجيه ضربات من سفينة حربية في خليج غينيا.

ويرى الموقع أن الصفقة مع تركيا تسدّ ثغراتٍ حقيقية في التدريب وتجهيزات الطائرات المسيّرة.

وفيما يتعلق بالموقف الدبلوماسي لأبوجا الذي يشمل الآن ترتيبات أمنية مع روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، تبدو القيادة الحالية لنيجيريا وكأنها تتشبث بأي أمل في مواجهة العنف.