قوات جوية مصرية في الإمارات.. دعم رمزي للكفيل أم توريط في مواجهة إيران؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعدما كشف الإعلامي أحمد موسى، عبر شاشة قناة صدى البلد في 6 مايو/أيار 2026، عن تقديم مصر “دعماً عسكرياً” لدول الخليج، تلقفت حسابات إيرانية التصريحات سريعاً، وعدتها مؤشراً على دخول القاهرة، ولو بصورة غير مباشرة، على خط الحرب الدائرة ضد طهران دفاعاً عن الإمارات والخليج.

وجاءت هذه التصريحات متزامنة مع مشهد لافت، تمثل في تفقد رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، في 7 مايو/أيار 2026، مجموعة من الطيارين والمقاتلات المصرية داخل الإمارات، في خطوة قالت وسائل إعلام إماراتية: إنها تهدف إلى “تعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات”.

هذا التطور أعاد طرح تساؤلات واسعة بشأن طبيعة التحول في الموقف المصري من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما إذا كانت القاهرة بدأت فعلاً بمغادرة موقع الحياد التقليدي نحو انخراط عسكري غير مباشر في حماية حلفائها الخليجيين.

كما أثار المشهد نقاشاً أوسع حول ما إذا كانت مصر تعيد صياغة عقيدتها القتالية، التي طالما ارتكزت على تجنب التورط في صراعات خارج الحدود، أم أن ما يجرى لا يتجاوز حدود التموضع السياسي والعسكري وإرسال رسائل ردع وتوازن في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن التحرك المصري قد يحمل أبعاداً تتجاوز البعد العسكري المباشر، سواء عبر التلويح بدور الحماية الإقليمية في سياق البحث عن دعم اقتصادي ومالي خليجي، أو عبر محاولة القاهرة استعادة حضورها في معادلات النفوذ داخل الخليج، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

قوات ظهرت فجأة!

بدت زيارة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات، في 7 مايو/أيار 2027، كاشفة لتفصيل عسكري لم يكن معروفا للرأي العام، بعدما أعلنت أبوظبي ـ لا القاهرة ـ وجود مقاتلات وطيارين مصريين متمركزين على أراضيها، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بشأن طبيعة هذا الوجود وأهدافه.

فاللافت أن الرئاسة المصرية تجنبت تماما الإشارة إلى هذا الجانب العسكري، إذ اكتفى المتحدث الرسمي باسمها بالقول إن السيسي “أكد تضامن مصر مع الإمارات في ظل الظرف الإقليمي الراهن، مشددا على مساندة مصر لأمن واستقرار الإمارات ورفضها التام للاعتداءات الإيرانية على سيادتها”.

وأضاف البيان أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، مع التركيز على بحث العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، من دون أي ذكر لتفقد السيسي قوات أو طائرات مصرية داخل الإمارات.

الأمر نفسه انسحب على المتحدث العسكري المصري الذي تجاهل الزيارة بالكامل، رغم حساسية الحدث وأبعاده العسكرية، فيما اكتفت قناة إكسترا نيوز

 المقربة من الأجهزة الأمنية بالقول إن السيسي “تفقد القوات المصرية في الإمارات خلال زيارة أخوية”، مرفقة الخبر بصور أظهرت مقاتلين مصريين من سلاحي الطيران والدفاع الجوي، دون تقديم أي تفاصيل إضافية.

في المقابل، كانت الرواية الإماراتية أكثر وضوحا؛ إذ أعلنت وكالة أنباء الإمارات (وام) أن السيسي ورئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان “قاما بتفقد مفرزة من المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات للوقوف على جاهزيتها العملياتية”.

كما أكدت وزارة الدفاع الإماراتية، في بيان منفصل، أن الجانبين زارا “مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الدولة للاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات”.

وبذلك، كشفت الزيارة بصورة غير مباشرة عن وجود قوة جوية مصرية متمركزة داخل إحدى القواعد العسكرية الإماراتية، مع ما يحمله ذلك من دلالات تتجاوز مجرد الزيارات البروتوكولية أو رسائل التضامن السياسي.

ورغم ذلك، لم تصدر القاهرة أي توضيحات رسمية بشأن طبيعة هذه القوات أو مهامها، وما إذا كان وجودها يندرج ضمن تدريبات ومناورات مشتركة، أم أنه يرتبط بأدوار عملياتية مرتبطة بالتوترات الإقليمية المتصاعدة. كما بقيت الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه المفرزة هي الوحيدة في الخليج، أم أن هناك انتشارا عسكريا مصريا أوسع يشمل دولا أخرى مثل السعودية والكويت.

ووفق الأعراف العسكرية، فإن “مفرزة” المقاتلات قد تضم ما بين 4 و8 طائرات حربية، وقد يرتفع العدد أو ينخفض بحسب طبيعة المهمة. إلا أن الصور المتداولة أظهرت ما يقارب 8 مقاتلات، إضافة إلى نحو 13 طيارا ومقاتلا مصريا.

كما أظهرت الصور أن الطائرات من طراز داسو رافال الفرنسية، وهي الطائرات التي أثيرت منذ تعاقد القاهرة عليها عام 2015 تساؤلات بشأن وجود دعم وتمويل خليجي، خصوصا من الإمارات والسعودية، لصفقتها.

ورغم عدم وجود إعلان رسمي يؤكد مساهمة أبوظبي المباشرة في تمويل صفقة الرافال، فإن تقارير فرنسية وغربية تحدثت حينها عن دعم سياسي ومالي خليجي غير معلن، في ظل اعتماد مصر بعد عام 2013 بصورة كبيرة على المساعدات القادمة من الإمارات والسعودية والكويت.

وأشار موقع ديفنس نيوز، في تقرير سابق، إلى أن السؤال الأبرز وقت إبرام الصفقة كان يتعلق بجهة التمويل، متحدثا عن احتمالات تقديم أطراف خليجية ضمانات أو تسهيلات مالية للقاهرة بسبب أزمتها الاقتصادية آنذاك.

وبلغت قيمة الصفقة الأولى أكثر من 5 مليارات يورو، وشملت 24 مقاتلة رافال، وفرقاطة وصواريخ متطورة، قبل أن تعلن مصر في مايو/أيار 2021 شراء 30 طائرة إضافية، ليصل أسطولها المخطط له إلى 54 مقاتلة، ما يجعل القاهرة واحدة من أكبر مشغلي طائرات الرافال خارج فرنسا.

لا دستور ولا برلمان

حين أرسل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك قوات عسكرية مصرية إلى الكويت عام 1991، للمشاركة ضمن التحالف الدولي ضد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، جرى الإعلان عن القرار بصورة رسمية وعلنية أمام البرلمان المصري.

وقتها، أشركت الدولة المؤسسة العسكرية في القرار بشكل واضح، وجرى تبرير التدخل بوصفه “استجابة لاتفاقية الدفاع العربي المشترك”، مع التأكيد على أن المهمة تقتصر على “تحرير الكويت” لا غزو العراق أو إسقاط نظامه، قبل أن تحصد القاهرة لاحقاً مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، أبرزها إسقاط نحو نصف ديونها الخارجية.

الأمر نفسه تكرر ـ ولو بصيغة مختلفة ـ عندما قرر نظام عبد الفتاح السيسي المشاركة في عملية “عاصفة الحزم” عام 2015، إذ أعلنت الرئاسة المصرية، عقب اجتماع مع الوزراء والجهات المعنية، مشاركة قوات بحرية وجوية لتأمين مضيق باب المندب وخطوط الملاحة في البحر الأحمر، مع نشر بيانات رسمية توضح طبيعة المهمة وحدودها.

وحين انتشرت آنذاك شائعات عن مشاركة مصر بقوات برية في اليمن، سارع المتحدث العسكري المصري، في 14 أبريل/نيسان 2015، إلى نفي ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أن الدور المصري يقتصر على العمليات الجوية والبحرية المرتبطة بحماية الأمن القومي المصري وتأمين قناة السويس وباب المندب.

كما جرى لاحقاً، عند تمديد مهمة القوات المصرية في 2017، إصدار بيانات رسمية من الرئاسة والمتحدث العسكري تشرح طبيعة المشاركة وأهدافها ومدتها.

حتى في ذروة هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر عام 2024، وما سببته من خسائر اقتصادية لقناة السويس، حافظت القاهرة على موقف معلن برفض الانخراط في أي تحالف عسكري دولي لضرب اليمن، مؤكدة أن الجيش المصري لا يشارك في عمليات عسكرية خارج حدوده “تحت أي ذريعة”.

لكن المشهد بدا مختلفاً هذه المرة بصورة لافتة؛ إذ لم تعلن القاهرة رسمياً عن إرسال قوات أو مقاتلات إلى الإمارات، بينما فوجئ المصريون والرأي العام بكشف الإعلام الإماراتي وجود طائرات حربية وطيارين مصريين متمركزين هناك، في وقت التزم فيه الإعلام الرسمي المصري والمتحدثون باسم الدولة الصمت الكامل تجاه القضية.

ويثير هذا الغموض تساؤلات قانونية ودستورية، خصوصاً أن المادة 152 من الدستور المصري تنص بوضوح على أن رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، “لا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء”.

وتضيف المادة نفسها أنه “في حال غياب مجلس النواب، تُشترط موافقة كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني”.

ورغم ذلك، لم يُعلن عن عرض الأمر على البرلمان، ولا عن عقد اجتماعات رسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أو مجلس الدفاع الوطني لمناقشة المهمة، وهو ما دفع مراقبين إلى عد كشف الإمارات للوجود العسكري المصري، مقابل الصمت المصري، أمراً محرجاً سياسياً ودستورياً للنظام.

وفي هذا السياق، أوضح الخبير الدستوري عصام الإسلامبولي، في تصريحات لـبي بي سي عربي

 بتاريخ 8 مايو/أيار 2026، أن اللائحة الداخلية لمجلس النواب تنص على أن التصويت على مثل هذه القرارات يتم خلال جلسة سرية عاجلة، لكنه لم يؤكد ما إذا كان البرلمان قد ناقش القضية بالفعل.

في المقابل، حاول الدكتور طارق فهمي، المقرب من دوائر الحكم، تبرير الغموض المحيط بالتحرك العسكري، بالقول إنه “لا توجد جيوش تنشر أخبارها وتحركاتها على الملأ”.

وأضاف أن الرئيس يمكنه التحرك دون موافقة مسبقة من البرلمان في حالات الطوارئ أو التهديدات العاجلة، أو في المهام غير القتالية والمناورات والتدريبات والعمليات المحدودة، أو في إطار تنفيذ اتفاقيات دفاع وتعاون عسكري قائمة، من دون أن يحدد طبيعة مهمة المقاتلات المصرية في الإمارات.

لكن هذا التبرير لم ينهِ حالة الجدل، إذ رد معارضون ومتابعون مصريون بطرح تساؤلات حول طبيعة المصلحة المصرية من الانخراط في حماية الإمارات، مقدرين أن أبوظبي تتحرك في ملفات إقليمية تتقاطع أحياناً مع مصالح القاهرة أو تنافسها.

ماذا تفعل المقاتلات؟

بدت المفارقة لافتة في الطريقة التي كُشف بها عن وجود مقاتلات مصرية وطيارين مصريين داخل الإمارات، إذ لم يعلم المصريون بالأمر عبر مؤسسات دولتهم أو إعلامها الرسمي، وإنما من خلال البيانات والصور التي نشرتها أبوظبي، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة المهمة، وحدودها، والأساس الدستوري الذي استندت إليه.

فحتى البرلمان المصري الذي يشترط الدستور موافقته بأغلبية الثلثين على إرسال قوات في مهام قتالية خارج الحدود، لم يصدر عنه أي إعلان أو نقاش معروف بشأن القضية، كما لم يُعلن عن انعقاد مجلس الدفاع الوطني أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاتخاذ قرار رسمي يتعلق بانتشار هذه القوات.

وزاد من الجدل أن إرسال المقاتلات المصرية جاء في وقت تتهم فيه القاهرة أبوظبي بصورة غير مباشرة بدعم أطراف إقليمية تمس الأمن القومي المصري، سواء عبر دعم مليشيا محمد حمدان دقلو في السودان، أو عبر اتهامات مرتبطة بنقل طائرات مسيرة إلى إثيوبيا استخدمت في استهداف مواقع سودانية، فضلاً عن الدور الإماراتي في دعم قوى انفصالية في اليمن، وهو ما يعده مراقبون تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر والخليج.

وفي ظل هذه التناقضات، تساءل ناشطون ومتابعون مصريون: كيف يُكشف للرأي العام وجود مقاتلات داسو رافال مصرية في الإمارات عبر الإعلام الإماراتي لا المصري؟ وهل تقتصر هذه القوات على الإمارات فقط، أم أن هناك انتشاراً عسكرياً مصرياً في دول خليجية أخرى؟

كما أثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت القاهرة قد تحركت عسكرياً بعد تعرضها لانتقادات خليجية وإعلامية بسبب ما عد “تقاعساً” عن حماية الحلفاء الخليجيين خلال التصعيد مع إيران، خاصة مع تصاعد الحملات الإعلامية الخليجية المطالبة بموقف مصري أكثر وضوحاً.

وبرز سؤال أكثر حساسية: لماذا تصاعدت المواجهة بين الإمارات وإيران مباشرة بعد الإعلان عن وجود المقاتلات المصرية؟ وما دلالة تمركز قوات مصرية إلى جانب قوات إسرائيلية موجودة بالفعل في أبوظبي ضمن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية التي تحدثت عنها تقارير غربية؟

فبحسب ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز مطلع مايو/أيار 2026، فإن الإمارات تستضيف وحدات إسرائيلية مرتبطة بمنظومات “القبة الحديدية” وأنظمة الليزر الدفاعية، ما يعني ـ للمرة الأولى منذ تأسيس الجيش المصري ـ وجود طيارين وضباط مصريين في مسرح عمليات واحد إلى جانب قوات إسرائيلية داخل دولة عربية.

في المقابل، دافع إعلاميون ومحللون مقربون من السلطة المصرية عن الخطوة، مقدرين أنها تأتي في إطار “الدفاع العربي المشترك” أو ضمن سياسة “مسافة السكة”، مؤكدين أن مهمة المقاتلات المصرية ذات طبيعة دفاعية تهدف إلى حماية المجال الجوي الإماراتي من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

غير أن المحلل العسكري محمود جمال شكك في هذه الرواية، موضحاً أن المقاتلات الحربية لا تُستخدم أساساً لاعتراض الصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية، لأن هذه المهمة تقع ضمن اختصاص منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المصممة للتعامل مع أهداف عالية السرعة ومعقدة المسارات.

وأشار إلى أن الوظيفة الأساسية للمقاتلات الجوية تتمثل في تنفيذ عمليات هجومية، أو فرض السيطرة الجوية، أو تنفيذ مهام الردع، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول الهدف الحقيقي من نشر هذه الطائرات في الإمارات.

وفي السياق نفسه، رأت مجلة ميليتري ووتش، في تقدير نشرته بتاريخ 8 مايو/أيار 2026، أن نشر مقاتلات الرافال المصرية يحمل “طابعاً رمزياً بالدرجة الأولى”، خاصة أن الإمارات تستضيف بالفعل أعداداً كبيرة من المقاتلات الأجنبية.

ورأت المجلة أن هذه الطائرات لا تمتلك قدرة فعالة على التصدي للصواريخ الباليستية أو هجمات الطائرات المسيّرة الانتحارية، ما يحدّ من قيمتها الدفاعية المباشرة، لكنها أشارت في المقابل إلى احتمال أن يكون الوجود المصري مرتبطاً بتنسيق لوجستي وتسليحي، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن نقص لدى القوات الجوية الفرنسية والإماراتية في بعض صواريخ الجو-جو.

كما رجحت المجلة احتمال توسع الوجود العسكري المصري لاحقاً، ليشمل مروحيات هجومية من طراز أباتشي أو كا-52، أو حتى نشر منظومات دفاع جوي بعيدة المدى مثل S-300VM، بهدف تعزيز الدفاعات ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي موازاة ذلك، كشف مصدر سياسي مصري مقرب من دوائر صنع القرار، فضل عدم الكشف عن هويته، أن الإمارات ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي توجد بها قوات ومعدات مصرية حالياً، مؤكداً أن هناك أربع دول خليجية تستضيف قوات مصرية ضمن ما وصفها بـ”سياسة القاهرة الثابتة لدعم أمن الخليج”.

وأوضح المصدر، في تصريحات لـلجزيرة نت، أن هذه القوات موجودة منذ الأسبوع الأول للحرب، وأن القاهرة بادرت بعرض الدعم على دول الخليج دون انتظار طلب رسمي منها، مشيراً إلى أن مصر فضلت إبقاء هذه التحركات بعيداً عن الإعلام مراعاةً لحسابات إقليمية دقيقة، وللحفاظ على دورها السياسي كوسيط بين أطراف الصراع ومحاولة منع اتساع المواجهة.

ما أهداف أبو ظبي؟

تشير تقديرات وتحليلات سياسية وإعلامية متباينة إلى أن أبو ظبي سعت من وراء طلب وجود مقاتلات وطيارين مصريين على أراضيها، ثم الحرص على التقاط صور تجمع عبد الفتاح السيسي بالطيارين المصريين، إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية والعسكرية والرمزية، خصوصا أن الإمارات تمتلك بالفعل قدرات جوية متطورة ولا تعاني نقصاً حاداً في سلاح الطيران.

ولفت مراقبون إلى أن المبادرة بالكشف عن وجود القوات المصرية جاءت من الجانب الإماراتي لا المصري، ما عزز الانطباع بأن أبو ظبي أرادت توظيف الحدث إعلامياً وسياسياً أكثر من كونه مجرد تنسيق عسكري طبيعي بين حليفين.

وفي السياق ذاته، تحدثت تحليلات مصرية عن احتمال وقوع القاهرة في “خطأ حسابات”، بينما ذهب آخرون إلى عد الخطوة جزءاً من محاولة إماراتية لجرّ مصر تدريجياً إلى أجواء الحرب الإقليمية الجارية مع إيران.

وطرحت على نطاق واسع سيناريوهات مقلقة بشأن تداعيات هذا الوجود العسكري، من بينها التساؤل: ماذا لو تعرضت القاعدة الإماراتية التي تتمركز فيها الطائرات المصرية لهجوم إيراني مباشر أدى إلى مقتل طيارين مصريين؟ وهل يمكن حينها أن تجد القاهرة نفسها منخرطة تلقائياً في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران؟

كما أثيرت تساؤلات أخرى حول طبيعة هذا الاصطفاف، خصوصاً مع وجود قوات إسرائيلية ومنظومات دفاع جوي إسرائيلية داخل الإمارات، ما يعني ـ للمرة الأولى ـ تمركز قوات مصرية وإسرائيلية في مسرح عمليات واحد لحماية أبو ظبي.

ورغم أن الصور الرسمية لم تكشف بوضوح موقع تمركز المقاتلات المصرية، فإن متابعين رجحوا أن تكون الزيارة قد جرت داخل قاعدة الظفرة الجوية، وهي قاعدة سبق أن تعرضت لهجمات وصواريخ خلال التوترات السابقة مع إيران.

ويرى أصحاب التقدير الأول أن الهدف الإماراتي الأساسي من استضافة هذه المفرزة المصرية يتمثل في توجيه رسالة ردع داخلية وخارجية معاً، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر عن تباينات داخلية بين الإمارات السبع، والشائعات التي ترددت حول وجود اعتراضات على سياسات أبو ظبي الإقليمية.

وبحسب هذا التصور، فإن ظهور قوات مصرية إلى جانب القيادة الإماراتية يهدف إلى إظهار تماسك الدولة الاتحادية وإرسال رسالة بأن أبو ظبي تمتلك دعماً عسكرياً عربياً وإقليمياً واسعاً في مواجهة أي اضطرابات أو ضغوط داخلية أو خارجية.

وفي هذا السياق، رأى الإعلامي حافظ المرازي أن الإمارات أرادت استخدام الصورة سياسياً لإظهار قوة تحالفاتها، قائلاً إن أبو ظبي “المعزولة شعبياً عربياً” دفعت القاهرة، المثقلة بالأزمات الاقتصادية، إلى الظهور في مشهد عسكري يخدم بالأساس الرسائل الإماراتية الموجهة لبقية دول الخليج، وخاصة السعودية.

وأشار المرازي إلى أن تأخر القاهرة في نشر الصور والمقاطع الرسمية مقارنة بالإعلام الإماراتي يعكس ـ بحسب رأيه ـ تردداً مصرياً أو عدم حماس كامل للخطوة، لافتاً أيضاً إلى أن مصطلح “مفرزة” المستخدم إماراتياً ليس متداولاً تقليدياً في الخطاب العسكري المصري.

وأضاف أن المشهد بدا أقرب إلى “رسالة إماراتية خالصة” أكثر من كونه تحولاً معلناً في العقيدة السياسية المصرية، مقدرا أن اللقطة تعكس عملياً اصطفاف القاهرة داخل محور إقليمي يضم الإمارات وإسرائيل.

وفي المقابل، يرى تقدير ثانٍ أن الهدف الإماراتي يتجاوز البعد الرمزي، ويتعلق بمحاولة إعادة تموضع مصر إقليمياً عبر جذبها بعيداً عن محور يضم السعودية وتركيا وباكستان، نحو محور آخر تقوده الإمارات وإسرائيل بدعم أميركي.

ويستند هذا التصور إلى أن أبو ظبي حرصت على إبراز وجود قوات مصرية وإسرائيلية معاً على أراضيها بوصفه مؤشراً على قوة هذا التحالف الناشئ في مواجهة المحاور الإقليمية الأخرى.

وفي هذا السياق، أشار موقع The Pundit العسكري، في تقرير بتاريخ 7 مايو/أيار 2026، إلى أن وجود المقاتلات المصرية يخدم عدة أهداف، منها تعزيز الجاهزية للدوريات المشتركة، وتحسين سرعة الاستجابة، وحماية البنية التحتية الحيوية، والتدريب في ظروف عملياتية حقيقية، إضافة إلى “الردع السياسي”.

كما تحدث التقرير عن تحركات خليجية للحصول على دعم عسكري إضافي من مصر والمغرب، موضحاً أن القاهرة نقلت بالفعل بعض أصول الدفاع الجوي إلى شركائها الخليجيين، بما في ذلك منظومات دفاعية مطورة.

وأضاف التقرير أن زيارة السيسي للإمارات جاءت وسط ضغوط إماراتية مكثفة، شملت ـ وفق ما نقل ـ التلويح بورقة الاستثمارات الإماراتية وحتى ملف العمالة المصرية في الخليج.

أما التقدير الثالث، والأكثر إثارة للجدل، فيذهب إلى أن أبو ظبي تسعى عملياً إلى توريط مصر في المواجهة مع إيران، بما يخدم ـ وفق هذا الرأي ـ أهداف التحالف الأميركي الإسرائيلي الرامي إلى استنزاف القوى الإقليمية الكبرى وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، تساءلت الحقوقية عايدة سيف الدولة عن طبيعة المهمة التي تؤديها القوات المصرية داخل الإمارات، وما إذا كانت تشارك في منظومة الدفاع الجوي ذاتها التي تديرها الولايات المتحدة وإسرائيل للتصدي للهجمات الإيرانية.

كما أثارت مسألة إعلان الخبر عبر الإعلام الإماراتي لا المصري، معتبرة أن ذلك يعكس غياب الشفافية تجاه الرأي العام المصري.

وسخرت كذلك من التناقض بين الموقف الرسمي الرافض سابقاً لفكرة التدخل العسكري دعماً لغزة، وبين الانخراط الحالي في حماية الخليج، متسائلة عما إذا كان البرلمان المصري سيشهد أي مساءلة أو استجواب رسمي يشرح للمصريين طبيعة هذه المهمة وحدودها وأسبابها الحقيقية.

هل تغيرت العقيدة العسكرية؟

قبل هذا الموقف المصري الداعم عسكريا لأبو ظبي، طُرحت تساؤلات واسعة حول أسباب ما وُصف بالموقف المصري “المحايد” تجاه الهجمات الإيرانية التي استهدفت الإمارات، الحليف والداعم الإقليمي الأبرز للقاهرة، إلى جانب دول خليجية أخرى مثل السعودية والكويت وقطر والبحرين.

ورأى محللون أن القاهرة وجدت نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد بين خيارين متناقضين، الأول يتمثل في الاصطفاف الكامل إلى جانب الإمارات ودول الخليج عبر تقديم دعم عسكري مباشر أو غير مباشر في مواجهة إيران، والثاني يقوم على تبني سياسة أكثر حذرا تقوم على تجنب الانخراط في التصعيد الأميركي الإسرائيلي ضد طهران، خشية أن يؤدي إضعاف إيران أو انهيارها إلى اختلال شامل في موازين القوى الإقليمية، بما يفتح المجال أمام هيمنة إسرائيلية شبه مطلقة على الشرق الأوسط.

وبحسب هذه القراءة، فإن القاهرة كانت تدرك أن سقوط إيران كقوة إقليمية سيُحدث فراغا إستراتيجيا ضخما، يمنح إسرائيل قدرة أكبر على فرض نفوذها الإقليمي سياسيا وعسكريا وأمنيا، وهو ما يفسر جانباً من تحفظها خلال الأسابيع الأولى للحرب، رغم تعرضها في الوقت نفسه لانتقادات خليجية تتهمها بالتخلي عن حلفائها التقليديين الذين دعموا نظام السيسي اقتصاديا وسياسيا منذ عام 2013.

لذلك، بدا إرسال طائرات مقاتلة وطيارين مصريين إلى الإمارات، بالنسبة لكثير من المراقبين، تحولا لافتا في السلوك المصري، خصوصا أن الخطوة جرت ـ وفق منتقدين ـ دون إعلان تفصيلي واضح، أو نقاش علني داخل البرلمان، أو توضيح رسمي لطبيعة المهمة العسكرية وحدودها، ما أثار جدلا واسعا بشأن ما إذا كانت القاهرة بصدد إعادة تعريف عقيدتها العسكرية التقليدية.

فالعقيدة العسكرية المصرية، تاريخيا، ظلت تقوم على مفهوم “الدفاع عن الحدود والدولة”، مع تجنب التورط في صراعات إقليمية مفتوحة خارج المجال الحيوي المباشر لمصر، باستثناء حالات محدودة ارتبطت بتحالفات عربية أو ضرورات أمن قومي واضحة.

لكن منذ انقلاب عام 2013، بدأ مفهوم الأمن القومي المصري يشهد تحولات تدريجية، إذ توسعت دوائر التهديد من الخطر التقليدي المرتبط بالحدود، إلى ملفات أكثر تشابكا مثل ليبيا، والبحر الأحمر، وسد النهضة الإثيوبي، والحرب في السودان، وأمن الخليج العربي، ما دفع المؤسسة السياسية والأمنية إلى تبني مفهوم أوسع لما تسميه “الدفاع الإقليمي”.

ورغم تأكيد مؤيدين للسلطة أن إرسال قوات جوية أو تنفيذ مهام مشتركة مع دول الخليج لا يعني بالضرورة تغييرا جذريا في العقيدة العسكرية المصرية، بل يندرج ضمن إطار “حماية الأمن القومي خارج الحدود”، فإن منتقدين تساءلوا عن طبيعة هذا التحول، خاصة أن الطائرات المرسلة من طراز “رافال” تُعد بطبيعتها هجومية أكثر من كونها دفاعية، ما أثار تساؤلات بشأن الدور الحقيقي المتوقع منها داخل الإمارات.

كما رأى مراقبون أن انخراط مصر  ولو بشكل محدود في ترتيبات دفاعية مرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران، قد يجر القاهرة تدريجيا إلى صراع إقليمي واسع يشبه، من حيث الاستنزاف السياسي والعسكري، تجربة التدخل المصري في حرب اليمن خلال ستينيات القرن الماضي.

ومنذ اندلاع الحرب الإقليمية في فبراير/شباط 2026، وحتى انهيار المفاوضات التي قادتها باكستان بين واشنطن وطهران، حاولت القاهرة الحفاظ على توازن دقيق بين إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج من جهة، وتجنب الانخراط الكامل في المحور الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى.

ففي الأيام الأولى للحرب، أدانت الخارجية المصرية الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، في موقف فُهم باعتباره تعبيرا عن التزام القاهرة بأمن الخليج العربي، غير أن السياسة المصرية سرعان ما اتجهت نحو خطاب أكثر حيادا، متقاطع مع موقفي تركيا وباكستان الداعيين إلى احتواء التصعيد ومنع توسع الحرب.

ومع تصاعد المخاوف من التداعيات الاقتصادية للحرب، خاصة على قناة السويس والطاقة والاستثمارات والسياحة، سعت القاهرة إلى لعب دور الوسيط السياسي، بالتنسيق مع أنقرة وإسلام آباد، في محاولة لمنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.

لكن هذا التوازن الدقيق وضع مصر تحت ضغط مزدوج؛ فمن جهة، كانت تخشى خسارة دعم حلفائها الخليجيين الذين توقعوا منها موقفا أكثر صلابة في مواجهة إيران، ومن جهة أخرى كانت تدرك أن الانخراط الكامل في الحرب قد يضعها في مواجهة مباشرة مع طهران، ويهدد استقرارها الاقتصادي والأمني الداخلي.

وفي هذا السياق، أشار تحليل نشره موقع "ميدل إيست آي" في 20 أبريل/نيسان 2026 إلى أن القاهرة تنظر إلى بقاء إيران كقوة إقليمية باعتباره عاملا يحد من الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة، لكنها في المقابل لا تستطيع تجاهل التزاماتها السياسية والأمنية تجاه حلفائها الخليجيين، وهو ما يفسر حالة التردد والتوازن التي طبعت الموقف المصري طوال أشهر الحرب.