"تحالف الساحل".. هل ينجح في استعادة الديمقراطية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر؟

"هذا الميثاق يمثل ضربة قاسية لحق الشعب في تقرير مصيره”
في ظل تصاعد النزعة السلطوية في بوركينا فاسو، أعلن قائد المرحلة الانتقالية إبراهيم تراوري صراحة التخلي عن الديمقراطية، في خطوة تعكس تحولات لافتة في مسار الحكم بالبلاد.
وتحت عنوان "حكام بوركينا فاسو: انسوا الديمقراطية!"، تناول تقرير للصحفي ديفيد إهل المراسل المتخصص في شؤون إفريقيا وأوروبا، تصاعد النزعة السلطوية لدى قائد المرحلة الانتقالية تراوري، الذي أعلن صراحة تخليه عن الديمقراطية.
وفي ظل موجة الإعجاب الواسعة بتراوري على وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب أصوات نقدية داخل البلاد، ناهيك عن الصمت الأوروبي المطبق تجاه هذه التحولات؛ يبرز تساؤل حول مدى قدرة تحالف المنفى الجديد على إحداث خرق حقيقي يضمن عودة المسار الديمقراطي إلى واغادوغو.
سلطوية فعالة
ومطلع أبريل/ نيسان 2026، أوضح تراوري بشكل لا لبس فيه نظرته إلى دور الشعب؛ إذ قال في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: "على الناس أن ينسوا موضوع الديمقراطية".
وتابع زعيم بوركينا فاسو: "إذا أراد إفريقي أن يحدثك عن الديمقراطية، فعليك أن تهرب، الديمقراطية تقتل".
في المقابل، ذكر موقع "دويتشه فيله" الألماني أن تراوري “أكد تركيزه على إعادة تأسيس الدولة ومواصلة الثورة”.
وعلى مستوى الممارسة السياسية، يرى الموقع أن "مسار الحكم يُظهر اتجاها متصاعدا نحو تركيز السلطة".
وتابع: "فعندما وصل تراوري إلى الحكم عبر انقلاب في سبتمبر/ أيلول 2022، تعهد في البداية بإعادة السلطة إلى المدنيين خلال عامين".
واستدرك: "غير أنه في عام 2023 ربط إجراء الانتخابات بتحسن الوضع الأمني، ثم مدّد ولايته لخمسة أعوام إضافية دون تفويض شعبي، قبل أن يُقدم في يناير/ كانون الثاني 2026 على حل جميع الأحزاب".
ولفت الموقع إلى أنه "في سياق متصل، دخل ما يسمى (ميثاق الثورة الشعبية التقدمية) حيز التنفيذ بصفته دستورا انتقاليا جديدا".
ويعد "ميثاق الثورة الشعبية التقدمية" الوثيقة السياسية والدستورية الجديدة التي صاغتها السلطة الحاكمة في بوركينا فاسو بقيادة تراوري أوائل عام 2026.
في هذا الصدد، علق الموقع: "من اللافت، أن ما يسمى (الثورة الشعبية التقدمية) لا يبدو أن الشعب نفسه معني بها، فقد أعلنتها السلطة العسكرية الحاكمة بقيادة تراوري، بهدف إحياء إرث الزعيم التاريخي توماس سانكارا (1983-1987)، وتحسين الوضع الأمني المتدهور، إضافة إلى زيادة إيرادات الدولة من خلال موارد مثل الذهب والنفط".
بدوره، يرى عالم السياسة بول أميغاكبو، من معهد "تامبيرما للحكم الرشيد" في دولة توغو، أن هذا الميثاق "يمثل ضربة قاسية لحق الشعب في تقرير مصيره".
وأوضح أن "من الحقوق الأساسية أن يراقب الشعب المؤسسات العامة التي تقرر مصيره، وهو ما يشمل بالضرورة حقه في انتخاب ممثليه، سواء على مستوى السلطة التنفيذية أو البرلمان".
وبحسب تقديره، فإن البلاد "تسير نحو ديكتاتورية عسكرية".

شعبية غريبة
من جهته، أشار الخبير الأمني تشيتا نوانزي، المدير التنفيذي لشركة "إس بي إم إنتليجنس" النيجيرية، إلى أن "الديمقراطية في منطقة الساحل فشلت بشكل لافت في حماية مواطنيها".
وأضاف: "من دون تبرير الانقلابات، فقد ملأ الانقلابيون الفراغ الذي خلفته حكومات فقدت مصداقيتها، وهنا يظهر أشخاص مثل تراوري، الذين يقدمون أفعالا في حين كانت الديمقراطية تقدم اجتماعات ولجان مساءلة فقط".
ووصف نوانزي هذا النمط بأنه "سلطوية فعالة" تحل محل "ديمقراطية غير فعالة".
ويرى نوانزي أن تراوري "يحكم بأسلوب يشبه (مدير تنفيذي في زمن الحرب)، يضع استعادة السيطرة على الأراضي في مقدمة أولوياته، متقدما على المسارات السياسية التقليدية".
وفي هذا الصدد، أشار الموقع إلى أنه "رغم الانتقادات، يحظى الضابط الشاب بشعبية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُغدق عليه الثناء، وإن كان من الصعب قياس حجم المعارضة في ظل القيود المفروضة على حرية التعبير".
وبحسبه، "أظهر تدقيق أجرته وكالة الأنباء الفرنسية عام 2025 أن بعض موجات الإشادة والمحتوى الترويجي المرتبط بتراوري قد تكون ناتجة عن حملات تضليل منسقة، غالبا ما يُعتقد أن مصدرها روسيا".
وتابع: "عند وصوله إلى السلطة، كان تراوري في الرابعة والثلاثين من عمره، ليصبح أصغر رئيس دولة في العالم آنذاك".
ووفق تحليله، "يبدو أن جيل الشباب الذي أسهم إحباطه في تمهيد الطريق لانقلاب في مدغشقر في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يميل إلى دعمه، بل ويقارنونه أحيانا بالزعيم التاريخي سانكارا".
وفي صعيد الحرب على الإرهاب، ذكر الموقع أنه "بدلا من الاعتماد على القوات الأجنبية، تراهن السلطة العسكرية الحاكمة على قوة المتطوعين المعروفة باسم (فيلق الدفاع الشعبي)، والذي جرى توسيعه في عهد تراوري بإضافة نحو 50 ألف مجند جديد".
واستدرك: "غير أن الوضع الميداني لا يزال معقدا للغاية؛ إذ تشير تقديرات مختلفة إلى أن الجيش لا يسيطر سوى على نحو 20 إلى 30 بالمئة من أراضي البلاد".
وأردف: "بينما تبقى مساحات واسعة خارج سيطرته، وتحديدا في يد جماعات مسلحة، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة".
واستطرد: "ووفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، جاءت بوركينا فاسو في المرتبة الثانية عالميا بعد باكستان، مع تسجيل تراجع ملحوظ في عدد الضحايا".
ورغم هذا التراجع، أشار التقرير إلى أن عام 2025 وحده شهد مقتل 846 شخصا في هجمات إرهابية داخل البلاد، وهو ما يمثل نحو 15 بالمئة من إجمالي ضحايا الإرهاب في العالم.
"كما أبدى الخبراء الذين استُشيروا في إعداد التقرير تشككا في صحة مزاعم السلطة العسكرية بشأن استعادة مناطق من سيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وفقا لما أورده الموقع الألماني.
على المستوى السياسي، أوضح التقرير أن "المعارضة في المنفى تسعى إلى إعادة الديمقراطية إلى منطقة الساحل، فبينما يواصل تراوري تثبيت موقعه في الحكم، تواجه الديمقراطية في بوركينا فاسو وضعا صعبا، وهو ما ينطبق أيضا على مالي والنيجر".

تحالف جديد
وفي هذا السياق، أطلقت مجموعات من الشتات في الدول الثلاث تحالفا جديدا تحت اسم "تحالف ديمقراطيي الساحل" في خطوة تحمل اسما يقترب بشكل لافت من "تحالف دول الساحل" (AES) الذي أسسته الأنظمة العسكرية بعد انسحابها من التكتل الاقتصادي لغرب إفريقيا (ECOWAS).
وقالت رئيسة التحالف الجديدة، مايرا دجبرين، لإذاعة “دويتشه فيله”: إن الهدف هو "خوض نضال سلمي ولكن حازم من أجل عودة الديمقراطية".
وأضافت أن التحالف "سيسعى لاستخدام القنوات الدبلوماسية للضغط على الأنظمة العسكرية من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين وتنظيم انتخابات".
مع ذلك، يتفق جميع الخبراء الذين استطلعت "دويتشه فيله" آراءهم على أن حركة التحالف الديمقراطي للساحل "ستواجه على الأرجح صعوبة في التأثير بشكل ملموس على الأوضاع في دول الساحل من الخارج".
إذ يرى المحلل داوودا إيميل ويدراوغو الذي يدير منظمة غير حكومية في الولايات المتحدة، أن "مفتاح التغيير في الساحل لا يوجد في المنفى، بل داخل البلاد، عبر الجيش أو من خلال ضغط الشارع".
أما الخبير الأمني تشيتا نوانزي، فأكد أن "تهديد الأنظمة عبر بيانات صحفية من بروكسل أو باريس أو غيرها لا يجدي نفعا".
ويرى أن "مثل هذه الحركات في المنفى قد تكتسب وزنا لدى القوى الغربية، لكنها في الوقت نفسه تدخلها في صدام مباشر مع الشعوب التي تسعى للوصول إليها".
وبحسب تقدير الموقع، فإنه "من المرجح أن هذا الطرح يُؤخذ في الحسبان أيضا في بروكسل وباريس وبرلين".
فوفقا له، "راهنت أوروبا، ولا سيما القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، على الحكومات الديمقراطية في منطقة الساحل التي تمت الإطاحة بها جميعا".
وتابع: "ومع قطع الأنظمة العسكرية الجديدة كل الروابط السابقة، واتجاهها نحو تقارب جيوسياسي مع روسيا، وجدت العواصم الأوروبية نفسها لفترة طويلة دون إستراتيجية واضحة".
وأردف: "ومع مرور الوقت، بدأ الحديث عن محاولات هادئة لإعادة بناء قنوات التواصل بهدف استعادة بعض النفوذ داخل دول تحالف دول الساحل".
واستطرد: "فعندما زار المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى الساحل جواو كرافينيو بوركينا فاسو في فبراير/ شباط 2026، لم يصدر أي بيان صحفي معتاد بعد الزيارة، بل اقتصر الأمر على صور غير رسمية التقطت بكاميرا هاتف محمول نُشرت عبر منصة بلوسكاي، دون أي توضيح لمضمون ما وصف بـ(الاجتماعات المثمرة والمنفتحة)".
علاوة على ذلك، "بعد التصريحات الحادة التي أدلى بها تراوري بشأن الديمقراطية، ساد صمت لافت من جانب المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية كبرى؛ إذ لم يصدر أي تعليق علني على دعوته إلى (نسيان الديمقراطية)".
كما لم تُصدر الحكومة الألمانية أي موقف علني إزاء هذه التصريحات، غير أن "دويتشه فيله" علمت من وزارة الخارجية أن "التطورات الهامة تُعالج عبر القنوات الدبلوماسية، مؤكدة استمرار دعم دول الساحل لمعالجة الأسباب الهيكلية للأزمات والصراعات".
وأضافت أن "التعاون مع المنطقة يتم أيضا انطلاقا من مصالحنا الإستراتيجية؛ إذ لا تستطيع أوروبا أن تترك هذه المنطقة لمؤثرات جيوسياسية معادية أو أن تتركها لنفسها".
في نهاية المطاف، خلص التقرير إلى أن "الخطاب العلني الداعي إلى الديمقراطية وسيادة القانون في منطقة الساحل قد يُنظر إليه باعتباره غير مجد أو حتى ضارا في المدى الطويل، وهو ما يفسر تراجع الردود العلنية على التصريحات المناهضة للديمقراطية في المنطقة".


















