ردع إستراتيجي.. كيف دخلت أزمة الهند وباكستان مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة؟

"الهند وباكستان لم يستخلصوا من المواجهة دروسا تدفع نحو التهدئة"
تتزايد المخاوف من انزلاق التوتر المتصاعد بين الهند وباكستان إلى مواجهة واسعة قد تحمل تداعيات معقدة من الأزمات السابقة، في ظل تشابك الحسابات الإقليمية والدولية.
وحذّرت الباحثة الأولى ومديرة برنامج جنوب آسيا في مركز ستيمسون الأميركي، إليزابيث ثريلكيلد، من أن أي مواجهة مقبلة بين الهند وباكستان ستكون أكثر خطورة وتدميرا، وأشد تعقيدا بالنسبة إلى واشنطن.

مرحلة أخطر
وقالت ثريلكيلد، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، إن أزمة مايو/أيار 2025، التي شهدت تبادلا مكثفا لإطلاق النار بين الجارتين لمدة أربعة أيام، مثّلت أخطر مواجهة بين قوتين نوويتين منذ عقود، كما كشفت عن توسع غير مسبوق في استخدام أدوات الحرب التقليدية.
وأشارت إلى أن الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية استهدفت قواعد عسكرية ومراكز حضرية في كلا البلدين، موضحة أن المخططين العسكريين في الهند وباكستان لم يستخلصوا من المواجهة دروسا تدفع نحو التهدئة.
واستدركت: “بل على العكس، قضى الطرفان عام 2025 في استخلاص خبرات تمكّنهما من إلحاق أضرار أكبر في أي حرب مستقبلية”.
وأضافت أن كلا الجانبين توصل إلى قناعة بأن المواجهة المقبلة ستُحسم بقدرتهما على تنفيذ ضربات أسرع وأبعد مدى وأكثر كثافة، وهو ما يترجمانه عمليا عبر اقتناء قدرات عسكرية جديدة وتنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة.
واستعرضت ثريلكيلد مسار أزمة مايو/أيار 2025، موضحة أنها اندلعت عقب هجوم استهدف سياحا في وادي باهالغام بإقليم كشمير الخاضع للإدارة الهندية، وأسفر عن مقتل 25 مواطنا هنديا ومواطن نيبالي.
وبعد أسبوعين، شنت الهند ضربات باستخدام المدفعية الدقيقة والطائرات المسيّرة والصواريخ على تسعة مواقع في إقليم البنجاب وكشمير الخاضعين للإدارة الباكستانية، متوغلة داخل الأراضي الباكستانية إلى مدى غير مسبوق منذ حرب عام 1971.
وأضافت أن التصعيد بلغ مرحلة أخطر عندما استهدفت الهند ما لا يقل عن 11 موقعا عسكريا باكستانيا، من بينها قاعدة نور خان الجوية في روالبندي، المجاورة لمقر الجهة المسؤولة عن الأسلحة النووية الباكستانية، فيما أسفرت المواجهة بأكملها عن أكثر من 70 ضحية.
وذكرت أن واشنطن تبنت في البداية نهجا يقوم على عدم التدخل، إذ صرّح نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، لقناة فوكس نيوز، في 8 مايو، قائلا: "لن نتدخل في حرب لا شأن لنا بها أساسا".
لكن مسؤولي إدارة دونالد ترامب تلقوا، في اليوم التالي، ما وصفته بـ"معلومات استخباراتية مقلقة"، دفعتهم إلى تغيير موقفهم، ليتولى فانس ووزير الخارجية، ماركو روبيو، متابعة الملف إلى أن جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 10 مايو.
جولة قادمة
وأوضحت الباحثة أن الهند وباكستان تعملان على استثمار المواجهة الأخيرة لتحديد نقاط القوة والثغرات لدى كل منهما.
ففي حين تتجه باكستان إلى الصين وتركيا لتحديث دفاعاتها الجوية، وأسطولها من الطائرات المقاتلة والمسيّرة، وقدراتها في الحرب الإلكترونية، ترى الهند أنها بحاجة إلى مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والطائرات والأقمار الصناعية والقدرات الإلكترونية المتقدمة.
وأضافت أن باكستان، بدعم من قدرات صينية متطورة، أنشأت قيادة لقوات الصواريخ التابعة للجيش بهدف تعزيز منظومات الضرب الدقيق التقليدية، كما وحّدت صلاحيات التخطيط والنشر تحت قيادة رئيس أركان الدفاع عاصم منير.
وأشارت كذلك إلى أن إسلام آباد باتت تُظهر استعدادا أكبر للمخاطرة، إذ أكدت في تصريحاتها أنها "لن تتراجع" في مواجهة أي عدوان هندي.
وقدّمت ثريلكيلد سيناريو تفصيليا لأزمة محتملة، قالت إنه غير مرجح لكنه ليس مستبعدا.
ويبدأ السيناريو بتحضيرات هندية لإجراء مناورة عسكرية واسعة قرب الحدود، ما يثير قلق إسلام آباد، قبل أن ينفذ مسلحون بلوش هجوما بحريا على سفينة باكستانية قرب ميناء جوادر، فتتهم باكستان نيودلهي بالوقوف وراء الهجوم من دون تقديم أدلة.
ويتفاقم التصعيد عندما تُسقط الدفاعات الجوية الباكستانية طائرة هندية، لترد نيودلهي باستهداف موقع الرادار المسؤول عن إسقاطها.
وبعد ذلك، تمتد الضربات إلى مراكز قيادة وقواعد جوية تضم طائرات قادرة على حمل رؤوس نووية، ما يثير مخاوف من سعي كل طرف إلى تقويض قدرة الردع النووي لدى الطرف الآخر.
وأضافت الباحثة أن تداول صور الضحايا والدمار عبر وسائل التواصل الاجتماعي سيزيد الضغوط الشعبية والسياسية باتجاه مزيد من التصعيد، في وقت يجد فيه المخططون العسكريون دافعا لتوجيه ضربات سريعة قبل أن تنجح الجهود الدبلوماسية في تجميد الصراع بشروط لا تخدم مصالحهم.
وترى ثريلكيلد أن القتال سيمتد لاحقا إلى المجال البحري والمياه العابرة للحدود، بما قد يؤدي إلى استدراج قوى خارجية ويزيد من تعقيد فرص التوصل إلى مخرج للأزمة.

الخطر النووي
وأشارت ثريلكيلد إلى أن مهندس الإستراتيجية النووية الباكستانية، الفريق المتقاعد خالد كيدواي، أقر بأن إنشاء قيادة قوات الصواريخ "يوفر طبقة إضافية من الردع الإستراتيجي بين القوات التقليدية وإمكانية استخدام القوات النووية، بما يرفع العتبات النووية".
وترى الباحثة أن هذا يمثل تحولا لافتا لدولة اعتمدت تاريخيا على التهديد باستخدام السلاح النووي لردع حتى الهجمات التقليدية المحدودة.
غير أنها حذّرت من أن هذا التصور قد يحجب خطرا آخر يتمثل في أن الحروب التقليدية الأكثر حدة والأقل قابلية للتنبؤ قد تزيد ضغوط التصعيد وترفع احتمالات الاستخدام النووي غير المقصود.
فمع اتساع نطاق القتال، تتزايد احتمالات سوء التقدير، وقد تُفهم الخطوط الحمراء بصورة خاطئة، أو تُستهدف أصول ذات استخدام مزدوج من دون قصد، كما قد يُفسَّر نشر منظومات نووية قصيرة المدى لأغراض دفاعية بصفته استعدادا لاستخدامها فعليا.
وأكدت ثريلكيلد أن إدارة الأزمات المستقبلية قد تصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى واشنطن، في ظل تكرار ادعاءات ترامب بأنه هو من أجبر الطرفين على القبول بوقف إطلاق النار.
وأوضحت أن هذه التصريحات أسهمت، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، في توتر بين ترامب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال مكالمة أعقبت الأزمة، كما لا تزال تمثل نقطة خلاف حادة في نيودلهي، التي تصر على أن خفض التصعيد جرى بصورة ثنائية بحتة.
وأضافت أن نيودلهي رفضت تاريخيا أي وساطة من طرف ثالث في نزاعاتها مع باكستان، لأنها ترى في التدخل الخارجي منحا للشرعية لمساعي إسلام آباد الرامية إلى تدويل قضية كشمير.
وفي حال اندلاع مواجهة جديدة، قد ترفض الهند أي تحرك أميركي يبدو وكأنه قبول بالوساطة أو مكافأة للتصعيد الباكستاني، في حين قد تجد باكستان أن واشنطن باتت أقل قدرة أو رغبة في التدخل مقارنة بالماضي.
وأكدت ثريلكيلد أن أنجع السبل للحد من هذه المخاطر تتمثل في منع وقوع الأزمة المقبلة، مع العمل في الوقت نفسه على بناء آليات لإدارتها في حال فشل جهود الوقاية.
ودعت إدارة ترامب إلى التعامل مع أزمة مايو 2025 كحافز لصياغة إستراتيجية أكثر جدية لمنع الأزمات في جنوب آسيا.
كما دعت ثريلكيلد واشنطن إلى تشجيع الحوار الهندي الباكستاني بعيدا عن الأضواء، ودعم منتديات غير رسمية للتواصل، بما يضمن عدم تعقيد المسار أو إضعافه، مع التركيز على إنشاء قنوات اتصال جديدة تُستخدم في أوقات السلم والأزمات على حد سواء، للحد من مخاطر التصعيد غير المقصود.
وشددت على أن “التحذيرات وحدها لا تكفي، مطالبة بخطة منسقة لإدارة الأزمات ترصد مسارات التصعيد غير المتوقعة، وتحدد مجالات نفوذ الولايات المتحدة وشركائها لدى كل طرف، وتوضح المسؤولين والقنوات والرسائل التي ينبغي استخدامها في كل مرحلة”.
وختمت ثريلكيلد بالتحذير قائلة: "لم تدفع أزمة مايو 2025 الهند وباكستان إلى حافة حرب نووية، لكنها مهدت الطريق لمواجهة أخرى قد تكون كذلك".
وتابعت: "لا ينبغي النظر إلى نجاح واشنطن في دفع وقف إطلاق النار بصفته دليلا على أن الأزمات المقبلة يمكن إدارتها بالأدوات والتوقيتات والافتراضات ذاتها، فالحريق القادم قد يكون أشد وأسرع انتشارا".

















