ضربات الطوارق والقاعدة ضد مواقع حكومية وروسية.. ماذا يحدث في مالي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أبرزت مجلة إيطالية الهجمات المنسقة التي نفذتها "جبهة تحرير أزواد" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، مستهدفة مواقع حكومية وأخرى روسية في مالي، وهو ما كشف عن ضعف النفوذ الروسي في منطقة الساحل.

وذكرت مجلة “نيغريتسيا”، أن سيطرة "المتمردين" على مدينة كيدال في أواخر أبريل/نيسان، إلى جانب تنفيذ هجمات متزامنة على عدة مدن مالية، دفع بمنطقة الساحل بأكملها إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

حماية فاشلة

ولفتت المجلة إلى أن الانسحاب السريع لـ "فيلق إفريقيا" والقوات المسلحة المالية من المراكز التي دخلتها مليشيات الطوارق والجماعات المسلحة يُظهر فشل الحماية الروسية في المنطقة.

ويحدّ ذلك من قدرة موسكو على ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي خلال السنوات الأخيرة، كما يضع ليس فقط حكومة باماكو الهشة في موقف حرج، بل أيضا استقرار تحالف دول الساحل بأكمله، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وجعل من التعاون العسكري مع الكرملين أحد أبرز ركائزه الأساسية.

وأشارت المجلة إلى أن الوقائع المسجلة حتى الآن تُظهر أنه منذ 25 أبريل، اقتحمت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد سبع مدن مالية على الأقل. وأكد المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، لمجلة "جون أفريك" الفرنسية أن الهجوم كان منسقا.

وأوضحت "نيغريتسيا" أن المناورة كانت بحركة كماشة، إذ هوجمت باماكو وكاتي في الجنوب الغربي، وكيدال وغاو في الشمال الشرقي، في وقت واحد لمنع الجيش النظامي والمرتزقة الروس من نقل التعزيزات من جانب إلى آخر، ما أدى إلى عزل المحور المركزي بين مدينتي موبتي وسيفاري.

وفي كاتي، معقل المجلس العسكري الحاكم في باماكو بقيادة أسيمي غويتا، قُتل وزير الدفاع ساديو كامارا في 25 أبريل.

ولفتت المجلة إلى أن الضربة الأكبر تمثلت في كيدال، المدينة التي استعادت حكومة باماكو السيطرة عليها أواخر عام 2023 بدعم من مجموعة فاغنر، قبل أن تنتقل هذه المهام لاحقا إلى فيلق إفريقيا، وذلك بعد عقد من هيمنة الطوارق عليها. ومع التطورات الأخيرة، عاد علم أزواد ليرفرف فوق المدينة.

وذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو صرّح في 28 أبريل بأن جنود فيلق إفريقيا تكبدوا خسائر خلال الهجمات.

وكما تسربت المعلومات في ساعات من بدء الهجوم، توصل فيلق إفريقيا إلى اتفاق مع الانفصاليين لإخلاء موقعه في كيدال، رغم محاولة موسكو التخفيف من هذه الرواية بالقول: إن قواتها أسهمت في إحباط محاولة انقلاب ومنع المتمردين من الاستيلاء على بنى تحتية رئيسة.

سيطرة هشة

وأشارت المجلة الإيطالية إلى أن الحكومة الجزائرية، الحليف المقرب لموسكو في المنطقة المغاربية، تتوسط حاليا بين الطرفين. 

والتقى الرئيس غويتا علنا في 28 أبريل بالسفير الروسي لدى مالي إيغور غروميكو، ووعد بتحييد المسؤولين عن الهجمات، لكن سيطرة المجلس العسكري على البلاد باتت هشة باضطراد.

ولفتت المجلة إلى أنه، في الوقت الذي لا يزال فيه النطاق الكامل لانسحاب فيلق إفريقيا من شمال مالي غير محسوم، فإن المؤكد هو أن موسكو لا تعتزم التخلي عن أنشطتها في البلاد، لا سيما منذ استيلاء غويتا على السلطة عام 2020 ومغادرة القوات الفرنسية.

وأوضحت أن تقريرا صدر مطلع أبريل عن منظمة "ذا سنتري" (The Sentry) الأميركية المعنية بمكافحة الفساد، بعنوان "مضاعفة الجهود: الشبكة العسكرية الروسية في غرب إفريقيا"، سلط الضوء على الوضع الحساس الذي تعيشه روسيا في مالي.

حيث يعجز فيلق إفريقيا عن تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة على الأرض في وسط وشمال البلاد، أو السيطرة الكاملة على رواسب الذهب الغنية، موردها الاقتصادي الرئيس.

وأضافت المجلة أنه لمواجهة هذا التوجه، أرسل الكرملين 3 شحنات أسلحة رئيسة إلى مالي خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، شملت دبابات ومركبات مدرعة وصواريخ وقوارب وقاذفة قنابل تكتيكية من طراز سوخوي سو-24، بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار ومايو/أيار.

ومرت الشحنات عبر ميناء كوناكري في غينيا الذي تديره شركتان روسيتان غينيتان، ومن هناك وصلت إلى مالي، قاطعةً مسافة تقارب 1000 كيلومتر برا إلى باماكو.

وأوضحت المجلة، نقلا عن "ذا سنتري"، أن الهدف من هذه الشحنات هو دعم فيلق إفريقيا الذي، على عكس شركة فاغنر العسكرية، يتبع مباشرة لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU).

ولفت التقرير إلى أن الأسلحة المرسلة في الشحنة الأولى من باماكو وُزعت بين غاو وبانيمونوتي، في منطقة سيكاسو جنوب غرب البلاد.

وتقع هناك قاعدة عسكرية مالية افتُتحت في يناير/كانون الثاني 2025 من قبل وزير الدفاع كامارا، الذي قُتل على يد الانفصاليين في 25 أبريل. وتقع القاعدة على بعد 100 كيلومتر من منجم يانفوليلا للذهب.

وأفادت "نيغريتسيا" بأن المعلومات التي حصلت عليها "ذا سنتري" عن الشحنات الثلاث كشفت عن ثلاثة عناصر رئيسة. أولها أن الكمية الكبيرة من الأسلحة المرسلة كانت مخصصة لحماية قواعد فيلق إفريقيا، وليس لاستخدامها في العمليات القتالية.

وهذا يعني أن الروس اتخذوا موقفا متحفظا، مدركين أنهم لا يستطيعون التوسع خارج الأراضي المسيطر عليها. وقد أكدت أحداث الأيام الأخيرة هذا القيد.

والعنصر الثاني أن شحنات الأسلحة كانت جميعها موجهة إلى فيلق إفريقيا، وليس إلى الجيش المالي. ونظرا لأن المعدات والمركبات كانت في كثير من الأحيان حديثة الإنتاج، فمن الصعب تصديق أن الإمدادات كانت مخصصة للقوات المسلحة المحلية.

والعنصر الثالث يشير إلى توطيد العلاقات بين موسكو وحكومة غينيا. ووصلت 4 سفن شحن روسية إلى ميناء كوناكري ضمن 3 شحنات، متجهة إلى غينيا تحت العلم الروسي، وليس كسفن وهمية، ما يعني أن حكومة كوناكري كانت على علم بالشحنات العسكرية وجهزت ميناءها لاستقبالها.

وأكدت المجلة أن كوناكري تمثل منفذا بحريا روسيا مهما إلى غرب إفريقيا، في ظل متانة العلاقات الدبلوماسية بين موسكو والمجلس العسكري الحاكم في غينيا، بقيادة مامادي دومبويا.

كما يمكن للكرملين الاعتماد على شركة “يو سي روسال” التي تتولى، عبر شركتيها التابعتين، إدارة عمليات تحميل وتفريغ البضائع في ميناء كوناكري، إضافة إلى نقلها عبر السكك الحديدية إلى مناطق الداخل في غرب إفريقيا.

خسائر الهزيمة

وأوضح تقرير "ذا سنتري" أن قوام فيلق إفريقيا في مالي يبلغ نحو 1500 جندي، معظمهم كانوا سابقا تحت قيادة يفغيني بريغوزين، زعيم فاغنر السابق.

ويواصل أندريه إيفانوف وإيفان ماسلوف قيادة العمليات في البلاد، على اتصال مباشر مع يونس بك يفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، والجنرال أندريه أفريانوف، الشخصية البارزة في جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية.

ولفت التقرير إلى أنه نظرا لارتباط فيلق إفريقيا برقابة مباشرة وأكثر صرامة من قبل جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية مقارنة بفترة فاغنر، فإن مهمته الأساسية الحالية هي الحفاظ على السيطرة على القواعد وأجزاء من الأراضي والمناجم.

ولم تعد قواته تغامر بالخروج من الحدود المحددة كما في السابق، ولا يمكنها التحرك إلا بعد الحصول على موافقة قيادة الفيلق.

وأشارت "نيغريتسيا" إلى أن حادثين وقعا أخيرا يُظهران بطء العمليات لدى فيلق إفريقيا.

ففي يناير/كانون الثاني 2026، تدخل الروس في النيجر بعد ساعتين فقط من هجوم شنه مسلحون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية على مطار ديوري هاماني والقاعدة الجوية 101 في نيامي، بعد أن انتظروا تعليمات حول كيفية التنسيق مع القوات النيجرية.

وخلال الأشهر الأخيرة، وبينما عمد مسلحو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى شل الطرق الرئيسة في مالي، ما أدى إلى عزل باماكو وموبتي، بقيت قوات فيلق إفريقيا متمركزة داخل قواعدها.

وخلصت المجلة إلى أن الحصار المطول الذي فرضه المسلحون على إمدادات الوقود لم يقتصر أثره على زيادة الضغوط على حكومة غويتا، والتي تصاعدت مع الهجمات التي شهدها 25 أبريل.

بل أدى أيضا إلى إبطاء جهود فيلق إفريقيا في إنشاء مواقع دفاعية جديدة حول تيساليت وكيدال وأغويلهوك، بهدف تأمين رواسب الذهب في إن دارست وإنغوزار وإغارغار. وربما كانت هذه التحصينات ستسهم في الحد من خسائر الهزيمة الأخيرة.