آثار سياسية.. ما الذي يخشاه الناتو من الصاروخ التركي الجديد؟

"هذا التطور خلق مستوى جديد من التفاوض في العلاقات مع الحلفاء والخصوم"
نقطة تحول محتملة في مسار تطوير القدرات الصاروخية التركية وذلك بعد عرض صاروخ "يلدريم خان" الباليستي العابر للقارات في 5 مايو/أيار 2026، بمعرض "ساها 2026" في إسطنبول.
ويرى معهد إيطالي أن الإعلان عن "يلدريم خان" لا يقتصر على كونه استعراضا صناعيا، بل يشكل جزءا من مسار أوسع يشمل بناء دفاع وطني مستقل، وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتحويل القطاع الصناعي إلى أداة دبلوماسية، إلى جانب السعي لتعزيز الوجود العسكري في المناطق المجاورة.
وأوضح "معهد تحليل العلاقات الدولية" أن "تركيا ليست غريبة عن توظيف الترويج للأسلحة سياسيا، إذ جرى خلال السنوات الأخيرة استخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة والطرادات والأنظمة البحرية والصواريخ المضادة للسفن وبرامج الطيران كأدوات للتأثير والتصدير والإشارة الإستراتيجية.
ورأى أن "يلدريم خان" يغيّر طبيعة النقاش، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التفوق التكتيكي أو القدرة الإقليمية، بل يمتد إلى القدرة المعلنة على توجيه ضربات لمسافات تصل إلى 6 آلاف كيلومتر.

حساسية الناتو
ونقل المعهد عن موقع "إنسايد أوفر" الإيطالي ووكالة "الأناضول" التركية الرسمية ومصادر متخصصة أخرى أن النظام عُرض بصفته صاروخا باليستيا عابرا للقارات، طوره مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية.
وذكر أن الخصائص المعلنة تشمل مدى يقارب 6 آلاف كيلومتر، وسرعة دخول الغلاف الجوي تصل إلى 25 ماخ، وحمولة تبلغ نحو 3 آلاف كيلوغرام، إضافة إلى تصميم متعدد المراحل ونظام دفع سائل.
وأشار إلى أن هذه المواصفات، في حال تأكيدها عبر الاختبارات والإنتاج، ستضع أنقرة في مستوى قدرات أعلى بكثير من عائلة صواريخ "بورا" و"خان" وخط صواريخ "تايفون".
ولفت التقرير إلى أن عرض الصاروخ يخلّف بالفعل آثارا سياسية حتى قبل أي آثار عملياتية، لأنه يعكس طموحا ونضجا صناعيا ورغبة في دخول سباق الردع بعيد المدى.
وأوضح المعهد أن “سياق حلف شمال الأطلسي (الناتو) يزيد من حساسية هذه المسألة”.
وذكر أن "أنقرة تشارك بالفعل في منظومة الدفاع الصاروخي للحلف، إذ تستضيف تركيا رادار الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي في كورجيك، فيما تستضيف رومانيا وبولندا مواقع نظام "إيجيس آشور"، وتستضيف ألمانيا مركز القيادة في رامشتاين، بحسب وثائق الحلف".
وأضاف المعهد أن “تركيا تُعد في الوقت نفسه موطنا لبنى الاستشعار الدفاعية الخاصة بالحلفاء، ومنتجا محتملا محليا لأنظمة صاروخية باليستية بعيدة المدى”.
وأشار إلى أن “هذا الدور المزدوج يرسخ قواعد سياسية جديدة، إذ يمكن للحليف الذي يستضيف عنصرا من منظومة الدفاع الصاروخي الجماعي أن يصبح أيضا فاعلا مستقلا في مجال الردع الصاروخي التقليدي”.
وأكد المعهد أن “إرباك الوضع القائم لا يكمن في تصنيف الصاروخ الباليستي العابر للقارات، الذي يجب التعامل معه بحذر إلى حين توفر أدلة تجريبية وتشغيلية، بل في انتقال الصناعة الصاروخية التركية من إستراتيجية دفاعية وهجومية إقليمية إلى تصور أوسع للردع الإستراتيجي التقليدي”.
ولفت إلى أنه "من الناحية الجيوسياسية، فإن الإشارة إلى نظام يُفترض أن يعمل على مدى 6 آلاف كيلومتر لا تعني بالضرورة نية استخدامه، بقدر ما تُستخدم لإعادة تعريف نطاق التهديد، ورفع الكلفة المتصورة لأي ضغوط تُمارس على المصالح التركية، وخلق مستوى جديد من التفاوض في العلاقات مع الحلفاء والخصوم".
دفع معقد
وأشار المعهد الإيطالي إلى أن “الحذر يبقى ضروريا، إذ إن الصاروخ المعروض لا يُثبت بحد ذاته اكتمال سلسلة اختبارات الطيران، أو موثوقية نظام التوجيه، أو قدرة مركبة العودة على التحمل، أو جودة المواد، أو سلامة الوقود، أو تكامل القيادة والسيطرة، أو الجاهزية اللوجستية”.
ورأى أن “المواصفات المعلنة حاليا قد تكون دقيقة، وقد تكون أيضا طموحة أو جزئية”.
وذكر المعهد أن “البعد الصناعي يُعد جزءا لا يتجزأ من هذه القضية، إذ أنشأت تركيا منظومة دفاعية وفضائية أوسع نطاقا في السنوات الأخيرة، مدعومة بالصادرات والاستثمارات والطلب المحلي”.
وأوضح أن الإنفاق العسكري التركي عام 2025 يُقدّر بنحو 30 مليار دولار، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فيما أشار نقلا عن مصادر تركية تحدثت لصحيفة "ديلي صباح" إلى أن صادرات الدفاع والطيران تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار في 2025.
وأشار المعهد إلى أن الجمع المُعلن عنه بين الوقود السائل والهيكل متعدد المراحل وسرعة العودة العالية جدا والحمولة الكبيرة يثير ثلاثة تساؤلات على الأقل.
أولها يتعلق بقدرة تركيا على إدارة نظام دفع معقد بكفاءة وأمان، وثانيها بنضج مركبة العودة، خاصة إذا كان شكل المخروط الأمامي مرتبطا بتكوينات مركبة العودة متعددة الرؤوس الحربية أو مركبة الانزلاق فائقة السرعة، كما يفترض بعض المراقبين.
وأضاف أن العامل الثالث يتمثل في التوافق بين الطموح الإستراتيجي والعقيدة المعلنة، إذ لا تكون لقاذفة الصواريخ التقليدية بعيدة المدى قيمة إلا إذا أمكن دمجها في سلسلة استهداف واستخبارات وقيادة موثوقة.
ولفت إلى أنه بدون هذه السلسلة، يظل الصاروخ قويا كإشارة، لكنه غير مكتمل كنظام تشغيلي.

تداعيات جيوسياسية
وأوضح المعهد أن التداعيات الجيوسياسية المباشرة تتعلق بحلف الناتو، إذ إن امتلاك تركيا قدرات باليستية بعيدة المدى لن يخرج تلقائيا عن منطق الحلف، لكنه سيجبره على إدارة قدر أكبر من الاختلالات الداخلية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تمتلك بالفعل قدرات إستراتيجية، بينما يدرس أعضاء أوروبيون آخرون تطوير الدفاع الجوي والصاروخي والردع التقليدي وسط حالة من عدم اليقين بشأن الدور الأميركي.
وتابع التقرير أنه يمكن لأنقرة استخدام "يلدريم خان" كورقة ضغط ووسيلة في مناقشات تقاسم الأعباء، وإشارة إلى استقلاليتها.
ولفت إلى أن السؤال لا يتعلق ببقاء تركيا داخل الناتو أو خروجها منه، بل بمدى إمكانية مواءمة استقلاليتها الإستراتيجية مع الموقف الجماعي.
وأفاد المعهد بأن التداعيات الثانية تتعلق بالشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط عموما، إذ أن نظاما يمتد لمسافة 6 آلاف كيلومتر، حتى لو كان غير نووي، لا يقتصر على تغيير العلاقة مع خصم إقليمي واحد، بل يوسع نطاق الجهات الفاعلة التي يتعين على تركيا إدراجها في حساباتها الإستراتيجية.
وأوضح أن إسرائيل وإيران وسوريا والعراق ومصر واليونان وروسيا ودول الخليج ودول شمال إفريقيا قد تُفسّر هذا الإعلان بشكل متفاوت.
واستطرد: “إذ قد يُنظر إليه لدى البعض كإشارة ردع، ولدى آخرين كأداة ضغط، ولغيرهم كعنصر في المفاوضات الصناعية، لافتا إلى أن ذلك يفسر أولوية الأثر السياسي على الأثر العسكري”.
وختم المعهد تقريره بالإشارة إلى أن "يلدريم خان" يجب أن يُقرأ كإشارة إستراتيجية حتى قبل تأكيد القدرة العملياتية بشكل كامل.
وأوضح أن عرض تركيا للصاروخ يُدخلها في سباق الردع بعيد المدى الذي كان حتى وقت قريب خارج نطاق موقفها التقليدي، مشيرا إلى أن أنقرة حققت بالفعل أثرا سياسيا من خلال تعزيز مصداقية طموحها في الانتقال من قوة صاروخية إقليمية إلى قوة إستراتيجية ذات عتبة.
ولفت المعهد إلى أن دليل الاختبار سيبقى المتغير الرئيس على المدى القريب، فيما ستكون القدرة على تحويل البرنامج إلى سلسلة إنتاج وعقيدة وقيادة عاملا حاسما على المدى المتوسط.
وتابع: “بينما سيتحدد على المدى البعيد مدى إدراج حلف الناتو وروسيا وإيران وإسرائيل والاتحاد الأوروبي والدول العربية لهذا الطموح التركي الجديد في حساباتها”.

















