مع إغلاق إيران مضيق هرمز.. لماذا بدأت تتودد أميركا للقرن الإفريقي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع مواصلة إيران إغلاقها مضيق هرمز، تتحرك الولايات المتحدة نحو تطبيع علاقاتها مع إريتريا، الدولة الساحلية الصغيرة في القرن الإفريقي، مع سعي موازٍ لاحتواء خصومها، وفق تقرير لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت".

وتشير المجلة إلى أن إدارة دونالد ترامب تعمل بشكل سري على هذا المسار، مستفيدة من الموقع الإستراتيجي لإريتريا التي تمتد سواحلها لنحو 700 ميل على البحر الأحمر، وتقابل مباشرة مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن عند مدخل باب المندب.

ومع انخراط واشنطن في حرب مع إيران أفضت إلى إغلاق مضيق هرمز واضطراب أسواق الطاقة العالمية، تزايدت أهمية وجود حليف على البحر الأحمر.

فالسعودية التي تعذّر عليها استخدام موانئها الرئيسة في الخليج، باتت تمرر قرابة 4 ملايين برميل يوميًا عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يجعل باب المندب منفذها الوحيد نحو الأسواق العالمية.

في المقابل، لوّح الحوثيون وإيران بإمكانية إغلاق هذا الممر أيضًا، ما أثار في واشنطن مخاوف من سيناريو إغلاق المضيقين معًا، وسلّط الضوء على إريتريا ومنطقة البحر الأحمر عمومًا.

وذكرت التقارير أن مصر رتّبت لقاءً في القاهرة جمع مسعد بولس، مبعوث ترامب إلى إفريقيا، بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" أول من كشف هذه المحادثات، قبل أن يؤكدها موقع "سيمافور" بشكل مستقل.

ورغم نفي بولس بحث الملف الإريتري خلال زيارته القاهرة، لم يبدد ذلك التكهنات حول مساعي التطبيع، خاصة بعد بيان للسفارة الإريترية في واشنطن لم ينفِ وجود محادثات، بل دافع عنها وهاجم منتقديها واصفًا إياهم بـ"جماعات ضغط مدفوعة الأجر".

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الأميركية للمجلة أنها تتطلع إلى تعزيز علاقاتها مع شعب وحكومة إريتريا.

تهديد وجودي للقاهرة

وتعد الوساطة المصرية من أبرز ما كشفه التقرير؛ إذ هزّت الحرب الإيرانية الاقتصاد المصري بشدة.

وأشار رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي أخيرا إلى أن الهجمات على سفن البحر الأحمر كلّفت مصر 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس، في إشارة تبدو واضحة إلى الحصار الذي فرضه الحوثيون على الملاحة بين 2023 و2025 تضامنا مع غزة.

وخلال تلك الفترة، اتخذت مصر خطوات جادة لتحسين علاقاتها المتوترة مع إيران، كما أجرت، وفق التقارير، مشاورات سرية مع الحوثيين لاحتواء التصعيد في البحر الأحمر.

ومع تهديد الحوثيين وإيران بإعادة فتح تلك الجبهة مع اتساع رقعة الحرب، فإن لدى القاهرة كل الأسباب للحرص على تأمين مدخل البحر الأحمر.

غير أن المصالح المصرية في إريتريا تتجاوز التقديرات الاقتصادية الطارئة؛ إذ أمضت القاهرة العامين الماضيين في بناء منظومة ضغط محكمة حول إثيوبيا المجاورة، وقد انضمت واشنطن إليها الآن على ما يبدو دون إدراك كامل للدور المطلوب منها.

والمظالم التي تحرك مصر قديمة؛ فإثيوبيا افتتحت سد النهضة في سبتمبر/أيلول، وأعلنت عن خطط لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل.

وتنظر مصر إلى هذا المسار بصفته تهديدا "وجوديا" لأمنها المائي. وقد أكد السيسي لترامب في يناير/كانون الثاني أنه يقدر الدعم الأميركي في قضية النيل، مشيدا بعرضه استئناف الوساطة، فيما تواصل إثيوبيا رفض العودة إلى طاولة المفاوضات، محتجّة بأن موقفها مبرر قانونيا وأن افتتاح السد أفرز أمرا واقعا.

وردا على ذلك، أبرمت مصر اتفاقيات لتطوير موانئ إريتريا، دوراله وعصب، بمرافق قادرة على استقبال سفن حربية مصرية.

كما نشرت قوات في بعثة حفظ السلام الصومالية، وضعت بها قواتها على الجناح الجنوبي الشرقي لإثيوبيا، وضغطت على السعودية لتعميق علاقاتها الأمنية مع أسمرة، وانحازت بقوة إلى القوات المسلحة السودانية في حربها ضد قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا، وهي حرب تدعم فيها إريتريا الجيش السوداني بينما تساند إثيوبيا "الدعم السريع".

وخلاصة القول، كما يرى التقرير، أن مصر رسمت إستراتيجية واضحة لتطويق إثيوبيا من جميع الجهات، وهي تسعى الآن عبر وساطتها بين واشنطن وأسمرة إلى تفعيل النفوذ الدبلوماسي الأميركي في خدمة هذه الإستراتيجية.

حسابات واشنطن

أما الاهتمام الأميركي المفاجئ بتطبيع العلاقات مع إريتريا فيصفه التقرير بأنه مدفوع بضرورة ملحة؛ إذ تجنبت واشنطن التعامل مع أسمرة لعقود بسبب سجلها المروع في حقوق الإنسان، بل إن إدارة ترامب نفسها أدرجت إريتريا في قائمة حظر السفر في يونيو/حزيران 2025.

ويتناقض هذا التحرك مع كون الإدارة الأميركية جعلت من حماية المسيحيين من الاضطهاد قضية محورية في سياستها الخارجية، في حين صنّفت وزارة الخارجية إريتريا "دولة مثيرة للقلق بشكل خاص" كل عام منذ 2004، وكانت حملاتها ضد الجماعات المسيحية غير المسجلة بالغة القسوة.

لكن مع استمرار حصار هرمز وتعثر مفاوضات وقف إطلاق النار مع إيران واحتمال استهداف الحوثيين للملاحة في باب المندب، تتعامل الإدارة الأميركية مع كل ورقة ضغط في متناولها.

وبينما كانت المحادثات الأميركية الإريترية قد بدأت بالفعل منذ سبتمبر/أيلول الماضي حين التقى بولس وزير الخارجية الإريتري على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن التسارع اللافت في هذا المسار يكشف عن مدى ما ضيّقته الحرب مع إيران من خيارات أمام واشنطن في البحر الأحمر.

وثمة تعقيد إضافي يشير إليه التقرير؛ فحتى لو منح التطبيع واشنطن موقعا إستراتيجيا على باب المندب، فإن المضي فيه له ثمنه.

فبصرف النظر عن نوايا واشنطن، فإن السماح للقاهرة بالتوسط يعني أن هذه الخطوة ستقرأ في أرجاء القرن الإفريقي كلها على أنها انحياز لمحور مصر وإريتريا، وهو ما يتعارض مع المصالح الأميركية في منطقة تمثل فيها إثيوبيا الدولة الأكثر سكانا والأكبر اقتصادا والشريك الأمني التاريخي ومقر الاتحاد الإفريقي.

حافة حرب جديدة

ويزيد الوضع تعقيدا التاريخ المثقل بالحروب بين إثيوبيا وإريتريا، اللتين تحشدان اليوم قواتهما على الحدود المشتركة.

فقد خاضتا حربا حدودية وحشية بين 1998 و2000، قبل أن تظلا سنوات في حالة "لا سلام ولا حرب"، إلى أن وسّطت الإمارات لإبرام اتفاق سلام تاريخي عام 2018 نال عنه رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جائزة نوبل للسلام عام 2019.

ثم تعاونت الدولتان لإخماد تمرد تيغراي بين 2020 و2022 في حرب أودت بأكثر من 600 ألف شخص وشردت الملايين. لكن التحالف انهار فور انتهاء الحرب، وبدأ آبي أحمد مطالبا بمنفذ على البحر الأحمر عبر الأراضي الإريترية، فردت أسمرة بتسليح أعدائه من مليشيات أمهرة وفصائل تيغراي.

وفي أبريل/نيسان، أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي إعادة تأسيس برلمانها في تحدٍّ مباشر للسلطة الفيدرالية، واتهم مسؤولون إثيوبيون إريتريا بالوقوف وراء هذه الخطوة، عادين إياها مصمّمة للإبقاء على إثيوبيا غير الساحلية في حالة اضطراب دائم وإبعادها عن البحر.

وهكذا، بات القرن الإفريقي على شفا حرب جديدة، والتطبيع مع إريتريا التي تدعم جبهة تيغراي وكيلا لها ضد إثيوبيا ينطوي على مخاطر تصعيد التوترات لا تهدئتها.

بيد أن التقرير يشير إلى فرصة سانحة أيضا؛ إذ باتت واشنطن على تواصل مع جميع الأطراف، فهي تاريخيا حليفة لإثيوبيا، وتفتح قنوات مع إريتريا، وتحتفظ بنفوذ حقيقي على القاهرة من خلال المساعدات العسكرية والعلاقة الشخصية بين ترامب والسيسي.

ويختم التقرير بأنه إن أُحسن توظيف هذه الأوراق، استطاعت واشنطن أن تكون قوة تهدئة في منطقة هي بأمس الحاجة إليها. وإن أُسيء استخدامها، فإنها تخاطر بالانزلاق إلى مستنقع الصراعات التاريخية المتجذّرة في القرن الإفريقي.