استطلاع تركي جديد: أردوغان يحقق مكاسب سياسية لكن القلق الاقتصادي يتصاعد

منذ ٣ أيام

12

طباعة

مشاركة

تكشف النتائج الأخيرة لاستطلاع شركة “جينار” للأبحاث واستطلاعات الرأي في تركيا عن تغيّرات واضحة في المزاج السياسي والاجتماعي، وذلك في ظل مرحلة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها الحرب والأزمات الاقتصادية مع الهواجس الأمنية والتحولات الجيوسياسية. 

وذكر الكاتب التركي “عبد القادر سيلفي” في مقال بصحيفة “حرييت” أن الاستطلاع لا يوضح فقط توازن القوى بين الأحزاب، بل يبيّن أيضاً كيف أعادت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران تشكيل أولويات الشارع التركي، سواء على مستوى الأمن والاستقرار أو على مستوى الاقتصاد والمعيشة في البلاد. 

التصويت للأمان

تشير نتائج الاستطلاع إلى أن حزب العدالة والتنمية تجاوز عتبة 35 بالمئة للمرة الأولى منذ فترة طويلة، بينما استقر حزب الشعب الجمهوري عند حدود 30 بالمئة. 

ولفت الكاتب النظر إلى أن هذه النتيجة لا يمكن قراءتها فقط بصفتها نجاحاً انتخابياً للحزب الحاكم، بل يجب فهمها في سياق البيئة الإقليمية المضطربة التي تحيط بتركيا. 

ففي أوقات الأزمات الكبرى، تميل المجتمعات عادة إلى الالتفاف حول السلطة القائمة، خصوصاً إذا نجحت في تقديم نفسها على أنّها "ضامنٌ للاستقرار". 

ويبدو أن الحكومة التركية قد استطاعت استثمار هذا الأمر سياسياً. فَابتعاد أنقرة عن الانخراط المباشر في الحرب الإيرانية، واعتمادها خطاباً يدعو إلى التهدئة، منحها صورة "الدولة المتوازنة" وسط منطقة تغرق في التصعيد.

من هنا، فإن الحرب لم تتحول فقط إلى تهديد أمني، بل أصبحت أيضاً عاملاً سياسياً أعاد تشكيل المزاج الانتخابي، ومنح الحزب الحاكم فرصة لاستعادة جزء من قاعدته الشعبية.

واستدرك الكاتب التركي بأنّ نتائج الاستطلاعات تكشف أن العامل الأكثر تأثيراً في صعود العدالة والتنمية ليس الحزب بحد ذاته، بل شخصية الرئيس رجب طيب أردوغان. 

حيث نجد أنّ الأزمات والتوترات الإقليمية والحروب تدفع المجتمعات غالباً للبحث عن "القائد القوي"، أكثر من بحثها عن البرامج السياسية. ويبدو أن صورة أردوغان كزعيم يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات عادت لتمنحه تفوقاً سياسياً واضحاً. 

فارتفاع نسب الثقة به بين 6 و8 نقاط، وفق استطلاعات مختلفة، يعكس أن جزءاً كبيراً من المجتمع التركي يرى فيه عنصر استقرار، وسط حالة فوضى إقليمية متصاعدة. 

بمعنًى آخر، فإن العدالة والتنمية يستفيد حالياً من تصويت الشعب للحفاظ على "الأمان"، أكثر من استفادته من رضاه الكامل عن الأداء الاقتصادي أو السياسي.

تراجع الثقة

في المقابل، تبدو المعارضة التركية عاجزة عن تحويل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى مكاسب سياسية حقيقية. 

فرغم أن الظروف الموضوعية من تضخم وغلاء واحتجاجات اجتماعية تبدو مناسبة لصعود المعارضة، إلّا أنّ حزب الشعب الجمهوري يشهد حالة من التراجع التدريجي.

ويعود ذلك أساساً إلى الانقسامات الداخلية والصراعات القيادية التي باتت تؤثر مباشرة على صورة الحزب لدى الناخبين. 

كما أن ملفات الفساد والتحقيقات المتعلقة ببعض البلديات التابعة للمعارضة أضعفت الخطاب الأخلاقي الذي حاول الحزب تقديم نفسه من خلاله خلال السنوات الأخيرة.

إضافة إلى ذلك، فقد بدأت صورة أوزغور أوزيل تتعرض لانتقادات متزايدة داخل القاعدة المعارضة نفسها، حيث يُنظر إليه على أنه لا يملك الكاريزما التوحيدية أو القدرة على احتواء الخلافات الداخلية، وهو ما يضعف قدرة الحزب على تقديم نفسه كبديل جاهز للحكم.

وأردف الكاتب التركي بأنّ أحد أبرز ما تكشفه نتائج الاستِطلاع هو أن المجتمع التركي لا ينظر إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران بصفتها أزمة بعيدة عن حدوده، بل يرى فيها تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار داخل تركيا.

فتركيا جاءت في المرتبة الثانية بعد إيران ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من الحرب بحسب آراء المشاركين. 

وهذا يعكس حجم القلق الشعبي من التداعيات المحتملة للحرب، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو الاقتصاد والطاقة والتجارة.

واستدرك الكاتب بأنّ النتائج تكشف عن تحوّل مهم في التصورات الإستراتيجية داخل الشارع التركي. 

فقد أظهر الاستطلاع أن 41.4 بالمئة من المشاركين يؤيدون تحوّل تركيا إلى قوة مركزية مستقلة في محيطها الإقليمي، بعدما كانت هذه النسبة عند 38.6 بالمئة في مارس/ آذار. 

وهذا يعكس تصاعد الرغبة في تبني سياسة أكثر استقلالية، بدل الارتهان لتحالفات تقليدية مع الغرب أو الولايات المتحدة.

في المقابل، رأى 15.3 بالمئة ضرورة إقامة تحالف مع العالم التركي، بينما أيد 14.4 بالمئة التقارب مع العالم الإسلامي. 

أما المؤيدون للتحالف مع الولايات المتحدة فلم تتجاوز نسبتهم 2 بالمئة فقط، الأمر الذي يكشف بوضوح حجم التراجع الكبير في صورة الولايات المتحدة داخل الرأي العام التركي. 

أزمة الاقتصاد

وأشار الكاتب التركي إلى أنه رغم هيمنة الحرب على المشهد السياسي والإعلامي، فإن الاقتصاد لا يزال القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمواطن التركي. 

فالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة تصدرا قائمة أولويات المجتمع متقدمين حتى على الحرب نفسها.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فَالحكومة تحقق مكاسب سياسية من إدارة الأزمة الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته تواجه خطراً متزايداً بسبب الضغوط الاقتصادية الداخلية.

حيث إنّ الاستطلاع يكشف بأنّ المواطنين قد بدأوا بالفعل تقليصَ إنفاقهم على احتياجات أساسية، وذلك ليس فقط على الترفيه أو الكماليات، بل حتى فيما يتعلق بالغذاء والملابس. 

وهذه النقطة بالذات تحمل دلالة خطيرة؛ لأن انتقال التقشف إلى مستوى الغذاء يعني أن الأزمة الاقتصادية باتت تمس الحياة اليومية مباشرة.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب أدى إلى مضاعفة الضغوط على أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والعمال، وهي الفئات التي تشكل تاريخياً جزءاً مهماً من القاعدة الانتخابية للعدالة والتنمية.

ثمّ تابع: إن ما تعكسه نتائج الاستطلاع في النهاية هو أن الحكومة التركية تنجح حالياً في إدارة الجانب السياسي والأمني للأزمة الإقليمية، وتستفيد من حالة الخوف وعدم الاستقرار المحيطة بتركيا. 

لكن في المقابل، يتزايد التحدي الاقتصادي خطورة أكثر فأكثر، وقد يتحول مستقبلاً إلى عامل يقوض المكاسب السياسية الحالية إذا استمرت الضغوط المعيشية بالتصاعد.

فالحرب تمنح السلطة فرصة لتعزيز خطاب "الاستقرار والأمن"، لكنها في الوقت ذاته ترفع أسعار الطاقة والتضخم وتضغط على المجتمع اقتصادياً. 

لذلك يبدو المشهد التركي اليوم قائماً على معادلة دقيقة، تتمثل في نجاح سياسي خارجي يقابله استنزاف اقتصادي داخلي متزايد.