إثيوبيا والإمارات وإسرائيل.. هل أصبح مطار الخرطوم نقطة تحول في مسار حرب السودان؟

وصول التنسيق بين إثيوبيا والإمارات وإسرائيل إلى هذا المستوى، يعني أن هناك سعيا لإطالة أمد الحرب السودانية
لم يعد الصراع السوداني محصورا داخل حدود الحرب الأهلية بين الجيش ومليشيا "الدعم السريع"، بل بات يتخذ أبعادا إقليمية متسارعة، مع تصاعد الاتهامات بتورط أطراف خارجية في إدارة المعركة وتوجيه مساراتها عسكريا واستخباراتيا.
فالهجوم الذي استهدف مطار الخرطوم الدولي بالطائرات المسيّرة، مطلع مايو/أيار 2026، لم يُنظر إليه في الخرطوم بوصفه مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كتحول خطير يكشف انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة من التدخلات المباشرة العابرة للحدود، وسط اتهامات سودانية صريحة لإثيوبيا والإمارات بالمشاركة في الهجوم.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تقدم الجيش السوداني ميدانيا في عدة جبهات، خاصة في كردفان ودارفور، ومحاولته تضييق الخناق على قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ما عزز الاعتقاد داخل الأوساط السودانية بأن الضربات الجوية الأخيرة تهدف إلى إرباك الجيش ومنع تثبيت سيطرته على العاصمة ومراكز الدولة الحيوية.
كما أعادت هذه الاتهامات فتح ملفات معقدة تتعلق بشبكات الدعم الإقليمي للحرب السودانية، ودور القواعد العسكرية والمطارات الحدودية في نقل السلاح والطائرات المسيّرة، فضلا عن الصراع الجيوسياسي الأوسع في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل حسابات الأمن، والنفوذ، والطاقة، والممرات المائية، والتحالفات الإقليمية المتغيرة.
وفي هذا السياق، بدا استهداف مطار الخرطوم أكثر من مجرد ضربة عسكرية، إذ تحول إلى نقطة اشتباك سياسي ودبلوماسي بين الخرطوم من جهة، وأديس أبابا وأبو ظبي من جهة أخرى، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا المسار قد يدفع السودان والمنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة من التصعيد الإقليمي المفتوح.
من مطار الخرطوم إلى أزمة إقليمية مفتوحة
لم يكن الهجوم على مطار الخرطوم الدولي حدثا معزولا في سياق الحرب السودانية، بل جاء ضمن نمط متصاعد من الضربات الجوية بعيدة المدى التي تعتمدها قوات الدعم السريع لتعويض تراجعها الميداني والبري في العاصمة ومناطق الوسط.
فبعد خسارتها مساحات واسعة داخل الخرطوم، انتقلت قوات الدعم السريع إلى إستراتيجية جديدة تقوم على استهداف المطارات والمرافق الحيوية وخطوط الإمداد والمنشآت المدنية، في محاولة لإرباك جهود إعادة مؤسسات الدولة إلى العاصمة، وإيصال رسالة بأن قدرتها على الوصول إلى العمق السوداني ما تزال قائمة رغم التراجع العسكري على الأرض.
غير أن خطورة الهجوم الأخير لا تكمن فقط في طبيعته العسكرية، بل في التحول السياسي والإقليمي الذي حملته الاتهامات السودانية الرسمية. فالخرطوم لم تتحدث هذه المرة عن طائرات مسيّرة أطلقتها قوات الدعم السريع فحسب، بل اتهمت بشكل مباشر أراضي ومطارات إثيوبية باستخدامها كنقاط انطلاق للهجوم، إلى جانب اتهام الإمارات بتوفير الدعم العسكري والتقني لهذه العمليات.
وقالت السلطات السودانية: إن تحليل بيانات إحدى المسيّرات التي أُسقطت في 17 مارس/آذار 2026، أظهر أنها طائرة إماراتية انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، وهو ما عدته الخرطوم دليلا على وجود تنسيق عسكري ولوجستي عابر للحدود في إدارة الحرب ضد السودان.
وبهذا الاتهام، لم يعد الملف محصورا في إطار نزاع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل انتقل إلى مستوى الاشتباك الإقليمي المباشر؛ حيث وُضعت إثيوبيا في موقع الشريك اللوجستي، بينما جرى تقديم الإمارات بوصفها الداعم الخارجي الأبرز لعمليات التسليح والتشغيل منذ اندلاع الحرب.
كما كشفت تطورات الأيام الأخيرة عن تحول واضح في تكتيكات قوات الدعم السريع التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على "حرب المسيّرات" بدلا من خوض مواجهات تقليدية مكلفة مع الجيش السوداني.
ففي 5 مايو/أيار 2026، أفادت صحيفة سودان تربيون بمقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين، إثر قصف بطائرة مسيّرة تابعة للدعم السريع استهدف محطتي وقود بمدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض.
وقبل ذلك بيومين، استهدفت طائرة مسيّرة، يُرجح تبعيتها لقوات الدعم السريع، منزل أسرة قائد قوات "درع السودان" أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة، ما أدى إلى مقتل ستة من أفراد أسرته، بينهم شقيقه الرائد عزام.
وتؤكد هذه الضربات أن قوات حميدتي تسعى إلى نقل الحرب من ساحات المواجهة التقليدية إلى استهداف البنية التحتية والمراكز المدنية والرمزية وخطوط الإمداد، بعد تراجع قدرتها على فرض سيطرة واسعة داخل الخرطوم.
كما تكشف أن استهداف مطار الخرطوم لم يكن مجرد رد عسكري عابر، بل محاولة سياسية لإعاقة تثبيت صورة الجيش بوصفه القوة التي أعادت العاصمة تدريجيا إلى سلطة الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا، يكتسب المطار بعدا رمزيا يتجاوز أهميته العسكرية، إذ إن استهدافه يعني التشكيك في قدرة الحكومة على إعادة تشغيل الحركة الجوية واستعادة مظاهر الاستقرار، كما يحمل رسالة بأن الخرطوم ما تزال ضمن بنك أهداف قوات الدعم السريع وحلفائها الإقليميين.

الجبهة الأخطر قرب إثيوبيا
وبالتوازي مع التصعيد المتسارع في الخرطوم، عادت جبهات النيل الأزرق وكردفان إلى واجهة المشهد العسكري في السودان، لتتحول إلى أحد أكثر المسارح حساسية وتعقيدا في الحرب.
ففي هذا الإقليم المتاخم للحدود الإثيوبية، أعلنت مصادر محلية في ولاية النيل الأزرق نزوح نحو 30 ألف شخص، عقب هجمات شنها تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية على قريتي دوكان وكرن كرن في محافظة الكرمك، وهي منطقة ذات أهمية إستراتيجية تقع قرب الحدود مع إثيوبيا.
وتشير صحيفة سودان تربيون إلى أن هذا التحالف تمكن من السيطرة على بلدتي دوكان وكرن كرن بعد أشهر من فرض نفوذه على أجزاء من الكرمك، وسط اتهامات سودانية مباشرة لإثيوبيا بتقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع وحلفائها عبر الممرات والمناطق الحدودية.
هذه التطورات تفسر، وفق مراقبين، جزءا من حدة الموقف السوداني تجاه إثيوبيا، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على استهداف منشآت داخل العاصمة، بل امتد ليشمل سلسلة تحركات عسكرية متقدمة على طول الحدود الشرقية، في النيل الأزرق وجنوب كردفان؛ حيث يسعى التحالف العسكري بين الدعم السريع والحركة الشعبية إلى تهديد خطوط الإمداد وعزل مناطق إستراتيجية عن مركز القرار في الخرطوم.
وفي جنوب كردفان، تتواصل المعارك حول مدن الدلنج والتكمة، وسط تضارب في الروايات بشأن السيطرة الميدانية، بينما يعمل الجيش السوداني على تأمين الطريق الحيوي الرابط بين الدلنج وكادقلي وبقية مناطق الوسط، في محاولة لمنع انهيار شبكة الإمداد العسكري والمدني.
وفي هذا السياق الميداني المتوتر، جاءت تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" في 7 مايو/أيار، عندما تحدث عن استعداد قواته لمواصلة القتال "حتى 40 عاما"، في خطاب بدا موجها بالأساس إلى الداخل التنظيمي أكثر من كونه رسالة سياسية للتفاوض أو التهدئة.
فقد شدد حميدتي أمام ضباطه على إعادة تنظيم قواته على المستويات العملياتية والإدارية والاستخباراتية، مؤكدا أن الحرب لا يمكن أن تنتهي من طرف واحد، ومتهما الجيش السوداني برفض مبادرات السلام.
لكن توقيت هذا الخطاب، الذي جاء في ظل تصاعد ضربات الطائرات المسيّرة وتراجع ميداني في جبهات رئيسة، يجعله أقرب إلى محاولة لرفع المعنويات وإعادة ضبط إيقاع المقاتلين، أكثر من كونه تعبيرا عن توازن عسكري فعلي على الأرض.
في المقابل، لا تبدو هذه الرسائل كافية لعزل واقع الميدان عن أبعاده الإنسانية والقانونية، إذ تواجه قوات الدعم السريع اتهامات أممية خطيرة بارتكاب انتهاكات واسعة، خاصة في إقليم دارفور ومدينة الفاشر.
فقد أكد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها ارتكبت خلال هجماتها على الفاشر عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفا جنسيا وخطفا وتعذيبا ونهبا، إضافة إلى تجنيد الأطفال في العمليات القتالية، مع وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب.
كما أبلغت المحكمة الجنائية الدولية مجلس الأمن في يناير/كانون الثاني 2026 بأن مكتب الادعاء يواصل تحقيقاته في دارفور، في ظل مؤشرات متزايدة على ارتكاب جرائم واسعة النطاق خلال مسار الحرب المستمرة في البلاد.

الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل
وقال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي، في تصريح لـ"الاستقلال": إن التطورات الأخيرة تضع الجيش السوداني أمام "معركة سيادة متعددة الجبهات"، لا يمكن اختزالها في ساحة قتال واحدة.
وأوضح أن التحدي لم يعد مقتصرا على المواجهة العسكرية المباشرة مع قوات الدعم السريع، بل امتد ليشمل حماية المطارات والمنشآت الحيوية، وتأمين الحدود، والتصدي لمحاولات تحويل الأراضي الإثيوبية إلى ممر لوجستي وعملياتي لدعم تحركات المليشيا.
وأضاف عبد العاطي أن الاتهامات الرسمية التي وجهتها الخرطوم إلى كل من إثيوبيا والإمارات بشأن الهجوم على مطار الخرطوم "تمثل نقطة تحول في طبيعة الصراع"، إذ تنقله – بحسب تعبيره – من حرب داخلية إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية أوسع، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وقانونية.
وأشار إلى أن تقديم السودان لما وصفها بالأدلة الموثقة أمام المحافل الدولية قد يفتح الباب أمام مساءلات تتعلق بالأطراف التي توفر دعما عسكريا ولوجستيا وتقنيا لقوات الدعم السريع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما لفت إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت، على حد قوله، "محاولات إعلامية وسياسية متزامنة من بعض المنصات الغربية والإسرائيلية، إلى جانب أطراف سودانية محسوبة على التيار المدني، لترويج رواية تربط الجيش السوداني بمحور إقليمي محدد"، مقدرا أن هذه الروايات ترافقت مع تحليلات تحدثت عن أدوار غير مباشرة في الضربات التي استهدفت مطار الخرطوم.
وتابع قائلا: إن هناك مؤشرات متزايدة على أن مدينة بحر دار الإثيوبية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة عبور وتحرك لبعض الإمدادات المرتبطة بالدعم الخارجي الموجه إلى أطراف الصراع في السودان، وهو ما يثير – بحسب رأيه – تساؤلات حول طبيعة التنسيق الإقليمي في المنطقة.
وأضاف أن إسرائيل تسعى، وفق تقديره، إلى توسيع بؤر النفوذ غير المستقر في القرن الأإفريقي والبحر الأحمر عبر نقاط ارتكاز تقليدية تشمل إثيوبيا وأرض الصومال وجنوب السودان، بما يخدم إعادة تشكيل خرائط التأثير الأمني في الإقليم.
وقال عبد العاطي: إن هذه التحركات تتقاطع مع محاولات لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر خارج الأطر التقليدية للدول المشاطئة، مشيرا إلى أن ذلك يجري بالتوازي مع تحولات إقليمية أوسع تشمل تقاربا متناميا بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وما قد يفرزه من ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وختم بالقول: إن وصول مستويات التنسيق بين إثيوبيا والإمارات وإسرائيل – وفق وصفه – إلى هذا الحد، يعني وجود اتجاه لإطالة أمد الحرب في السودان وتحويلها إلى صراع إقليمي مفتوح، محذرا من أن استمرار هذا المسار "لا يهدد السودان وحده، بل يمتد أثره إلى أمن البحر الأحمر واستقرار دول الجوار بأكملها".


















