انسحاب الإمارات من "أوبك بلس".. كيف يؤثر على الهيمنة السعودية-الروسية؟

"لن تحدث صدمة فورية نتيجة فائض العرض الإماراتي"
انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، يعكس، بحسب معهد إيطالي للدراسات، فجوة متنامية في إدارة سوق النفط العالمي.
وأوضح معهد تحليل العلاقات الدولية (IARI) أن التحدي الرئيس الذي تواجهه "أوبك" لا يتعلق بتأمين الإمدادات، بل بقدرتها على إقناع دول ذات مصالح متباينة بخفض إنتاجها طوعا.
وأشار إلى أن فاعلية نظام الحصص ترتبط بمدى استعداد الدول الأعضاء لتمرير جزء من سياساتها الوطنية في مجال الطاقة ضمن إطار جماعي.
وأضاف أن أي دولة ترى في هذه القيود عائقا أمام استراتيجيتها الوطنية أكثر من كونها أداة لضبط السوق، تسهم في إضعاف النفوذ السياسي للمنظمة حتى قبل تراجع قدرتها الإنتاجية.

صعود "أوبك بلس"
وأشار المعهد إلى أن البعد السياسي لأوبك تعزز بصورة كبيرة مع تأسيس تحالف "أوبك بلس"، الذي يجمع منذ عام 2016 بين أعضاء المنظمة ومنتجين آخرين بقيادة روسيا.
وأكد أن التنسيق بين السعودية وروسيا أسهم في تعزيز نفوذ المنظمة خلال الأزمات، بدءا من جائحة كورونا عام 2020 وصولا إلى التقلبات التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا.
ولفت المعهد إلى أن أبو ظبي انضمت إلى أوبك عام 1967، قبل أن تنتقل العضوية إلى دولة الإمارات عقب تأسيس الاتحاد عام 1971.
وعلى مدى سنوات طويلة، لعبت الإمارات دور العضو الموثوق، إذ حافظت على تقاربها مع السعودية ودعمت التنسيق بين الدول المنتجة. غير أن هذا الموقف بدأ يتغير مع تطور إستراتيجيتها الوطنية في مجال الطاقة.
وأوضح أن القضية الأساسية تتركز في أبو ظبي، التي تضم غالبية الموارد النفطية في البلاد. فمن خلال شركة "أدنوك"، سارعت الإمارات إلى توسيع طاقتها الإنتاجية، إذ أعلنت الشركة عام 2024 وصولها إلى 4.85 مليون برميل يوميا، مع استهداف رفعها إلى 5 ملايين برميل بحلول عام 2027.
وأشار إلى أن هذا الرقم يكتسب أهمية كبيرة، لأن مستوى الإنتاج الفعلي المسموح به بموجب اتفاقيات أوبك بلس ظل أقل بكثير من الطاقة الإنتاجية المتاحة. وبمعنى آخر، أنشأت أبو ظبي قدرة إنتاجية لا تستطيع استغلالها بالكامل ما دامت ملتزمة بنظام الحصص.
وذكر المعهد أن هذه الفجوة بين الطاقة الإنتاجية والإنتاج الفعلي تمثل جوهر المشكلة من الناحية السياسية.
فبينما ترى أوبك أن خفض الإنتاج يسهم في دعم الأسعار والحفاظ على تماسك المجموعة، ترى الإمارات أن إبقاء جزء متزايد من طاقتها الإنتاجية معطلا يقيّد إستراتيجيتها القائمة على الاستثمارات والعقود طويلة الأجل، إلى جانب تعزيز حضورها في الأسواق الآسيوية.

خلاف 2021
ولفت المعهد إلى أنه في عام 2021، عارضت أبو ظبي تمديد تخفيضات "أوبك بلس" من دون مراجعة خط الأساس، مطالبة برفع المعيار من 3.168 ملايين برميل يوميا إلى 3.8 ملايين برميل يوميا.
ورغم أن الاتفاق النهائي رفع الحد الأدنى للإمارات إلى 3.5 ملايين برميل بدءا من مايو/أيار 2022، فإنه لم يعالج جوهر المشكلة.
وأكد المعهد أنه منذ ذلك الوقت، بات الموقف الإماراتي أكثر صعوبة من حيث التوافق مع تسويات أوبك. فالإمارات لا تعارض مبدأ التنسيق بحد ذاته، لكنها ترفض أن يأتي ذلك على حساب نمو إنتاجها.
وأوضح أن قرار الانسحاب يجب فهمه بصفته اللحظة التي توقف فيها التوافق داخل أوبك عن تحقيق مكاسب تتناسب مع كلفته بالنسبة إلى أبو ظبي.
فالإمارات لم تعد ترى أن فوائد الالتزام بقيود الحصص تعوض ما تخسره من حرية في الإنتاج، والتخطيط الصناعي، وإدارة علاقاتها مع العملاء.
وأشار إلى أن القضية لا تتعلق فقط ببيع كميات أكبر من النفط، بل تشمل أيضا تحديد توقيت البيع وشروطه، ومدى الاستقلالية عن قرارات الرياض وموسكو.
ومن هذا المنطلق، فإن الانسحاب لا يعكس خلافا فنيا فحسب، بل يكشف عن تسلسل هرمي داخل المنظمة لم تعد الإمارات تعتبره قابلا للاستمرار.
ولفت المعهد إلى أن مقارنة الحالة الإماراتية بحالات الانسحاب السابقة تكشف اختلافا جوهريا؛ إذ غادرت قطر وإندونيسيا والإكوادور وأنغولا المنظمة من مواقع أضعف أو بسبب أولويات قطاعية مختلفة.
في المقابل، تنسحب الإمارات من موقع قوة، مستندة إلى شركة نفط وطنية متوسعة، وطاقة إنتاجية تفوق مستوى إنتاجها الفعلي، وسياسة طاقة أكثر استقلالية.
وأكد أن النتيجة السياسية لهذا التطور هي خسارة أوبك عضوا كان في طور نمو، وهو ما يجعل الحالة الإماراتية أكثر أهمية من جميع حالات الانسحاب السابقة.
هيمنة السعودية وروسيا
وأوضح المعهد أن التأثير المباشر الأول يتعلق بالسعودية. فمع خروج أبو ظبي، تبقى الرياض المركز شبه الحتمي لإدارة الإمدادات، لكنها تصبح أيضا أكثر عرضة للضغوط.
وأشار إلى أنه سابقا، كان جزء كبير من طاقة إنتاج الخليج خاضعا لتسوية بين دول "أوبك بلس" والدول غير الأعضاء. أما الآن، فيعود جزء من هذه الطاقة إلى السيطرة الإماراتية الكاملة.
وسيظل بإمكان المنظمة اتخاذ قرارات بشأن خفض الإنتاج أو زيادته، ولكن مع عدد أقل من المنتجين القادرين فعليا على دعم هذه القرارات بكميات كبيرة.
ولفت إلى أن التأثير الثاني يتعلق بـ "أوبك بلس". فخروج الإمارات يجعل هذا التحالف أكثر اعتمادا على التفاهم بين السعودية وروسيا.
وأوضح أن هذا قد يُسهم في توحيد الصفوف على المدى القصير، نظرا لتقلص مركز صنع القرار، لكنه يزيد من هشاشة المنظومة سياسيا. فإذا ما تباعدت الرياض وموسكو، سيقل عدد الأطراف القوية القادرة على تعويض هذا الخلل.
وأكد المعهد أن "أوبك بلس" ستبقى ذات أهمية، لكنها ستكون أصغر حجما وأقل تمثيلا وأكثر اعتمادا على استقرار العلاقات السعودية-الروسية.
وأشار إلى أن التأثير الثالث يتعلق بالدول المنتجة الأخرى، موضحا أن السابقة الإماراتية تختلف عن حالات قطر وإندونيسيا والإكوادور وأنغولا، لأنها تصدر عن دولة في موقع نمو لا ضعف.
وهذا قد يجعل من الأصعب مستقبلا مطالبة الدول الراغبة في زيادة إنتاجها بقبول تخفيضات عندما تسمح ظروف السوق بذلك.
وأشار إلى أن الخطر لا يتمثل في انسحاب جماعي وفوري من أوبك، بل في تزايد صعوبة إقناع الأعضاء بقبول تضحيات إنتاجية لم يعودوا يرون أن المنظمة توفر مقابلها الفوائد نفسها التي كانت تقدمها سابقا.

وأوضح المعهد أن التأثير على السوق سيكون على الأرجح تدريجيا. ففي تقريرها الصادر في أبريل/نيسان 2026، قدرت وكالة الطاقة الدولية انخفاضا طفيفا في الطلب العالمي، بمتوسط 80 ألف برميل يوميا سنويا، بعد توقعات سابقة أكثر تفاؤلا.
وأشار إلى أن هذا يقلل من خطر حدوث صدمة فورية نتيجة فائض العرض، لكنه لا يحل المشكلة السياسية.
فإذا زادت أبو ظبي إنتاجها تدريجيا، فسيتعين على أوبك الاختيار بين ترك هامش للإمارات وقبول أسعار أقل، أو التعويض بتخفيضات أكبر من الأعضاء الآخرين. وكلا الخيارين له ثمنه.
ولفت المعهد إلى أن الإمارات تتبنى سياسة طاقة ذات شقين. فعلى المدى القريب، تسعى إلى الاستفادة من النفط عبر زيادة طاقتها وحضورها في الأسواق التي لا يزال الطلب فيها قويا، لا سيما في آسيا.
أما على المدى المتوسط والبعيد، فتسعى إلى تجنب ربط مكانتها الدولية بالكامل بالنفط الخام، وتستثمر في المتجددة والهيدروجين وتقنيات الطاقة عبر شركات مثل مصدر.
وأكد أن هذا التوجه لا ينطوي على تناقض؛ فأبو ظبي تسعى إلى الاستفادة من النفط ما دام يحتفظ بمكانته المحورية، لكن من دون الارتهان الكامل لمنظومة النفط التقليدية.
وأوضح أن أوبك ستواصل وجودها، لأن السعودية وروسيا وغيرهما من المنتجين سيظلون معنيين بالتنسيق.
لكن التساؤل المطروح يتمثل في مدى قدرة المنظمة على تمثيل مصالح متباينة من دون أن تتحول إلى إطار أكثر ضيقا يتركز حول عدد محدود من الدول ويفقد تدريجيا تأثيره في سلوك بقية الأعضاء.
وخلص المعهد إلى أن الإمارات لا تنسحب من أوبك لأن النفط تراجعت أهميته بالنسبة إليها، بل على العكس، لأنه لا يزال يحتل مكانة بالغة الأهمية تجعلها غير مستعدة لإخضاع إدارته لتسوية لا تعكس حجم نموها.
وأكد أن الانسحاب الإماراتي لا يضعف أوبك فقط بسبب فقدان كميات من النفط، بل لأنه يكشف أن دولة منتجة وفي طور التوسع باتت ترى في المنظمة قيدا على إستراتيجيتها الوطنية.
ووفق هذا التصور، فإن مستقبل سوق النفط قد لا ينقسم بين منتجين ومستهلكين، بل بين منتجين ما زالوا يؤمنون بالإدارة الجماعية للسوق، وآخرين يفضلون العمل بقدر أكبر من الاستقلالية.


















